سيدات النهضة المصرية «39» .. هدى شعراوى..

أم النضال النسوى المنظم فى التاريخ المعاصر / كانت تدعم الشعب الفلسطينى بمساعدات مالية وغذائية وطبية

من مصادفات القدر، ومكر التاريخ أن تموت "هدى شعراوى" بالسكتة القلبية وهى جالسة إلى مكتبها تكتب بيان إدانة للعصابات الصهيونية فى فلسطـين "29 نوفمبر1947" داعية المصريين وكل العرب إلى دعم نضال الشعب الفلسطينى الأعزل، الذى يواجه بريطانيا وعصابات الصهاينة المسلحة، وهى نفسها التى دعمت نضال الشعب الفلسطينى فى العام "1938" من خلال الاتحاد النسائى المصرى الذى ترأسه، وهى نفسها التى عاشت حياتها كلها تدافع عن "خيانة" والدها "محمد سلطان" للثورة العرابية وتقول إنه تعرض للخديعة من بريطانيا، وهنا نحاول قراءة دورها المهم فى خلق كيان منظم يدافع عن قضايا المرأة ويدافع عن حقوقها فى زمن كان الكلام فيه عن هذه الحقوق عيبا وحراما وجريمة لا تغتفر..

هدى تدافع عن فلسطين

كانت ثورة الشعب العربى فى فلسطين تعيش حالة تصاعد، وعرف الناس تفاصيل مؤامرة بريطانيا التى كانت فلسطين تحت قيادتها بمسمى "الانتداب"، وهى مؤامرة استهدفت تهجير اليهود من أوربا إلى أرض فلسطين حسب "وعدبلفور" وزير الخارجية البريطانى لقادة الحركة الصهيونية، ومنذ ثلاثينات القرن الماضى تفجر الغضب العربى الفلسطـــــــينى، فقام الشيــــخ "عز الدين القسام" بتشكيل تنظيم "الكف السوداء" لقتال العصابات الصهيونية، واستطاع تجنيد المئات من الفلاحين العرب فى فلسطين، وتمكنت بريطانيا من قتل "القسام" وفى الوقت ذاته تزايدت أعداد اليهود المهاجرين إلى فلسطين، وفى العام 1936 تفجرت انتفاضة فلسطينية، للمطالبة بالاستقلال ووقف هجرة اليهود إلى فلسطين، وتضمنت الانتفاضة إضرابا عاما، دعا إليه الحاج "أمين الحسينى" واستمر الإضراب من "15 أبريل" إلى "أكتوبر 1936"، ثم تفجرت مقاومة عنيفة شارك فيها الفلاحون، وظل الكفاح الشعبى الفلسطينى متواصلا، ووجد المعونة والدعم من القوى الشعبية فى البلدان العربية، بدافع إنسانى ودينى، فلم تكن "الجامعة العربية" ظهرت فى الحياة السياسية، ولم تكن "القومية العربية" تبلورت فى الأذهان، ولكن "هدى شعراوى" زوجة "على شعراوى" عضو الوفد المصرى، وزعيمة "الاتحاد النسائى المصرى" كانت حاضرة فى المشهد، ومنذ تفجر الغضب الفلسطينى كانت تدعم الشعب الشقيق بكل ما تستطيع من مساعدات مالية وغذائية وطبية، وفى العام 1938، عقدت مؤتمرا نسائيا خصصته لدعم الشعب الفلسطينى الثائر، ودعت السيدات المصريات والعربيات لتقديم الدعم للشعب العربى الشقيق، وشاءت الأقدار أن تشهد "هدى شعراوى" لحظة المواجهة الكبرى بين العرب والصهاينة فى العام "1947" وهى اللحظة التى ترتب عليها صدور قرار مجلس الأمن الدولى بتقسيم "الوطن الفلسطينى" بين "العرب" و"اليهود" الذين جاء بهم الاحتلال البريطانى من البلدان الأوروبية، وماتت رحمها الله وهى جالسة تكتب بيانا سياسيا تدعو فيه القوى الوطنية العربية للوقوف فى صف الشعب الفلسطينى ودعمه بكل الصور.

 سلطان باشا الخائن

لم تجد "نور الهدى محمد سلطان" ما تدافع به عن والدها "الخائن" غير اتهامه بالسذاجة السياسية وتعرضه للخديعة من جانب "بريطانيا" و"الخديو توفيق"، وفى مذكراتها التى نشرتها عدة جهات مصرية منها "دار الهلال ـ سبتمبر 1981" دافعت عن والدها، وقالت إنه لم يخن الثورة العرابية، والحقيقة التى أجمع عليها المؤرخون فى بريطانيا ومصر، أنه رفض عزل الخديو توفيق، رغم أنه كان فى استطاعته أن يفعل، فهو "رئيس مجلس النواب المصرى"، وأنه تسلم من "الخديو توفيق" عشرة آلاف جنيه من الذهب وعشرة آلاف فدان، مقابل تخليه عن العرابين، وحشده لعدد من خونة "العربان" ودعوته لهم بالتخلى عن عرابى، وتسليمهم الأموال، وكان يتعشم فى الإنعام عليه بمنصب "رئيس الوزراء"، لكن البريطانيين والخديو معهم، اكتفوا بمامنحوه له من أموال وأطيان، وفى لحظة شعور بالندم أو يقظة الضمير، سقط "محمد سلطان باشا" مصابا بالشلل، ونقل إلى أوروبا لتلقى العلاج، وفى مذكراتها كتبت "هدى شعراوى":

"ـ..كنت فى الخامسة من عمرى عندما وقع هذا الحادث الجسيم، فقد توفى والدى المرحوم محمد سلطان باشا يوم "14 أغسطس 1884" فى مدينة "جراتس" بالنمسا، وكان يعانى من صدمتين، الصدمة الأولى ـ وفاة أخى "إسماعيل" ـ الذى كان يعقد عليه كل آماله فى المستقبل، فقد كان ذكيا يبدو أكبر من عمره فى كل شىء، فى الوقت الذى كان فيه شقيقى "عمر" ضعيف البنية، والأمل فى حياته ضعيف جدا، والصدمة الثانية فكانت تلك المأساة التى أدت باستقلال البلاد إثر الحوادث "العرابية" وما ظهر من سوء نية الإنجليز بعد دخولهم مصر، حيث بدا واضحا أنهم لن يفكروا فى الجلاء عنها".

وكما يقولون فى مصر "يخلق من ظهر الفاسد عالم، ويخلق من ظهر العالم فاسد"، كانت "نور الهدى محمد سلطان" هى "المناضلة الوطنية" التى جاءت من ظهر"الخائن الأول" للثورة العرابية، الذى باع استقلال الوطن مقابل الأفدنة والجنيهات الذهبية، وكان ابن عمتها "على شعراوى" وزوجها من أعضاء "الوفد المصرى" الذى تشكل بزعامة "سعد زغلول" للمطالبة باستقلال مصر فى الفترة التى أعقبت "الحرب العالمية " الأولى، وفى مارس 1919 نفى "شعراوى"  مع رجال الوفد المصرى إلى " "مالطة"، وكانت "نورالهدى" قد خففت اسمها إلى "هدى" وأودعت اسم والدها، خزينة النسيان، وجعلت اسمها "هدى شعراوى" تقليدا للأوربيات، وفى الفترة التى تلت وفاة والدها وتعيين "على شعراوى" وصيا عليها وعلى العائلة، ووكيلا يتولى إدارة آلاف الأفدنة التى تركها والدها، عاشت سنوات صعبة، فعرفت قسوة اليتم، وقسوة المجتمع الذى يؤمن بأحقية "الذكر" فى الهيمنة على مقدرات "الأنثى"، وذكرت ـ هدى شعراوى ـ فى مذكراتها تفاصيل كثيرة عن تفضيل شقيقها "عمرسلطان" عليها، رغم أنها كانت تكبره بعشرة أعوام، لأنه "الذكر" الذى يحمل اسم والده، وفيه "خلود" الوالد، وعلو ذكره فى الحياة الدنيا، وكانت طفولتها مليئة بالمشاهد العنيفة، فهى تروى حكايات كثيرة عن أمها الشركسية "إقبال هانم" وزوجة والدها "حسيبة"، وعن سنوات تلقيها العلوم فى المنزل على عادة الطبقة الأرستقراطية التى كانت تسمح للفتيات بتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم على أيدى معلمين وشيوخ تنتدبهم لهذه المهمة مقابل أجور محددة، وكان من حسن الحظ أن "هدى" استطاعت أن تتعلم اللغة الفرنسية وتتعلم العزف على "البيانو"، واستطاعت أن تحفظ القرآن الكريم فى سن مبكرة، ولما بلغت سن الثانية عشرة زوجت للرجل الذى يرعى مصالح العائلة، ابن عمتها "على شعراوى" الذى يكبرها بأربعين سنة، ومتزوج من سيدة أخرى وله منها ثلاث بنات، ولم تكن "هدى" قادرة على رفض هذا الزواج الذى قررته عليها الظروف، وأقرته والدتها.

 زواج إجبارى

فرضت ظروف رحيل "محمد سلطان باشا" المبكر، قيام ابن شقيقته "على شعراوى" بمهام الوصاية على أطفاله القصر، وإدارة أطيانه وممتلكاته، وتمت "صفقة" زواج "هدى" من "على شعراوى" ولكنها استطاعت تحسين شروط هذه الصفقة، باشتراطها عليه تطليق زوجته الأولى، وكتبت تعهدا عليه ينص على أنه لو ثبت لها زواجه من أخريات غيرها يبطل زواجها منه، ووافق الرجل، لكنه بعد عامين مضيا على زواجه منها، أعاد زوجته الأولى إلى عصمته، فهجرت "هدى" بيت الزوجية وأقامت فى قصر والدها، ولم تحصل على الطلاق، لكنها عاشت وحيدة بعيدة عن زوجها، وفى تلك الفترة تعلمت اللغة الفرنسية وأجادتها إجادة تامة، وقرأت الكثير من الكتب، وسافرت إلى أوربا، وخلال السنوات السبع التى هجرت خلالها بيت الزوجية، امتلكت "هدى" الوعى، وقررت أن تهب حياتها للعمل العام، ونجحت فى تأسيس عدة جمعيات خيرية وأن تكون "ناشطة نسوية" وكانت مصر فى تلك الفترة من بدايات القرن العشرين، عرفت نشاطا نسويا للسيدات الأوربيات المقيمات فى القاهرة والإسكندرية والمدن المهمة فى الدلتا والصعيد، وكانت رحلة "هدى" إلى أوروبا، عرفتها إلى السيدة "أوجينى اوبران" الفرنسية المناضلة من أجل تحرير المرأة، و"عديلة نبراوى" و"عطية سقاف" التركية التى تربطها بوالدتها صلة قرابة، وهؤلاء النسوة كان لهن الأثر الكبير فى صياغة منهج "هدى شعراوى" النضالى النسوى، رغم أن "السرية" كانت مفروضة على اجتماعات السيدات، وكان محرما عليهن الحديث فى الشئون العامة أو الاجتماع العلنى فى الأماكن العامة، لكن استطاع عدد من سيدات العائلات الكبرى الثرية انتزاع حق تشكيل الجمعيات الخيرية التى تقدم الطعام والكساء والدواء للفقراء، ومن هؤلاء "ملك حفنى ناصف" التى كانت ذات دور مهم فى هذا الميدان، ونجحت "هدى شعراوى" فى إنشاء "مستوصف طبى" لخدمة الطبقات الفقيرة، وإنشاء جمعية خيرية، ونجحت فى إقناع إدارة "الجامعة الأهلية" التى أنشئت فى مصر فى العام 1908بالموافقة على تخصيص قاعة من قاعاتها للناشطات النسويات، يحاضرن فيها ويخاطبن السيدات والرجال بكل ما يحلمن به من نهضة للمرأة المصرية، وكانت "هدى" ناشطة ضمن "الاتحاد النسائى التهذيبى" و"جمعية الرقى" الأدبية، وهى التى أسست مجلة "الإجيبسيانة" وكانت تصدر باللغة الفرنسية وفيها عرض لكافة المشكلات والهموم التى تحول دون المرأة والمشاركة فى العمل السياسى والثقافى والحصول على حقوقها.

 زعيمة نساء 1919

كان العام الفاصل فى تاريخ المجتمع المصرى المعاصر، هو العام "1919"، كانت الظروف فيه تدعو كل الطبقات الاجتماعية للغضب والثورة، فالحرب العالمية الأولى أنهكت الفلاحين، وانخفاض أسعار "القطن" جعلهم فى أدنى درجات السلم الاجتماعي، تحاصرهم الديون ولا يجدون ما ينفقون منه على بيوتهم، وعاش "الصعيد" مجاعة حقيقية جعلت وزارة الأوقاف تخصص أموالا لإطعام الجائعين وتوزيع "الخبز" فى المناطق الفقيرة، وكان الباشوات قد ضاقوا ذرعا بالتغلغل الأوربى فى الاقتصاد المصرى، الأمر الذى عرضهم للخسارة المالية، وكان وجود "المندوب السامى البريطانى" وإعلان "الحماية البريطانية" على مصر، مفجرا للغضب العارم، وتجمع نواب المجتمع المصرى "سعد زغلول ورفاقه" للمطالبة بالحرية والاستقلال فكان الرد البريطانى العنيف، الذى تمثل فى نفى الوفد إلى "مالطة" هو "الشرارة" التى أشعلت القرى والمدن وخلقت الوضع الثورى فى "مارس 1919"، وكانت "سيدات الطبقة الغنية" على موعد مع الثورة، وكانت "المظاهرة النسائية" هى النصر المعنوى الذى تحقق، فظهرن فى الشوارع وتقدمن للدفاع عن الوطن والدفاع عن أنفسهن، وكانت "صفية زغلول" و"هدى شعراوى" وعشرات من سيدات الطبقة الغنية على رأس هذه المظاهرة، لكن ـ الحقيقة ـ أن نساء الطبقة الفقيرة كن سابقات فى الانخراط فى صفوف الثورة، وقدمن شهيدات فى ميادين المواجهة مع جيش الاحتلال فى القاهرة والجيزة وأسيوط وغيرها من المدن، بل إن الثورة فى أسيوط فرضت على الاحتلال قصف الثوار بالطائرات، وقام الفلاحون والفلاحات فى قرية "الشوبك" بالجيزة بقطع السكة الحديد حتى لا تتمكن قوات الاحتلال من الوصول إلى "أسيوط" وسقط عشرون شهيد من أهالى القرية برصاص الجيش البريطانى، وتشكلت "لجنة سيدات الوفد" وعنها انبثق "الاتحاد النسائى المصرى" الذى تولت "هدى" رئاسته حتى رحيلها فى العام 1947، وفيه تربت "فتيات" راغبات فى العمل الوطنى، وأصبحن قائدات فى المجتمع فى مختلف القطاعات، وأصبح هذا الاتحاد داعما للقضايا النسوية العربية وانتزع اعترافا دوليا، ومثل "مصر" فى مؤتمرات نسائية انغقدت فى روما وأمستردام واسطنبول، وأصبح الاتحاد النسائى سفيرا للقضية الوطنية المصرية فى العالم كله، وقد حدث أن التقى وفد الاتحاد قيادات سياسية عالمية مثل "أتاتورك" و"موسولينى"، وعرض مطالب الشعب المصرى ومن ضمنها مطالب المرأة المصرية فى المحافل الدولية، وأصبحت "هدى شعراوى" عضوة مؤسسة فى الاتحاد النسائى العربى، ونائبة رئيسة لجنة "اتحاد المرأة العالمى"، وشاركت فى برنامج نضال المرأة العربية الذى تضمن الهموم المشتركة للمرأة فى الأقطار العربية، ومنها تقييد حق الطلاق والحد من سلطة الولى، وتقييد تعدد الزوجات وجعل الزواج الثانى بإذن قضائى فى حالات العقم والمرض الذى لا شفاء منه ـ بالنسبة للزوجة الأولى ـ والجمع بين الأولاد والبنات فى مرحلة الطفولة، بل إن البرنامج تضمن مطلبا مدهشا، هو "إلغاء نون النسوة" من قواعد "النحو" العربى وأرسل هذا المطلب إلى المجامع اللغوية فى الدول العربية!.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص