«ألعاب حسين عبدالعليم».. محاولة سـردية مدهشة لاستعادة كاتب «غائب»

عمل محامياً للغلابة فى «بولاق الدكرور» وهيئة الكتاب أصدرت أعماله الكاملة العام 2022/ أصدر تسع «نوفللات» أشهرها «رائحة النعناع» و«سعدية وعبد الحكم وآخرون»

يبدو أن المواهب الحقيقية فى الإبداع عموماً وفى الرواية على وجه الخصوص لا يمكن لها أن تندثر أو تموت، مهما تآمرت الظروف المحيطة لفعل ذلك ومهما تكالبت عليها كلاب السكك لكى تعطلها، ويبدو الأمر لى فعلاً كأن الكتابات التى تُشبع الوجدان الإنسانى بسبب انتمائها لأحلام البسطاء وأمنياتهم وأشواقهم هى الكتابات التى تستطيع أن تحيا وأن تتنفس لزمن أطول من حيوات كتابها، مثلما تستطيع هذه القصص الجميلة أن تنتقلَ بين قلوب القراء من الأجيال الجديدة بمنتهى السهولة كأنها تُبعث فيهم من جديد، حتى بعد أن يغادر الكاتب دنيانا تبدأ بعض قصصه الحية فى التألق.

أكبر دليل على صحة ذلك هو عودة الكاتب حسين عبدالعليم (1953ـ 2019) بقصصه ورواياته إلى الواجهة الأدبية فى مصر مؤخراً، على الرغم من رحيله عن دنيانا قبل أكثر من أربع سنوات، وعلى الرغم مما لاقاه من عنتٍ وظلمٍ واستبعاد أثناء حياته، ربما أسهم فيه هو نفسه بما تمتع به من نُبل وزهد وترفع عن الصغائر.

لقد عاد حسين عبدالعليم ـ كأى كاتب كبير ـ بعد رحيله بأربعة أعوام إلى الواجهة الثقافية فى مصر من جديد من حيث الحضور الإبداعى لكتاباته أولاً، ومن حيث تأثير هذه الكتابة على أجيال جديدة ثانياً، فقد أصدرت "الهيئة المصرية العامة للكتاب" أعماله الكاملة العام الماضى فى مجلدين، وبعد صدورها بشهور كتبت الشاعرة والصحفية إسراء النمر كتابها "ألعاب حسين عبدالعليم.. الصياد الذى لم تنج منه أية رائحة" الصادر مؤخراً ليكون عنواناً عريضاً لهذه الاستعادة المستحقة لكاتب كبير، لفظته ثلاثة أجيال لكن المستقبل أنصفه وهذا هو المهم. 

أستطيع أن أقول صراحة إننى لم أعرف طوال ثلاثين عاماً كاتباً موهوباً لم يأخذ ما يستحق من الاحتفاء والتكريم مثلما حدث مع تجربة القاص والروائى الكبير الراحل حسين عبدالعليم، صاحب التسع روايات ومنها: "رائحة النعناع" و"فصول من سيرة التراب والنمل" و"الروائح المــراوغة" و"سعدية وعبد الحكـم وآخرون" و"التماع الخاطرة بالسيرة العاطرة"، وصاحب المجموعات القصصية الأربعة: "مُهر الصبا الواقف هناك"، "الرجل الذى حاول جمع شتات نفسه"و"الأمسيات والضحك والولادة" و"ألعاب قد تنتهى إلى ما لا تُحمد عقباه"، ويمكن لمثلى أن يخمِّن أكثر من سبب "فنى" لهذا الاستبعاد المقصود، من جانب النقاد والمتابعين والمهتمين، فقد كان حسين عبدالعليم كاتباً منحازاً إلى الجماعة الإنسانية، لا يخجل من عيوبها ولا يتعالى على أمراضها، وبالتالى مالت قصصه إلى الحس الاجتماعى الواضح، وإلى رؤية العالم من كاميرا المناضل اليسارى.

بغض النظر عن الجوائز التى لم يتقدم إليها مرة واحدة فى حياته، وبعيداً عن كل أشكال التكريم التى لم يحظ بأى منها، كان من أوضح علامات الظلم الذى تعرض له أنه ينتمى بحكم الميلاد إلى جيل السبعينات، إلا أن أول أعماله القصصية مجموعة "مُهر الصبا الواقف هناك" صدرت العام 1990، وكتبت بعض قصصها العام 1988، كما أن روايته الأولى "رائحة النعناع" صدرت العام 2000، أى أنه بدأ الكتابة متأخراً جداً عن أبناء جيله وبعدما تشكل الكثير من ملامح أدب جيل السبعينات، هذا التأخير أمر لا يعيبه بكل تأكيد، لكن يبدو أن حسين عبد العليم راح ضحية الوقوع بين جيلين هما السبعينات والتسعينات، بينما ظل بعيداً عن التصنيف ضمن جيل الثمانينات، وكأن ثلاثة أجيال لم تتحمل هذه الموهبة الكبيرة، وزاد الطين بلة أنه بعد تجربة نشر مريرة فى إصدارات الهيئة العامة لقصور الثقافة تجنب عبدالعليم إصدار أعماله عن دور نشر حكومية، معتمداً على دور النشر الخاصة، وعلى رأسها "دار ميريت"، حيث تنفد طبعات كتبه بمجرد صدورها ويصبح البحث عن أى منها ـ تماماً ـ مثل البحث عن إبرة فى كوم من القش.

 لعبة الاختفاء

هكذا وعلى الرغم من كل هذه المطبات والعراقيل لا تموت الموهبة أبداً بموت صاحبها، وبعد عامين من رحيله تقرر الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ أكبر دار نشر تابعة لوزارة الثقافة ـ أن تمنح إبداعه قبلة الحياة لترد بعض ما يستحق من تكريم، وأن تصدر العام الماضى الأعمال الكاملة له فى مجلدين فاخرين، الأول يضم الأعمال الروائية والثانى القصصية، لكى يثبت للجميع أنه حتى بعد وفاته سيكون قادراً على تحقيق ما لم يتمكن من تحقيقه حياً من حيث القدرة على التأثير أو تحقيق الانتشار، وأن يتبوأ بعد رحيله المقعد الذى يستحقه ككاتب كبير لم يشغله أن تلفظه ثلاثة أجيال أدبية فى مصر، لأنه يدرك أن كتابته بانحيازاتها الجمالية والاجتماعية ستظل قادرة على الوصول إلى قارئها مهما طال الزمن ومن دون الحاجة إلى إلحاح "الميديا" وأساليبها الرخيصة.

أعتقد أن أجمل ما يمكن أن يحدث لإنصاف موهبة منسية هو أن تعيد اكتشافها ـ بعد موت صاحبها ـ موهبةٌ شابة من جيلٍ آخر، لأن الإبداع لا بد أن يفى بوعده يوماً ما، وهو ما فعلته بحماس الشاعرة والصحفية إسراء النمر فى كتابها الجديد "ألعاب حسين عبدالعليم.. الصياد الذى لم تنج منه أية رائحة"، الصادر مؤخراً عن دار صفصافة للنشر بدعم من "منحة صندوق العربى للثقافة والفنون آفاق للكتابة الإبداعية"، كتحقيق استقصائى يهدف إلى التعريف بعالم كاتب مات قبل سنوات، ولم يتبق منه سوى حفنة من الأوراق والذكريات وكثير جداً من الحكايات والقصص.

أغلب الظن أنه إذا لم يأتك التكريم من جيل جديد فقد حُكم عليك بالفناء، وقد اعتنت إسراء بقصة حياته وأعادته إلى الواجهة بتقديم قراءة جديدة لموهبته واستعادت حكاياته وأصدقاءه والبيوت التى عاش فيها والتقت بناته الثلاث خصوصاً ابنته الكبرى الكاتبة مريم حسين كما التقت زوجته سحر، وزارت المكتب الذى عمل منه محامياً للغلابة فى "بولاق الدكرور"، كما تجولت بين أرفف مكتبته التى تزخر بالكتب، واستقصت كل ما يمكن استقصاؤه من حكايات وقدمت لنا سيرة حسين عبدالعليم التى لم يكتبها أحد من قبل.

قسَّمت الكاتبة سيرةَ حياته إلى ست ألعاب لا ستة فصول، وكأنها تمارس مع أشباحه نوعاً من اللعب، لقد كان صاحبنا رجلاً ساخراً مغرماً بالألاعيب الطفولية التى تعكس روحاً مشاكسة لا تستلم للسائد ولا تتورع عن كسر المألوف، وتشير إسراء النمر إلى أنه بينما كان يعيش فقيراً فى القاهرة كانت روحه تحلق دائماً فى الفيوم، حيث نشأ وتربى خياله فى أحد أحيائها الراقية، المكان الذى عشقه وتشرب تفاصيله وروائحه وصار جزءاً لا يتجزأ منه، وباتت رحلاته إلى بيت العائلة هناك تشكل ملاذاً آمناً بعيداً عن وطأة القاهرة، كأنه كان يمارس هناك "لعبة الاختفاء"، وأعتقد أن زيارة الفيوم الأسبوعية كانت فرصة لاستعادة شخصيته الأصلية والمثول بين يدى عالمه الفريد، فى حين أنها كانت تمثل لغزاً غير مفهوم لكثير من أدباء القاهرة وضواحيها، الذين كانوا مربوطين بخيوط وهمية إلى مقاعد مكاتبهم البائسة، فكيف يمكن لهؤلاء أن يفهموا أن حسين عبدالعليم هناك فى الفيوم يخرج إلى العالم الحقيقى هانئاً فى رحلات صيد للطيور والعصافير والذئاب، بسلاح مرخّص وقلبٍ خالٍ من الضغينة.

 سعدية وعبدالحكم

على الرغم من شاعرية اللغة والبناء السردى المحكم الذى تتمتع به كتابة إسراء النمر الصحفية، وهى السمات الملحوظة فى هذه السيرة المكتوبة بحبٍ جارف، إلا أن قارئاً يتعرف إلى اسم صاحب السيرة لأول مرة كان يستحق أن يعرف شيئا عن العوالم الإبداعية الخاصة التى قدمها حسين عبدالعليم فى رواياته، وعن الجوانب التى تميز بها عن كثير من مجايليه وأقرانه من الكتاب والروائيين، ولماذا كان يفضل كتابة "النوفيللا" بالذات على كتابة الرواية المطولة أو القصة القصيرة جداً مثلاً، والحق أننى أنتهز هذه الفرصة لأعلق على إحدى رواياته الفاتنة، لأرد فيها الاعتبار لهذا الكاتب الذى التقيته من قبل عدة مرات لكن لم تتح لى فرصة الكتابة عنه، وقد اقتنيت أعماله الكاملة مؤخراً ومنها قرأت هذه الرواية القصيرة "سعدية وعبدالحكم وآخرون"، التى يضىء موضوعها الجذاب وقصتها الملهمة جوانب مهمة من أفكار كاتبها.

الموضوع الذى تنطلق منه الرواية هو موضوع "دولة البغاء في مصر"، وتبدأ من قانون أصدره محمد علي باشا بحظر البغاء في القاهرة وحظر الرقص العمومي للنساء 1834، وهو القانون الذي أبطله "الخديو عباس" فيما بعد، وينتقل الكاتب إلى نهاية القرن التاسع عشر حيث أقر الاحتلال الانجليزي وجود بيوت البغاء ثم أقر وجود مستشفى للإشراف على صحة النساء اللائي يمارسن البغاء لتجنب انتقال العدوى من الأمراض التناسلية، وهي المستشفى الشهير في منطقة الحوض المرصود، أما سعدية وشقيقها عبدالحكم فهما اثنان من أرياف طنطا، حيث غادرت سعدية بيتها بعد وفاة زوجها واختارت بإرادتها الحرة المنفردة أن تعيش في أحد بيوت الدعارة: "لأنها عاوزة تجرب"، فانتقلت إلى أشهر أحياء البغاء في القاهرة قبل أكثر من مائة عام "كلوت بك" لا عن غرام بالرجال ولا عن انشغال بالمال، لكنها كانت ترى أن إقامتها في بيت بغاء هو الأفضل لها، على الرغم من أنها كانت دائماً ما تتندر على شهوات الرجال وتستهين بقيمة العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة وتقول بمنتهى الصدق والبراءة: "والله الحكاية ماتستاهل دا كله".

على عكس كل النهايات تنتهى قصة سعدية لا بالقتل من الأخ الذى حرضته العائلة على أن يأتى بها إلى البلد "غصب عنها" ولما فشل ذهب مرعوباً ومضطراً لقتلها، منتظراً إياها وفى يده السكين أمام مستشفى "الحوض المرصود"، ولما ظهرت كانت قد أصيبت بمرض عقلى يجعلها تضحك بشكل هستيرى جراء إصابتها بمرض جنسى عضال، وساعتها لم يقتل الأخ أخته التى تنزف دمها بل اصطحبها إلى "مستشفى الأمراض العقلية فى مدينة الخانكة"، كنهاية مأساوية أخرى لمثل هذه القصص.

ما لفت نظرى حقاً فى هذه الرواية الجريئة والمتحدية ـ إلى جانب القدرات السردية والجمالية ـ قدرة حسين عبدالعليم على الاطلاع على مصادر تاريخية مهمة لم تكن قد ترجمت بعد ولم نكن بالتالى قد أدركنا أهميتها، مثل مذكرات حكمدار القاهرة "توماس راسل باشا"، التى ترجمها كاملة الصديق الكاتب والصحفى مصطفى عبيد، وصدرت قبل أعوام قليلة، ومثل اطلاع حسين عبدالعليم مبكراً على قصة "ابراهيم مغربي"، أحد أشهر بلطجية القاهرة خلال النصف الأول من القرن العشرين، والذى كانت سعدية تتمنى الزواج منه، رغم معرفتها أنه يرتدى ملابس النساء أغلب الوقت، حيث كان وقتها يدير أكثر من خمسين شقة دعارة فى القاهرة بمفرده.

 	محمود خير الله

محمود خير الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - على نار هادية

المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...

«شاعر الكائنات الهشةوالتفاصيل الصامتة»..شعراء يضيئون تجربة فتحى عبد السميع

نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...

نورا ناجى: «بيت الجاز» أعادتنى للحيـاة بعد إحباط وخذلان

أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة

شاكر عبد الحميد فى «الأدب والجنـون»: «%90 من العباقرة مضطربون»

«الأعمال الكاملة» سلسة كتب تصدرها هيئة الكتاب لاستعادة الذاكرة الثقافية «لوتريامون» أول شاعر سوداوى ترك بصماته على قصيدة النثر