عباقرة ومجانين (2-2) مستقبل العبقرية وماضى الجنون

قال الشاعر والفيلسوف الأمريكى "رالف إيمرسون": "دائما ما تجد العبقرية نفسها سابقة أوانها بقرون"، وربما من أجل ذلك يستحسن الاسترشاد بالماضى لنتتبع حكاية العبقرية والجنون عبر الزمن،

 ويبدو أن أفلاطون فيلسوف أثينا القديمة كان أول من انتبه لهذه الصلة فقال إن العباقرة يغضبون سريعا وبسهولة ويخرجون عن أطوارهم كأنهم يعيشون خارج الزمن، غير أن أرسطو تلميذ أفلاطون كان هو من نظر لتلك العلاقة بشكل فلسفى محكم، وقد طرح سؤالا حول لماذا يبدو جميع الاستثنائيين أشخاصا سوداويين؟

نلاحظ أن أرسطو قد استخدم كلمة الاستثنائيين بدلا من العباقرة، واستبدل كلمة الجنون بالسوداوية؛ والواقع أن هذا هو أقرب لتصورنا الحديث، ففى زماننا الحالى لم نعد نتقبل بسهولة كلمة عبقري، أو نطلق مفردة العبقرية هكذا بأريحية فيما نفضل بالفعل تعبيرا أقل ضخامة وأسطورية، وهكذا لم نعد نستخدم لفظة الجنون المرعبة بعد أن بدأ الطب النفسى يبدل تلك المفردة غير العلمية بكلمة أخرى هى الاضطراب المزاجى؛ لكن هذا قد لا ينطبق على كثير من المبدعين الكبار، فقد تتوقف تلك الحالة الاستثنائية الهلعة عند حد معين، لأن خروج الإبداع هنا قد لجم الحالة وأوقفها عند مرحلة معينة.

لقد كان تصور أرسطو الفلسفى هذا هو التصور حتى بعد عصر الثقافة الرومانية، وقد أخذت الرومانية من اليونانية الفكرة حتى شاع وقتها القول بأن لا يوجد شخص عظيم دون لمسة جنون، ولننتقل بعد ذلك إلى عصر النهضة أو التنوير بالقرن الثامن عشر وفيه يظهر الفيلسوف "ديادرو" الذى بلور هذا المثل الرومانى الشائع وربط للأبد بين العبقرية والجنون، حيث قال الفيلسوف الفرنسى: "آه .. ما أكبر العلاقة بين العبقرى والمجنون، فكلاهما يتميز بمميزات خارقة للعادة، إما باتجاه الخير أو اتجاه الشر، غير أن المجنون تماما يسجن بالمصح العقلى والعبقرى تماما نرفع له التماثيل".

وفى القرن التاسع عشر تأسس علم الطب النفسى لأول مرة على أسس حديثة ليؤكد تلك العلاقة الوثيقة بين العبقرية والجنون، فالعبقرى لا يمكن أن يكون طبيعيا على طريقة العادى من الناس، وهنا يؤكد عالم الطب النفسى "أيسكوريل" أن الشخصيات الكبرى فى التاريخ هى شخصيات بالضرورة مرضية، ويضرب الأمثلة على ذلك بـ"جان جاك روسو" وآخرين، ويبدو أن هذه الفكرة قد راقت لطبيب نفسى بعده وهو "لولوت" وحفزته ليكتب السيرة الذاتية المرضية لشخصيتين كبيرتين، وهما سقراط وبسكال، وكان عنوان الأولى "شيطان أرسطو" والثانية "تعويذة بسكال" وفى مقدمته كتب أن العبقرى – فى رأيه الشخصى – شخص ممسوس أو مسكون من الداخل من قبل شيطان العبقرية والإلهام، وهذا ما يقودنا إلى فكرة العرب نفسها عن هذا الموضوع، ذلك حينما تحدثت شبه الجزيرة العربية عن العبقرية ليتم تفسير كيف لنوابغ الشعر آنذاك أن يأتيهم هذا النبوغ والعلو الشعرى، وكان من الضرورى ربط ذلك بأسطورة قالت بأن هناك وادى سحرى يسمى "وادى عبقر" مسكون بالأرواح والشياطين، وبالتالى كان كل من يمر بجانبه يتلبسه شيطان عبقرى فيصبح عبقريا، وربما هذا يبرر قول الناس من يومها بأن ذا الموهبة الاستثنائية لا بد أنه زار وادى عبقرى، ولعل فى شيطنة سقراط ومحاولة البحث عن تعويذة باسكال ما دفع الكثيرين بعد ذلك لكتابة تاريخ الهلوسات، فالشخصية العبقرية دائما مهوسة بشىء هى نفسها لا تدرى ما هو؛ وفى هذا الاتجاه محاولات لتحليل نفسيات الشخصيات العبقرية، مما دفع فى عام ١٨٥٩ عالم طب نفسى أن يكتب دراسة بحثية أخرى عن شخصية جديدة هى للشاعر "جيرار دونرفال" الذى كان قد انتحر قبل الدراسة بقليل، وقد أثبت فيه ذلك الطبيب النفسى "مورو دوتور" أن الشاعر كان مصابا بتهيج هوسى هو السبب وراء انتحاره، وكان أيضا هذا هو السبب الذى جعله يكتب أن حالة الإبداع هى حالة هوسية يبلغ فيها الهوس منتهاه.

من هذا كله يمكن أن ننتبه إلى أن الغرب قد اهتم بشكل أو بآخر بتلك الحالات الإبداعية، وذلك ربما يعود إلى أن الغرب قد أزال مبكرا الرعب من التحليل النفسى عموما، فيما يمكن أن نقول أيضا إن ذلك كان نوعا من الفخر والفخار للدلالة على مدى الإبداع والعبقرية لمبدعيهم، وهذا ما لم يتم فى الشرق، فقد بدى أمر التحليل النفسى لمبدعى الشرق أمرا غير مرغوب فيه، وينظر إليه على أنه عيب و حرام.

 ليس كل عبقرى مجنون

يقول الباحثون إن هناك أنواع من العبقريات، ومنها "العبقرية الصاعقة" التى تنفجر انفجارا عفويا ومفاجئا، وهناك "العبقرية الهادئة" وهى المتدرجة التى تصنع عبقريتها من جنون الصبر والمثابرة والعمل المتواصل والمجهود الدؤوب، لكن ذلك لا يمنع أن ثمة روابط بين الأنواع، ففى جميع الحالات يكون العبقرى هذا الكائن غير الاجتماعى الميال للوحدة، حتى أنه قد يهوى التهميش، وقد يصل الأمر به الى أن يتنصل من أعماله ويراها على أنها مجرد أشباح تطارده، وهو ما يسمى "العبقرية المتوحشة"، وهذا ربما يبرر اعتراف كثير من الأدباء والكتاب بأنهم ليسوا هم من يكتبون أفكارهم، وهو ما حدث مثلا مع الشاعر "بدوى الجبل" الذى أعلن أنه ليس من يكتب أشعاره إنما هى ما تكتب نفسها، فهى مرة تأتيه يقظا، ومرة تجيئه نائما، لتدفعه دائما دفعا إلى أن يمسك بقلمه وأوراقه ويدون ما يملى عليه قبل أن يضيع ويتبخر، ولدينا ما يفسر هذه الحالات المختلفة من الإبداع نفسيا، فقد يكون هذا الإبداع ينفجر انفجارا بعد رحلة داخلية طويلة تعترى المبدع قبل أن تختمر فكرته وهى أشبه بحالة مخاض لتجىء بعدها لحظة الحسم أو الولادة التى لا يختارها المبدع بل هى ما تختار نفسها بنفسها رغما عنه وإجبارا؛ ومهما يكن الأمر فإن انفجار الإبداع قد يأتى بهذه الصورة اللحظية أو بعد أزمة كبرى أو حلم طويل أو لهلوسة يقظة، ويكفى أن نفكر فى بعض من تلك اللحظات الاستثنائية التى غيرت مجرى التاريخ، ومنها ١٠ نوفمبر ١٦١٩ حينما نزل الإلهام على "ديكارت" فأسس منهجه العقلى وهو الذى حكم أوروبا طوال ٣ قرون، ويوم ١٣ مايو ١٧٩٧ قبل ما يزيد على ٢٠٠ عام حينما نزلت تلك الحالة على الشاعر "نوفاليس" فكتب أروع أشعاره التى أصبحت ملهمة لكل الشعراء من بعده، ثم صيف ١٨٣١ حيث شهد "جوته" تلك الحالة من الانفجار العظيم الذى تمخض عن ولادة أهم ما نظم من الشعر فى القرن التاسع عشر، ومن الواضح إذا بعد ذلك أن أغلب تلك الانفجارات العظيمة لم تمر على وعى أصحابها بسلام وإنما دفع المبدع ثمنها غاليا، فليس كل مبدع يستطيع تحمل حمل الهامة، لكن هذا لا يمنع أن هناك من الإلهام كما سبق و أن قلنا كان نتيجة عمل وجهد، حتى أن أحد الكتاب الانجليز كتب أنه نتيجة تعب وجهد بنسبة ٩٩% وإلهام بنسبة١، وربما تكون نسبة الواحد فى المائة قد أتت كهدية من السماء كما يقول "بلزاك"  فى إحدى رسائله لحبيبته مدام فانسكا:"إن حياتى تتلخص فى خمسة عشر ساعة من العمل والجهد وقد تكون هدية من السماء"، وهو نفسه ما يراه الأديب "فلوبير" الذى كان لا يستطيع طوال ١٢ ساعة يوميا يجلسها على طاولته أن يكتب سطرا كاملا فى رواياته، لذا كان يخرج كل خمس سنوات رواية واحدة، وهو ما يفسر لماذا لم يكتب إلا ستة روايات فقط فى حياته، أحداها وأهمها "مدام بوفاري"، ويفسر أيضا أن ليس كل عبقرى مجنون وليس كل مجنون عبقرى.

 مرضى أم عباقرة؟

الواقع أن الاكتئاب شائع جدا لدى كبار المبدعين، ولدينا من الأمثلة الكثير، بل إن بعضهم كان يتخوف من كونه مريضا به، ومنهم حالة الشاعر "جيرار دونرفال" الذى قال: "أخشى أن يضعونى فى بيت العقلاء" والمقصود من ذلك "المصح العقلى"، أما "أندريه بريتون" فقد احتج على وضع العباقرة فى مصحات عقلية، وقال إن هذا سجن تعسفى، وذكر بريتون "نيتشه" و"موباسان" و"همنجواى" و"فان جوخ" وغيرهم، لنكتشف أن هذا القلق النفسى الرهيب كان يعانى منه معظم العباقرة، وقد تجلى فى كلمات "أبير كامو" لأحد أصدقائه من أنه يعانى خواء داخلى يكتسحه تماما وأنه ملىء باليأس القاتل ولا يستبعد انتحاره للتخلص من تلك الحالة المزرية، ولنضرب المثل أيضا بحالة الموسيقى الأشهر "بيتهوفن" الذى أصابه صممه بعقدة نفسية هائلة فأعلن لمن حوله أنه حزين حزنا عميقا لا شفاء منه حتى أن ضحكته أصبحت بشعة عنيفة ونشاز كضحكة رجل لم يعتاد الفرح.

"كلود مونييه" أحد مؤسسى المدرسة الانطباعية فى الفن التشكيلى مثالا آخر، فقد كان على شفى انهيار نفسى كامل وشهد حالة إحباط تأتيه قبل إبداعه وبعده، فكلما رسم يستشعر أن لا قيمة لرسمه ولا له هو شخصيا، وكان لا ينفك يقول: "لقد ضعت وخسرت ولا أمل أن أجد ما أريد".

هكذا يتضح أن العبقرى والمجنون يشتركان فى أكثر من خصلة، وأهمها التأزم الداخلي، غير أن العبقرى قد تنفرج أزمته بعد إبداعه، أما المجنون فلن يؤدى به جنونه إلى أى جديد، وربما المخرج هنا فى اعتراف الآخرين بعطاء العبقرى فى حينه حتى تأتيه الثقة بالنفس، وهذا لم يتأت فى الأغلب وللأسف للكثيرين من الكبار، حيث دلت الأبحاث والدراسات النفسية لهؤلاء العباقرة أن ٩٩% منهم لم يجدوا المساندة ممن حولهم،  بل على العكس كان الناس يضجرون منهم، كما أن غالبيتهم لم يجن ثمار جهده من شهرة ومال، حيث ذهبت نتيجة إبداعه إلى غيرهم من ذويهم بعد وفاتهم.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

تسربات المياه في المنازل.. مشكلة صامتة تهدد المباني وكيفية اكتشافها مبكرًا

تُعد تسربات المياه من المشكلات الشائعة التي تواجه الكثير من أصحاب المنازل، حيث تبدأ غالبًا بعلامات بسيطة مثل ظهور بقع...

قصة مصورة - الأسبتة أكثر من الرؤوس

على «سَبَت» المحبوب ودِّينى

أغرب حفل شهدته المقاهى الثقافية فى الثلاثينيات

كامل بك الشناوى يكرم نقيب أطباء الأسنان الراسبين

د. طارق منصور: أكتب لإصلاح المجتمع

البحث العلمى مازال يعانى ويحتاج حلولًا عاجلة وزيادة المخصصات المالية «المؤرخين العرب» هدفه الحفاظ على الهوية التاريخية للأمة العربية بعض...