سيدات النهضة المصرية «38» صفية زغلول.. زوجة زعيم الأمة وأم المصريين

من عجائب "مصر" المعترف بها فى التاريخ، قدرتها على تمصير كل وافد، ومنحه الحب الذى يجعله مصرى الهوى، ومن الذين مصرتهم ـ مصر العظيمة ـ من رفع رايتها وعشق ترابها، ونسى قوميته وعرقه،

 ومن هؤلاء "صفية زغلول" التى منحها ثوار ثورة 1919 لقب أم المصريين، عن جدارة، وهى زوجة "سعد زغلول" زعيم الأمة، جاهدت معه فى سبيل الوطن، رغم أن جدها تركى، ووالدها "مصطفى فهمى" باشا من مواليد "كريت" اليونانية، وكانت الأم الروحية للسيدات المصريات اللاتى شاركن فى الثورة، وظلت قابضة على روح المقاومة والتصدى للقوة الحاكمة، حتى رحلت عن الدنيا ومازال المصريون فى مدينة الجيزة يذكرون يوميا اسمها الذى أطلق على ميدان، وأطلق على مستشفى ومحطة مترو..

صفية مصطفى فهمى!

فى السنوات التى عاش فيها المصريون وقائع "الثورة العرابية"، كانت القوتان المتصارعتان هما "جيش الشعب" و"جيش الخديو"، جيش الشعب مكون من الضباط الوطنيين الذين ألحقهم الخديو سعيد ـ وهم أبناء عمد ومشايخ القرى ـ وكان قصده من إلحاقهم بالجهادية أو العسكرية، القضاء على النفوذ الشركسى والتركى داخل الجيش، لأن "محمد على" والخبير العسكرى "سليمان باشا الفرنساوى" مهندس عملية بناء وتشكيل الجيش، اعتمدا على "الشركس" والأتراك، باعتبارهم مقاتلين بالوراثة والقتال حرفتهم التى تلقوها عن آبائهم وأجدادهم "المماليك"، ورغم أن "مذبحة القلعة" التى نفذها محمد على فى العام "1811" قتل فيها مئات المماليك، لكن هذه المذبحة لم تقض على العنصر المملوكى قضاء تاما، وظلوا فاعلين فى الجيش حتى قرر "سعيد" منح المصريين فرصة الدفاع عن بلادهم، وكانت المعركة بين "جيش الشعب" بقيادة "عرابى" و"جيش الخديو" بقيادة "عثمان رفقى الشركسى"، وتوالت الأحداث، وهزم العرابيون وسقطت مصر فى قبضة الاحتلال البريطانى، وعاشت مصر مرحلة استعادة الأتراك والشركس نفوذهم بعد التنكيل بالعرابيين، واختار الاحتلال الرجل المناسب القادر على تقديم الخدمات السياسية والإدارية، وكان هذا الرجل هو "مصطفى فهمى" المولود فى جزيرة "كريت" فى العام 1840، وكان والده من ضباط الجيش المصرى "حسين أفندى البكباشى"، ضمن القوة التى أرسلت لإخماد ثورة أهالى جزيرة "كريت" ضد الحكم العثمانى، وقبلها كان يعيش فى الجزائر، ومن "كريت" إلى مصر، جاء "حسين أفندى" وأصبح ولده "مصطفى فهمى" رئيسا لوزراء مصر، ومن صلب هذا الرجل التركى "صديق بريطانيا" خرجت ابنته "صفية مصطفى فهمى" لتكون "أم المصريين" وتكون ثائرة، ورافضة وجود الاحتلال، وزوجة للزعيم الوطنى الفلاح الأزهرى "سعد زغلول"..

 متمردون فى بيت الباشا

ولكن حدوث هذا التحول فى حياة طبقة "الأرستقراطية التركية" كان بسبب وجود عناصر متمردة من البيت الحاكم فى مصر "بيت محمد على"، من هذه العناصر "أميرات وأمراء" كانوا منحازين للثورة العرابية، رغم الموقف المخزى والخيانة التى أقدم عليها "محمد توفيق" ووالده "إسماعيل"، وكانت "الأميرة نازلى" ابنة الأمير "مصطفى فاضل" شقيق "الخديو إسماعيل" الأكبر، من العناصر المثقفة المتمردة فى العائلة الحاكمة، بل إنها كانت تدير صالون ثقافة وسياسة فى "فيلا هنرى"، التى كانت تسكنها وموقعها كان خلف "قصر عابدين"، ووالدها كان الأولى بحكم مصر حسب "اتفاقية 1840" التى وقعها الغرب مع " محمد على" ومن نصوصها "أن يتولى الحكم أكبر الذكور سنا"، لكن "إسماعيل" غدر بأخيه واتفق مع "السلطان العثمانى" وأصبح هو الخديو بدلا عن أخيه، فهاجر الأخ المغبون إلى تركيا، وعاش فيها حتى عزل "الخديو إسماعيل" عن عرش مصر، وعودة "الأميرة نازلى" كانت فى ظل الاحتلال البريطانى، فى زمن "الخديو توفيق" ابن عمها، وكان زوجها "خليل باشا" وزيرا للعدل، ثم اختير ليكون سفير الخديو فى فرنسا، وعادت "نازلى" محملة بما رأت من حرية تتمتع بها المرأة فى أوربا، وقررت أن تجعل "الصالون" الخاص بها، الملتقى الذى يتحاور فيه رموز الفكر والثقافة فى عصرها، فكان من رواد الصالون "عبدالرحمن الكواكبى" وهو مفكر سورى هرب من قسوة القمع العثمانى وجاء إلى مصر مستفيدا بتمتعها بحكم ذاتى وكتب كتبه التى تهاجم الاستبداد والديكتاتورية، ونشر آراءه فى الصحف.

 دائرة الأميرة نازلى

 كان سعد زغلول الذى كان قبل دخوله ضمن دائرة الأميرة "نازلى" من تلاميذ "الأفغانى" و"الشيخ محمد عبده" وكان يرتدى الزى الأزهرى، ويعمل فى جريدة "الوقائع المصرية" مع الشيخ الإمام، وكان من ثوار الثورة العرابية، ودخل السجن وقضى فيه ثلاثة شهور بتهمة الانضمام إلى جمعية "الانتقام" التى تقتل جنود الجيش البريطانى المحتل، انتقاما لهزيمة الثورة وتدمير قوى الجيش المصرى وتسريح رجاله، وكان دخول "سعد زغلول" فى دائرة أصدقاء الأميرة نازلى، بداية لصعوده السياسى واختيار الشعب له ليكون الزعيم والرمز، وقبل هذا كله، كان "سعد زغلول"  فلاحا مستورا فى "إبيانة" مات أبوه، وتركه مع إخوة له وتعلم فى الأزهر، وكتب فى الصحف وظهرت مواهبه فى القانون فاحترف المحاماة، وتعلم اللغة الإنجليزية والفرنسية، وارتدى الزى العصرى وأصبح من "النخبة" المقربة من العائلة الحاكمة، ولما تم اختياره ليكون قاضيا، كان على موعد مع القدر، فعرف "قاسم أمين" وهو من تلاميذ "محمد عبده" وكان هو الرسول الذى أرسله إلى  "مصطفى فهمى باشا" رئيس الحكومة ليطلب منه قبول زواجه من ابنته "صفية".

  زعيمة النساء فى الثورة

    فى العام 1919 تفجر الغضب الشعبى المصرى، وكانت بدايته من جامعة فؤاد الأول، لما رفض المندوب السامى البريطانى السماح للوفد المصرى بالسفر إلى مؤتمر "فرساى" لعرض القضية المصرية والمطالبة بالاستقلال، وانتقلت عدوى الغضب إلى القرى والمدن فى الوجه البحرى والقبلى، واستخدم جيش الاحتلال القوة المفرطة فى التصدى للمتظاهرين من الرجال والنساء، وكانت أولى شهيدات الثورة سيدة من حى السيدة زينب، ودخلت "هوانم الأرستقراطية" على خط الثورة، فتشكلت لجنة سيدات الوفد، وكانت على رأسها "صفية زغلول" التى أرسلت كلمة مكتوبة قرأها الثوار وفيها تعهدت بمواصلة ما بدأه "سعد زغلول" ورفاقه، وقالت فى كلمتها إنها تعتبر نفسها أم الشهداء وأم الثوار، وهتف أحد الحضور باسم "أم المصريين"، ومنذ تلك اللحظة أصبحت حاملة هذا اللقب، وترجمت هذه الأمومة فى مواقف عديدة من أهمها أنها فتحت "بيت الأمة" لكل المناضلين والثوار، وهى التى اختارت الزواج من "زعيم الأمة" ومنحته كل ما تملك من أموال حتى يستطيع التصدى لقوة الاحتلال، وكانت شريكة فى كل خطوات المقاومة الثورية، ولما نفى "سعد" إلى "جزيرة سيشل" أدارت المعركة الوطنية بمساعدة الشبان الثوريين ومنهم "مصطفى النحاس وأحمد ماهر ومحمود فهمى النقراشى" وطلبت من "المندوب السامى البريطانى" أن تسافر مع زوجها، ورفض السماح لها، لكن فى النفى الثانى إلى "جبل طارق" كانت معه، تسهر على راحته وتدعمه وتشجعه وتشاركه الرأى فى كل ما يتخذه من قرارات، وكانت أول امرأة تخلع "البرقع" أو "اليشمك" وهو "الحجاب العثمانى" الذى كان مفروضا على السيدات، وكانت هى المثل الأعلى للسيدة "هدى شعراوى" وغيرها من السيدات المجاهدات فى سبيل تحرير الوطن وتحرير المرأة من قبضة الفكر الإقطاعى الذى كان يحول بينها وبين العمل والحركة والمشاركة فى السياسة والثقافة والفنون .

 زوجة الزعيم المخلصة

    كان زواج "صفية مصطفى فهمى" تحولا اجتماعيا، حرضت عليه ظروف ذاتية وموضوعية، فقد كانت "صفية" مثقفة ثقافة فرنسية، وكانت متحررة، ولكن قرار الزواج كانت له مقدمات فى "صالون نازلى فاضل" الأميرة التى كانت المرأة الأولى فى مصر، التى تخالط الرجال وتناقشهم وتحاورهم بكل قوة وثقة، وكانت وراء استقطاب "الشيخ سعد زغلول" ليكون "القاضى سعد زغلول" والسياسى المعروف، فخلع الزى الأزهرى، وارتدى "البدلة الكاملة" وانتقل إلى صفوف رجال القانون، وكان "قاسم أمين" صديقه قد مر بمرحلة تحول فكرى، من العداء للمرأة المتحضرة، إلى مطالبة المرأة المصرية بالتمرد على القيود، والدعوة لتحريرها لتكون امرأة متحضرة، وفى صالون "نازلى فاضل" حدث هذا التحول فى عقيدة صاحب كتاب "المرأة الجديدة" و"تحرير المرأة" وهو الذى على يديه وبوساطته تم زواج "سعد زغلول" من "صفية"، ومرت السنوات، وأنفق "سعد" كل ما يملكه على العمل السياسى، ولكن "صفية" منحته الأطيان والأموال ليكون "زعيم الأمة" وينشئ "بيت الأمة" الذى تحول إلى "بؤرة ثورية" داخل "القاهرة"، وفى العام 1927 توفى زعيم الأمة إلى رحمة الله، وحزنت عليه مصر حزنا كبيرا، وفى يوم 23 أغسطس 1927 اجتمعت الحكومة المصرية برئاسة "عبدالخالق ثروت باشا" وقررت تخليد الزعيم الراحل، وبناء ضريح ضخم يضم جثمانه، على نفقة الحكومة، وبدأ تنفيذ المشروع، ودفن "سعد" فى مقابر الإمام الشافعى بالقاهرة، لحين اكتمال مبنى الضريح، وفى العام 1936 تشكلت حكومة الوفد برئاسة "مصطفى النحاس" وطلبت "صفية زغلول" نقل جثمان زوجها زعيم الأمة، إلى الضريح الذى أقيم فى "شارع الفلكى"، وفى اليوم السابق على الاحتفال بنقل الرفات، توجه "النحاس باشا" وعدد من قيادات حزب الوفد، وأشرفوا على "جمع الرفات" فى أغطية من حرير، وحملت على عربة عسكرية تجرها الخيول، واخترق موكب "الجنازة" شوارع القاهرة ـ للمرة الثانية ـ ودفنت الرفات فى الضريح وأقيم سرادق لاستقبال كبار رجال الدولة، وألقى "النحاس" كلمة مؤثرة أشاد فيها بجهاد الزعيم الراحل فى سبيل تحرير الوطن، وبكت "أم المصريين" الزوجة الوفية المجاهدة، التى ظلت "وفدية" على مبادئ زوجها، وتحملت مضايقات "إسماعيل صدقى" صديق القصر والإنجليز، وهو الذى طلب منها التوقف عن المشاركة فى العمل السياسى، وفى العام 1946 انتقلت "أم المصريين، صفية زغلول" إلى جوار ربها وتركت وصية تنص على منح أملاكها من الأطيان والعقارات للخدم الذين خدموها طوال حياتها، لأنها لم تنجب ولدا يرثها ولا بنتا، لكنها رغم حرمانها من الأمومة الطبيعية، كانت الأم لكل المصريين.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص