منحها والدها كل أسباب الراحة والرقى لأنه لم ينجب ذكوراً ولم تخيب ظنه وطورت نهجه
قوت القلوب الدمرداشية، عاشت حياة صاخبة فيها التمرد والنبوغ الإبداعى وفيها السياسة والموت العبثى، هى قوقازية الأصل، عاش جدها الأكبر فى زمن السلطان المملوكى "قايتباى" وعاش والدها فى زمن الاحتلال البريطانى وجمع بين العمل الدينى والخيرى والنضال الوطنى، وجاءت ثورة يوليو لتضع "قوت القلوب" فى مواجهة مع الحكومة الثورية التى قامت بتطبيق قوانين الإصلاح الزراعى على الإقطاع، وكان "آل الدمرداش" يملكون الأطيان والعقارات، فخضعوا للقوانين التى جردتهم من أملاكهم، وزاد من حدة العداء دخول "قوت القلوب" فى معسكر "أعداء الثورة" مع الصحفى "محمود أبوالفتح" نقيب الصحفيين وصاحب جريدة "المصرى" الوفدية، فانتقلت إلى "روما"، وهناك قتلت على أيدى ولدها المريض النفسى.
التمرد فى حياة "قوت القلوب" الدمرداشية، كان من أجل التصدى لمجتمع يقسو على المرأة ويحرمها من المشاركة فى العمل ويمنعها من التعبير عن إنسانيتها، وكان تمردها مصرى الجوهر، فهى ابنة شيخ طريقة صوفية "الخلوتية الدمرداشية"، تلتزم قواعد الإسلام والثقافة المصرية بكل مكوناتها، وتحمل رؤى تقدمية هادفة إلى انعتاق المرأة من السجن الذى تعيش فيه تحت دعاوى العفة والإيمان والخلق القويم، وكان "السجن الاجتماعى" للمرأة يحول دون ممارستها الحياة بحرية ويجعلها أداة للمتعة والإنجاب، ولايعترف بقدراتها ومواهبها، ولهذا جعلت "قوت القلوب" رواياتها وقصصها مسخرة للدفاع عن المرأة والمطالبة بإطلاق طاقاتها وتحقيق النهضة الحقيقية للمجتمع كله دون تمييز بين الذكر والأنثى..
ولكن هذا التمرد الذى جعل من "قوت القلوب" أديبة ثائرة معروفة لدى كبار أدباء فرنسا، وجعلها مقروءة باللغات الفرنسية والألمانية والإنجليزية، كانت جذوره فى عقيدة وقلب والدها الشيخ "عبدالرحيم الدمرداش"، شيخ الطريقة "الخلوتية الدمرداشية"، والخلوتية هنا مصدرها "الخلوة" التى يلتزمها "المريد" بعيداعن متع الدنيا، وفيها يمارس عبادته من صلوات وصيام ورياضة روحية كاملة، تجعله قريبا من المولى عز وجل، وكان "آل تيمورتاش" يعيشون فى إقليم من أقاليم بلاد "القوقاز" فى آسيا، جاء جدهم الأكبر بدعوة من السلطان المملوكى المتصرف فى مصر "قايتباى" لثقته فى قدراته الروحية، وطلب منه أن يؤسس "الطريقة الخلوتية" فى مصر، وأجزل له العطاء، فمنحه الأطيان والأموال لينفق على أهل الطريقة وفى عهد "محمد على" زادت المكانة الأدبية للعائلة "الدمرداشية" ومنح "الباشا" عميدها الأطيان والأموال، وزاد عدد المريدين من "فقراء" الطريقة الدمرداشية، واتسعت دائرة أملاك العائلة الدمرداشية فأصبحت تملك الأطيان فى مديريات الدلتا والصعيد وتملك القصور والعمارات فى القاهرة والإسكندرية.
الشيخ الدمرداش
من يطالع أرشيفات الصور فى صحيفتى "الأهرام" و"دار الهلال" سوف يجد صورة للشيخ "عبدالرحيم الدمرداش" بالزى الأزهرى، وحوله رجال يرتدون "البدل الإفرنجية"، وهذه الصورة كانت فى حفل وضع حجر أساس المستشفى الخيرى الذى خصص له مساحة خمسة عشر ألف متر مربع فى جهة "العباسية " بالقاهرة، وتبرع له بآلاف الجنيهات ليكون فى خدمة الناس من كافة الأجناس، ابتغاء مرضاة الله، وجاءت من بعده ابنته "قوت القلوب" لتواصل منح المستشفى ما يحتاجه من أموال، حتى بلغت عطاياها خمسين ألف جنيه من الذهب، وساهمت فى بناء كلية للطب على أرضه، ولم توقف عطاءها للطريقة "الخلوتية الدمرداشية" ومريديها، وأقامت الصالون الأدبى ليكون امتدادا للصالون الفكرى الذى أقامه والدها وكان من رواده الشيخان "محمد عبده" و"جمال الدين الأفغانى" ومن الساسة "سعد زغلول" وغيره من رموز الحركة الوطنية، وهذا الشيخ الصوفى "عبدالرحيم الدمرداش" منح ابنته "قوت القلوب" فرصة تلقى العلوم الحديثة، ورباها التربية الإسلامية المتسامحة المحبة للآخر، فهو أزهرى، نشأ فى ظلال والده "شيخ الخلوتية"، وتولى من بعده مشيخة الطريقة فى عموم القطر المصرى وكان عمره يزيد قليلا على العشرين عاما، وكان ذكيا ماهرا فى إدارة الثروة التى تركها والده، وفى الوقت ذاته كان محافظا على صلواته وأوراده وواجباته فى الهيئة التشريعية والهيئة الدينية، فكان عضوا فى الطبقة العليا فى المجتمع له حضوره لدى العائلة الحاكمة ولدى الحكومة ولدى المريدين من أعضاء الطريقة التى هو قائدها الروحى.
والشيخ عبدالرحيم الدمرداش "1849ـ 1929" لم ينجب ذكورا، لكنه منح ابنته "قوت القلوب" كل أسباب الراحة والرقى، وترك لها ثروة طائلة وسمعة طيبة، فلم تخيب ظنه ولم تنقض عهده، بل طورت نهجه فجعلته نهجا روحيا تقدميا يوافق العصر ولايخالف الشرع ولا المعلوم من الدين بالضرورة وقالت فى مقدمة روايتها "ليلة القدر" ما يؤكد هذا المعنى:
"لقد ولدت تحت مئذنة ومنذ بدأت أرى فإن إصبعى أشار إلى السماء، ومنذ بدأت أسمع فإن اسم الله الذى يذاع خمس مرات فى اليوم سكن قلبى"، وهذا "الإيمان الدينى" لم يمنعها من السعى لتحرير المرأة بالكلمة، فكتبت ثمانى روايات باللغة الفرنسية، موضوعها "المرأة المصرية" الأسيرة، التى لاتخرج من دارها إلا لظروف قاهرة، ولا يحق لها العمل ولا التعليم ولا التعبير عن ذاتها .
ثائرة فى عصر الحريم
السيدة الأديبة الصوفية الثائرة المتمردة "قوت القلوب"، من مواليد "1892" أى فى نهايات القرن التاسع عشر، وتفتحت عيناها على القرن العشرين، وهو القرن الذى بدأ فيه العلم ينافس الدين منافسة قوية فى بلادنا، كانت بواكيرها فى حقبة "الخديو إسماعيل" وكان المصلح الدينى جمال الدين الأفغانى، ضيفا على "الخديو" وخلق لنفسه حلقة علمية ثورية من رموزها "الإمام محمد عبده وسعد زغلول وعبدالله النديم"، ونظرا لحسه الثورى، طرده الخديو، لكن فكره بقى فى عقول تلاميذه، ولم يكن "الشيخ عبدالرحيم الدمرداش" بعيدا عن هذه الدائرة الإسلامية التى رأت أن تخلف المسلمين ووقوعهم فى قبضة الاحتلال الأوربى مرجعه مخالفة قواعد الدين التى تدعو للحركة والعمل والتدبر والبحث العلمى والتصدى للحكم الاستبدادى، وكتبت "قوت القلوب" فى روايتها "رمزة ابنة الحريم":
"كنت أسمع بوضوح خلف الستائر صوت الشيخ الإمام "محمد عبده" والشيخ مصطفى المراغى وأصوات الشعراء ومنهم "شوقى وإسماعيل صبرى"، وذات مرة سمعت كلاما عن إتاحة الفرصة لتعليم البنات ومنحهن نفس الحقوق التى للذكور وتغيير قانون الزواج، وكنت أتمنى رؤية وجه الشاب المتحدث، وفى اليوم التالى دخلت مكتبة والدى فوجدت فوق مكتبه كتاب "تحرير المرأة" وعرفت أن صاحب الصوت هو "قاسم أمين".
وتوفى "الشيخ محمد عبده" وبعده بسنوات قليلة توفى "قاسم أمين" وظلت الدعوة لتحرير المرأة حية، يقظة، ولما بلغت "قوت القلوب" سن الخامسة والأربعين قررت التفرغ للكتابة الأدبية، وقبل هذا التفرغ، كانت زوجة للقاضى "مصطفى حسن مختار"، وكان قاضيا بالمحاكم المختلطة، التى نشأت بموجب الامتيازات الأجنبية التى منحها الإنجليز "القوة المسيطرة على مصر بالسلاح والقهر" للجاليات الأوربية، وكانت تسمح لهم بالمحاكمة وفق قوانين بلادهم أمام المحاكم المختلطة، وكان القاضى الذى تزوجته "قوت القلوب" فقيرا، لايملك مثل ما تملكه من أطيان وعقارات، فتحصنت فى هذا الزواج بأن جعلت العصمة فى يدها وأن يكون لها حق تطليق نفسها متى رأت أنها لن تستطيع العيش فى ظل هذه العلاقة الزوجية، وأنجبت منه، وطلقته، ولم تكن صاحبة السبق فى هذا التحصين، فقد سبقتها زوجة "رفاعة الطهطاوى" باشتراطها عليه بألايتزوج عليها مادامت فى عصمته، وكان "صالون قوت القلوب" يزوره الأدباء والمفكرون، وأعجب الروائيون الفرنسيون برواياتها التى كتبتها باللغة الفرنسية، وكانت تجيد التعبير بها إجادة تامة، ولم تنس أنها أم لها ثلاثة أولاد وبنت، ولم تنس والدها الشيخ الذى لم ينجب ذكورا، فمنحت أولادها أسماء مركبة تضم اسم "الدمرداش"، لتخلد ذكرى والدها، ولم تهمل مسيرته الخيرية ولم تهمل "الطريقة الصوفية" التى كان شيخا لها، فكانت تقيم الصالون الأدبى، وتخرج من المال ما يكفى مريدى الطريقة وتدعم المحتاجين منهم، ومنحت المستشفى المزيد من المخصصات، بل أنفقت على البحوث الطبية التى كان يجريها "دكتور بول غليونجى" حول وظائف "الغدد الصماء" وتبرعت بآلاف الجنيهات لكلية طب عين شمس، وفتحت مكتبتها لطلاب الكلية، وخصصت جائزة للأدباء الشبان قدرها أربعون جنيها، فاز بها "نجيب محفوظ" وهى أول جائزة يفوز بها فى حياته وقد حكى ـ رحمه الله ـ قصة فوزه بالجائزة فى مذكراته التى حررها الراحل الناقد "رجاء النقاش" فقال:
"أول جائزة فى حياتى هى جائزة "قوت القلوب الدمرداشية" للرواية، وهذه السيدة المحبة للأدب نظمت مسابقة فى العام 1940 ورصدت لها أربعين جنيها، وتشكلت لجنة الاختيار من أبرز أعضاء مجمع اللغة العربية "دكتور طه حسين وأحمد أمين ومحمد فريد أبوحديد" وتقدم للمسابقة مئات الشبان، وفزت بالجائزة الأولى مناصفة مع "على أحمد باكثير"، كانت روايتى هى "رادوبيس" وروايته هى "واإسلاماه" وكان الفوز مبهرا وحصلت على عشرين جنيها وكان هذا المبلغ عظيما بمقاييس تلك الفترة، وعلم سكان "العباسية" بالأمر، وارتفعت معنوياتى إلى حد كبير، وكنت فى تلك الفترة تعرضت للفشل وأنا أحاول نشر رواياتى فى الصحف، واعتدت أن أكتب وأضع ما أكتب "فى الدرج" وبعد جائزتها تشجعت وتقدمت لمسابقة مجمع اللغة العربية وفزت مع "يوسف جوهر وعادل كامل وعلى أحمد باكثير وأحمد حسنين مخلوف" وكانت هذه الجائزة سببا فى تعرفى إلى هؤلاء الأصدقاء و"فاتحة خير"، وفى الفترة ذاتها أنشأ "عبد الحميد جودة السحار" لجنة النشر للجامعيين وكلفنى بالاتصال بالأصدقاء الفائزين والتفاوض معهم لنشر أعمالهم فى العام 1943".
أديبة تعرفها أوربا
فى الفترة التى قررت فيها "قوت القلوب" الكتابة الروائية، والنشر فى فرنسا، كانت تعيش فى "فيلا" اشتراها لها والدها من "يوسف قطاوى" باشا فى "حى الزمالك" وهى الفيلا التى كان ينعقد فيها الصالون الأدبى الخاص بها، وتواصلت مع أدباء فرنسا وكتب لها "فرانسوا مارياك" مقدمة روايتها "رمزة"، وقال الكاتب "أندريه موروا" عن روايتها "ثلاث حكايات عن الحب والموت" إنها عبرت عن هموم المرأة المصرية بصدق ودعتها جامعة "السوربون" فى باريس لإلقاء محاضرات على طلابها، وقامت "دار جاليمار" للنشر، بنشر روايتها "حريم" وهى نفس الدار التى نشرت "الأيام" لطه حسين، وصدرت طبعات من رواياتها بلغات أوربية أخرى منها الألمانية والإنجليزية ونشرت فى مصر روايات منها ما نشرته "دار المعارف" ومنها ما نشرته "دار الهلال" ومن أشهر أعمالها "مصادفة الفكرـ 1937، حريم ـ 1937، ثلاث حكايات عن الحب والموت ـ 1940، زنوبة ـ 1947، الخزانة الهندوسية ـ 1951، ليلة القدرـ 1954، رمزة ابنة الحريم ـ 1958"وطبعت "يوميات" كانت تكتبها، فى كتاب صدر بالعربية فى العام 1980، وقال عنها باحث كندى "إيرل ويج" وهو متخصص فى الدراسات الإسلامية فى بحث خصصه لها بعنوان "كاتبة إصلاحية من عائلة الدمرداش" إنها كاتبة كان لها دور مهم فى الدفاع عن المرأة المصرية وإنها تنتمى إلى عائلة شركسية، لكنها عائلة محبة للفلاحين المصريين.
والمحطة الأخيرة من حياة الكاتبة الرائدة "قوت القلوب" كانت مليئة بالأسى، فقد خسرت ثروتها بموجب قانون الإصلاح الزراعى الذى طبقته ثورة يوليو على كبار الإقطاعيين، وأحبت "محمود أبوالفتح" صاحب جريدة "المصرى" والعدو الأول لثورة يوليو وأنفقت عليه من أموالها الكثير، ولم يكتمل الحب بالزواج، وقال عنه ـ السيد أبو النجا ـ فى كتابه "مع هؤلاء" إنه كان حبا عذريا من طرفها هى، ولما مات ـ أبوالفتح ـ رفض "عبد الناصر" دفنه فى القاهرة، فاستأجرت طائرة نقلت جثمانه إلى تونس، بناء على موافقة "الحبيب بورقيبة" الرئيس التونسى "خصم عبد الناصر" ودفن بها، وكانت نهايتها محزنة، سافرت إلى "روما" واستقرت بها، وقتلها ولدها بكرسى حديدى، لأنها رفضت منحه المال الذى طلبه منها ولكن حفيداتها "حميدة وليلى وإقبال دمرداش" يشغلن مواقع علمية وإدارية مرموقة فى الجامعات والحكومة الكندية، وكتب السيناريست "مصطفى محرم" سيناريو مسلسل "عصرالحريم" عن روايتها "رمزة ابنة الحريم" من إخراج إيناس الدغيدى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...
استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى
أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...
تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...