سيد الوكيل: كنت حارسًا على المدخل الشمالى لقناة السويس

حرب أكتوبر كانت ضرورة لإستعادة إتزان الشخصية المصرية والثقة فى قدرتنا على النهوض/ الجائزة الوحيدة فى حياتي من التوجيه المعنوى عن قصة «استشهاد عباد الشمس»

كان الروائي والناقد الكبير سيد الوكيل طالبًا في المرحلة الثانوية حين قرر مع زملائه الطلاب التطوع في الجيش للمشاركة في تحرير الأرض، ومحو آثار هزيمة 1967 التي كانت غصة في حلق المجتمع المصري كله، شبابًا وشيوخًا، فلم يقنع الطالب الشاب وقتها بمجرد المشاركة بالكلمة والغناء والتمثيل، ورأى أن "المعركة معركة"، فقد كان الجميع يسعى ويحلم بتجاوز الهزيمة وآثارها النفسية والاجتماعية التي تركت شرخًا عميقًا في الشخصية المصرية، وأثناء حرب أكتوبر المجيدة كان موجودًا في غواصة في البحر المتوسط، على المدخل الشمالي لقناة السويس، لحماية القناة من اقتحامها من تلك الجهة، أو تسلل ضفادع بشرية إليها لإفساد العبور أو تفجيرها بأى عمليات تخريبية، فلم يشهد العبور ولكنه كان حارسًا له وللقناة.

وبعد انتهاء الحرب كتب قصة "استشهاد عباد الشمس"، وفازت بجائزة المركز الثانى لأفضل قصص عن العبور من التوجيه المعنوي للقوات المسلحة عام 1976، وتسلم الجائزة من يوسف السباعي وزير الثقافة وقتها، ثم بعدها بفترة كتب قصة "فواز مطاوع" المستمدة من الواقع عن أحد جنود العبور الذى تحول مسار حياته بعد انتهاء الحرب بسنوات.

 بعد نصف قرن على النصر، كيف ترى تأثيراته الاجتماعية والسياسية والثقافية ؟

دعنا نتفق على أن أهم الآثار التي ترتبت على حرب أكتوبر هي استعادة الإتزان للشخصية المصرية، والثقة في قدرة مصر على النهوض من جديد بعد ست سنوات من اليأس والإحباط من أثر هزيمة 67، لكن عوامل عديدة أفسدت فرحتنا بالنصر نشأت في أعقاب النكسة، منها  ظاهرة (جلد الذات)؛ باعتقاد أن الهزيمة عقاب من السماء، فسادت مشاعر أصولية محبطة، وقد عبر عنها الشيخ الشعراوي بأنه سجد لله شكرًا على الهزيمة، كما أن القطيعة العربية بعد اتفاقية الصلح بدت لبعض الأصوليين والمؤدلجين سياسيًا محبطة أيضًا، فأسقطوا غضبهم على السادات وقللوا من قيمة الإنتصار، وهذا امتداد لجلد الذات أيضًا، هؤلاء لم يعيشوا تجربة الحرب ومعاناة الاستعداد لها عبر ست سنوات من التدريب اليومي، فضلًا عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها آلاف من أسر الجنود الشهداء والأسرى في  73 و67، صحيحٌ أن البشر اخترعوا الحروب، لكن عليهم أن يعرفوا أنها لن تنتهي إلا بأحد الأمرين، إما استسلام واحتلال كامل، وإما بتفاوض ومصالحة، والتفاوض هو ما فعله سيدنا محمد مع يهود المدينة.   

 صف لنا مشاعرك أثناء الحرب وبعد تحقق النصر ؟

 صحيحٌ أننى كنت صبيًا، لكننى عشت مأساة الهزيمة بكل تفاصيلها، ذات يوم قبل 67 اصطحبنى أبى إلى استاد القاهرة لمشاهدة احتفالية الزعيم جمال عبد الناصر بحيازتنا لصاروخي القاهر والظافر، فعشت أحلامًا بهذا المشهد وملأت جدران مدرستي برسوم  لناصر، وهو ينظر إلى السماء ليشاهد الصاروخ، وبينما كنت في لجنة امتحان الإعدادية، دخل علينا رجال ليخبرونا أن الحرب على إسرائيل بدأت، وأن النصر لنا، ثم جمعونا في سيارة نقل ورحنا نهتف بفرح (هنحارب.. إسرائيل الأرانب)، وفي اليوم الثالث من الفرح الشعبي، أدركت حجم الهزيمة، وتساءلت أين القاهر والظافر، لقد ظل هذا الإنكسار مؤثرًا فى نفسى، وبعد الإنتهاء من المرحلة الثانوية قدمت نفسى متطوعًا للجيش، وأثناء ذلك عرفت أن آلاف الشباب قدموا أنفسهم، وأن هذه الرغبة فى محو آثار النكسة ظلت أمنية دفعنا ثمنًا باهظًا من أجل تحقيقها.

 ما الذي دفعك للتطوع قبل حرب أكتوبر بفترة رغم إنك كنت طالبًا وقتها ؟

قبل التطوع، ترك نزوح المهاجرين من خط القناة إلى بلدتي (زفتي)، ووضعهم المأساوي متكدسين في فصول المدارس، وحكاياتهم عن الحرب التي عاشوها، كل هذا ترك أثرًا في نفسي، فارتبط بهم، وشكلنا فرعًا لفرقة أولاد الأرض بدعم من الكابتن غزال، وكان شعارها (الغنوة معركة والكلمة معركة)، وكونت فرقة لعرض مسرحية (أغنية على الممر) لعلي سالم، قمت بدور موسيقار استشهد أثناء حرب 67، قوبل العرض بعاطفة وطنية للمشاهدين، حتى إنني بكيت، وبعد انتهاء المسرحية فكرت: ما قيمة شعارنا الغنوة معركة والكلمة معركة، همست لنفسي المعركة معركة، واتخذت قرارًا بالتطوع، عرضت الفكرة على زملائي في المدرسة فتحمس لها البعض، وقدمنا أنفسنا للتجنيد، تم توزيعنا على أسلحة مختلفة، وكان من حظي أن أنضم للقوات البحرية، ويوم العبور كنت في غواصة تحت الماء على مدخل قناة السويس، هدفنا هو اصطياد أى ضفادع بشرية تحاول دخول القناة، لهذا لم أشهد واقعة العبور وتفاصيلها، ومع ذلك تناولتها -  بعد العبور بثلاث سنوات - في قصة كتبتها بعنوان: "استشهاد عباد الشمس"، قدمتها للتوجيه المعنوي، وفازت بالمركز الثاني، وتسلمت شهادة تقدير من الشهيد يوسف السباعي الذى كان وزيرًا للثقافة وقتها، وكانت هذه أول وآخر جائزة في نفس الوقت.     

 	عمر شهريار

عمر شهريار

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

«العريش».. قصص المقاومة ترسم هوية «أرض الفيروز»

المزيد من ثقافة

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...

دعاء إبراهيم: أكتب لأفهم نفسى والآخرين

اختلاف الثقافة يعمّق الإحساس بالاغتراب.. والألم لا جنسية له


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م