شاهندة مقلد.. قاومت الإقطاع وصفق لهـا «ناصر»و«جيفارا» وأهانها الإخوان

هى امرأة تلهم الشعراء والثوار، بما احتوته من رقة وجمال وقوة ووضوح واعتزاز بالنفس، وكان من الشعراء الذين هاموا بها عشقا وكتبوا الشعر فيها، أحمد فؤاد نجم "يا شاهندة وخبرينا، يا أم الصوت الحزين، يا أم العيون جناين يرمح فيها الهجين"، والهجين هو الجمل العفى الذى يسافر به العربان فى ليالى الصحراء،

 وعيون "شاهندة" هى التى كبلت "جيفارا" و"ناصر" بخيوط من حنان، فتوقف الموكب الرسمى ونزل "جيفارا" و"ناصر" من السيارة وصافحاها، وابتسما لها ابتسامات الرضا، وكانت هى السيدة التى تقود "الفلاحين" فى "كمشيش" ضد جيش "الإقطاع" وقد قتل الإقطاعيون زوجها "صلاح حسين" المحامى المناضل، الذى حرّض الفلاحين على رفض "السخرة" ونادى بمبادئ ثورة 23 يوليو، وعاشت "شاهندة" واشتركت فى "25 يناير" و"30 يونيو" وبين التاريخين، صفعها شاب جاهل من شبان "جماعة الإخوان" وحاول أن يكمم "فمها" حتى لاتواصل هتافها ضد الجماعة الإرهابية ومندوبها فى قصر"الاتحادية"..

رأيتها ـ للمرة الأولى ـ فى "سوهاج"، فى صيف العام 1987، وكانت ترتدى الفستان الأسود، ورأيتها فى الأيام التى سبقت "30يونيوـ2013"، وشاهدتها ضمن برنامج تليفزيونى تقدمه "منى الشاذلى" وكانت ترتدى الفستان الأسود، ورأيت صورة لها منشورة فى إحدى الصحف الصادرة فى ستينيات القرن الماضى، وهى محمولة على أكتاف المتظاهرين، وكانت ترتدى الجلباب الفلاحى الأسود، وقالت ـ للمذيعة منى الشاذلى ـ ما معناه إنها ترتدى "الأسود" حزنا على حبيبها المناضل "صلاح حسين"، زوجها وابن عمتها الذى رباها وتعلمت منه معنى النضال ومعنى "المقاومة"، ورفضت "العريس" الذى تقدم للزواج منها وقالت له بصريح العبارة "أنا باحب صلاح ابن عمتى"، والمدهش أنها قالت فى اللقاء التليفزيونى ذاته، نصوص رسائل والدها الضابط "حكمدار قنا، وكان برتبة أميرالاى" ونصوص حبيبها الشهيد "صلاح حسين" الذى تزوجته رغم أنف الواقع الفلاحى المحافظ، وهى من مواليد ـ 1938ـ فى قرية "كمشيش" التابعة لمركز "تلا" بمحافظة "المنوفية"، و"كمشيش" دخلت التاريخ المصرى المعاصر من باب "المقاومة" والتصدى لظلم الإقطاع، وقدمت الشهداء فى معارك ومواجهات بين "الفلاحين" و"الباشوات"، وجعلت الإقطاعيين فى مصر كلها يرتعدون خوفا ورعبا، لأنها قدمت النموذج، وخاف الإقطاعيون من تكرار التجربة فى القرى التى يملكونها فى دلتا النيل، ولما بحثت عن معنى اسم "كمشيش" ـ وهو غير عربى وأغلب الظن أنه قبطى، أو مصرى قديم، وجدت أنها قرية قديمة، ورد اسمها فى المراجع المختصة بالإدارة ودرجات خصوبة الأراضى "الترييع العثمانى، والفلاحون يسمونه التاريع"، فهى "كوم سوس" حسب ما ذكر "ابن الجيعان" فى كتابه "التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية"، وهـــــى "كــــومشيش" فـــى ـ الترييع العثمانى ـ وهو سجل يوضح درجات خصوبة الأراضى والمقررات المالية المفروضة على الفلاحين "الضرائب"، وهى من القرى عالية الخصوبة مثلها مثل بقية بلدان "المنوفية" التى تحظى بأعلى نسبة خصوبة، وأمهر فلاحين وأقدم خبرات فلاحية منذ عصر الفراعنة، وهذا هو سر "سعار الإقطاع" الذى تكالب على أراضيها وسيطر بقوة السلاح على الفلاحين فيها ولكن "الفلاح المنوفى" بقدر ما عانى من "قهر الإقطاع" بقدر ما كان "الفدائى" الذى تقدم وقاوم وسقط شهيدا فوق أرضه المروية بعرقه وعرق أجداده، وقصة "شاهندة مقلد"، جعلتنى أقرأ ما ورد فى كتب التاريخ المعاصر، واستمع شهادة الشهود الذين عاصروا انتفاضة الفلاحين فى هذه القرية التى زارها "جيفارا" ومنح الفلاحين فيها "السيجار الكوبى" الذى عرفته العيون به، وصفق للسيدة الشابة "شاهندة" ومعه "ناصر" وهما فى طريقهما إلى "ميت أبوالكوم" مسقط رأس "السادات"ـ عضو مجلس قيادة ثورة يوليو ـ وكان "جيفارا" فى زيارة إلى مصر، ليرتب مع "الزعيم ناصر" خطة تجهيز الجيش الثورى فى "أوغندا"، لكنه قتل فى أمريكا الجنوبية قبل أن ينجز مهمته الثورية، ولكن "عيون شاهندة" كانت أقوى من "جيش الإقطاع"، واستطاعت  نقل رسالة "الفلاحين" إلى قائد ثورة يوليو.

 قصة امرأة ثائرة

بكل صدق يا عزيزى القارئ أقول لك، أنا أحببت "شاهندة"، بمجرد النظر، كانت المصادفة وحدها جعلت عينى تقع على صورة لها وهى تقود "مظاهرة"، على رأسها إيشارب أسود، وعلى جسمها "جلابية فلاحى" سوداء، وفى عينيها قرأت الحزن والشجاعة والعزيمة، وكانت تلك هى المرة الأولى التى أرى فيها امرأة فلاحة تقود مظاهرة حاشدة، وسألت العارفين فأخبرونى بأنها "شاهندة اللى علشان خاطر عيونها، أصدرعبدالناصر قانون الإصلاح الزراعى اللى حدد ملكية العائلة الواحدة وجعلها خمسين فدانا"، وهنا رجعت للصورة، ودققت فى "عيون شاهندة"، واكتشفت السر، سر الجاذبية والجمال والقوة، عينان عاشقتان، فى وجه حر كريم، والكرامة مصدرها التربية، ووالد "شاهنده" كان "ضابط بوليس"، وكان يهوى العزف على "العود"، وهو الذى اشترى "البسكليته" لابنته "شاهندة"، وهو الذى أهداها الكتب، وحكى لها التاريخ المصرى، وهو نفسه الذى تولى منصب "حكمدار قنا" وبلغ رتبة "أميرالاى" وكانت رسالته الأخيرة لابنته "دافعى عن رأيك حتى الموت"، وعائلة "مقلد" عائلة عريقة، لها مكانتها فى "كمشيش"، منها ضباط الجيش وضباط الشرطة، وهذا جعل رجالها متمتعين بالوعى والحس الوطنى، وقبل أن ترتبط "شاهندة " بقضية التصدى للإقطاعيين الذين قتلوا الفلاحين، وقتلوا زوجها المناضل "صلاح حسين"، كانت مرتبطة بقضية "المرأة" والدفاع عن حقها فى العمل السياسى وحقها فى التصويت الانتخابى والترشح، وكانت تلك المعركة، حاضرة فى أذهان أجيال، منها جيل "هدى شعراوى" وجيل "درية شفيق" و"ووداد مترى"، وكان من حظ "شاهندة" الجلوس تلميذة فى الفصل الذى تدرس به "أبلة وداد مترى" فى مدرسة "شبين الكوم الإعدادية" فى خمسينيات القرن الماضى، ومنها عرفت أهمية أن تشارك "المرأة" فى صنع مستقبل الوطن، وتولت "شاهندة" ومعها زميلاتها توعية السيدات بأهمية التصويت الانتخابى وتسجيل أسمائهن فى كشوف الانتخاب، بعد أن نص "دستور 1956" على منح المرأة المصرية حق التصويت والترشح لأول مرة فى التاريخ، ومن لايعرف "أبلة وداد مترى" المعلمة المناضلة، نقول له إنها الطالبة الجامعية فى "جامعة فؤاد الأول" التى كانت "رئيس اتحاد الطلبة" قبل قيام ثورة يوليو وقبل صدور دستور 1956، وهى ذاتها السيدة التى كان لها نضال نقابى كبير ومشهور فى نقابة المعلمين.

والمرأة الثائرة، الفلاحة الحرة، شاهندة، كان جدها لأمها ضابطا فى الجيش المصرى "سلاح الحدود"، وجدها لأبيها "على مقلد" كان من أعيان "كمشيش وقادتها الذين لهم مكانة أدبية كبيرة، ووالدها "ضابط البوليس" كان امتدادا للرجال الكبار من عائلة "مقلد"، وفى حدود معرفتى بالعائلات فإن "مقلد" عائلة موجودة فى الدلتا والصعيد، وحسب ما رواه لى الشاعر الصديق "عبد الرحمن مقلد" وهو من "دمياط" أن "مقلد" اسم لعائلة متفرعة، وحسب معلوماتى أيضا فإن "المقالدة" فرع من قبيلة "جهينة" التى لها قاعدة ضخمة فى مصر، فهى موجودة فى "القليوبية" و"الشرقية" و"سوهاج" و"المنيا" و"أسيوط"، وهذا يفسر "القوة والصلابة" التى كانت علامة من علامات "مقالدة كمشيش"، فالعرب شعب قتال، والمرأة العربية صبورة، أصيلة، مهرة حرة، لاتخون الفارس الذى يرعى كرامتها، وهذا كله وجدته فى "عيون" شاهندة!

 حبيبها "صلاح" الشهيد

قصص الحب المروية فى التاريخ معروفة، لكن قصة "شاهندة وصلاح" لها حلاوة "فلاحى" ولها خصوصية مصرية، فالشهيد "صلاح حسين" هو ابن عمة "شاهندة"، وأمه كانت فلاحة على الفطرة، وروى عنها أنها تبرعت بالمهر الخاص بها، لثوار "ثورة 1919"، والحكاية المتوارثة فى "كمشيش" تقول تفاصيلها، إن "أم صلاح" كانت فى "القاهرة" لتشترى "هدوم ولوازم الزفاف" ورأت الشبان الوطنيين يجمعون التبرعات، فتبرعت بالمهر "عدة جنيهات ذهب" وعادت إلى "كمشيش" سعيدة بما فعلت، وفيما بعد، تبرعت بولدها الشاب "صلاح"، قتله قاتل مأجور فى "أبريل 1966" ليخرس صوته النضالى، وهو الشاب الحر الذى شارك فى حرب الفدائيين فى العام 1951، وشارك فى المقاومة الشعبية للدفاع عن "بورسعيد" أثناء العدوان الثلاثى فى العام 1956وأعلن انتماءه لمبادئ ثورة يوليو، وجمع "الطلبة" فى "كشيش" وانتقى من بين "الفلاحين" فريقا تولى التصدى لجيش الإقطاع، وقتل اثنين من هذا الفريق لأنهما قاوما بصدق، وقتل "صلاح حسين"، ولكن الفلاحين لم يقبلوا بالهزيمة وقاوموا حتى تمكنوا من تطبيق قانون الإصلاح الزراعى على "آل الفقى" وأعوانهم، وخير من تناول قضية الصراع بين الإقطاعيين والفلاحين فى "كمشيش" هو الباحث والمناضل "بشير صقر" فى كتابه "الفلاحون والإقطاع ـ قصة كفاح قرية كمشيش" وفيه ذكر تفاصيل المعارك والمواجهات التى جرت بين الفريقين، ومنها معارك بالسلاح، ومنها معارك بصندوق الانتخاب، ومعارك على صفحات الصحف، وكانت معركة "الاتحاد القومى" من أهم المعارك التى خاضتها "شاهندة مقلد"، واستطاعت الفوز بمقعد المرأة، وحضرت المؤتمر السياسى الذى حضره "كمال الدين حسين" عضو مجلس قيادة الثورة فى "شبين الكوم"، وفضحت تفاصيل المؤامرة التى يواصل الإقطاعيون والبيروقراطيون الفاسدون تنفيذها ضد الفلاحين فى "كمشيش"، ومنها طرد الفلاحين من الأرض التى حازوها بموجب قانون الإصلاح الزراعى، ومنع المياه عن أراضيهم وتبويرها، وتسميم "المواشى" التى يملكونها، وقدمت ـ شاهندة ـ المستندات، واستمع "كمال الدين حسين" كلامها، وتشكلت لجنة لتقصى الحقائق، وثبت صدق كلامها، وكلام الفلاحين الذين شرحوا تفاصيل ما عانوه من غدر وجرائم الإقطاع، وفى العام الحزين "1966" قتل "صلاح حسين" وعاشت "شاهندة" مناضلة من أجل ما اشتشهد "حبيبها صلاح الشهيد" من أجله، وفى حرب الاستنزاف، مات شقيقها "أشرف" شهيدا، وهو يحارب العدو الصهيونى على الجبهة، ورأت أن الواجب يفرض عليها مواصلة دورها فى الحياة، فأصبحت "الأرملة" التى ترعى ولديها، والمناضلة التى تنفق عمرها من أجل "الفلاحين" فى مصر كلها، واستطاعت أن تؤسس "اتحاد الفلاحين" لأول مرة فى تاريخ الفلاح المصرى، ولما تفجر الغضب الشعبى فى "25 يناير" كانت حاضرة بقوة فى "ميدان التحرير"، ولما حكم "الإخوان" مصر، كانت حاضرة أيضا، وكان نصيبها "لطمة" على خدها من "إرهابى" إخوانى جاهل لايعرف قدرها، وفى العام "2016" ودعتنا "شاهندة" عن عمر ناهز ثمانية وسبعين عاما، ولم تفقد عيناها البريق ولا الحنان رغم أنها كانت ـ قبل دخولها المستشفى ـ  مرتدية ذات الفستان الأسود.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد