«فضيحة» صلاح عبد الصبور.. و«رهـان» نزار قبانى.. و«تمرد» وردة

حليم اتصل بنزار قبانى مرتين يطلب تغيير كلمات قارئة الفنجان / تمردت وردة فى مشوارها مع نغمات الشرنوبى وكلمات بطيشه وقدمت لوناً جديداً عليها

لماذا حذر الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور كل العشاق والمحبين من استخدام وصف "الحب الأفلاطونى"، وأعلن أنه لا يعنى الحب العذرى البرىء ، بل إن معناه الحقيقى كارثة.. وفضيحة؟

وما هى الكلمة التى أصر عبد الحليم حافظ على حذفها من قصيدة "قارئة الفنجان"، ولماذا رفض نزار قبانى أن يغيرها وترك لحليم أن يبحث لها عن بديل؟

وما هى فكرة الأغنية التى اقترحتها وردة على الشاعر الكبير عبد الوهاب محمد، فاتهمها بالجنون، وبدأت بعدها مرحلة مثيرة من التمرد الغنائى؟

الإجابات فى هذه الحكايات!

(1)

 صلاح عبد الصبور يحذر من "فضيحة" الحب الأفلاطونى

فاجأ شاعرنا الكبير صلاح عبد الصبور كل المحبين والعشاق ذات يوم بصدمة لم يتوقعوها من شاعر محسوب على شعراء الرومانسية المطبوعين!

لقد فوجئوا بالشاعر الرقيق يحذرهم بقوة من استخدام تعبير "الحب الأفلاطونى"، نسبة إلى الفيلسوف اليونانى الشهير، وهو التعبير الذى شاع وذاع، وكان يمكنك أن تسمعه فى الشارع وفى مسلسلات التليفزيون وأفلام السينما وعلى خشبة المسرح، ويحمل المعنى المتداول عن الحب الرومانسى الذى يقوم على المشاعر الصادقة لا على الشهوة، على عشق الروح لا الجسد، فإذا بصلاح عبد الصبور يهدم ذلك المعنى السائد والراسخ والمتداول، ويحذر من استخدامه، ويقول للعشاق والمحبين لو عرفتم معنى الحب الأفلاطونى لشعرتم بالخجل.. والعار!

وبلغته الشاعرة يقول صلاح عبد الصبور:

"تقول الفتاة لصديقتها أحيانا وهى تحدثها عن أسرار قلبها إن حبيبها يحبها حبا أفلاطونيا، ثم يكتسى وجهها بنفحة من الزهو والكبرياء، وكأنها تؤكد بهذه الكلمة أن أجرأ ما يخطر ببال صديقها أن يلمس أطراف أصابعها فى تبتل وبراءة، ولكن فتاتنا الذكية لو عرفت المعنى الحقيقى للحب الأفلاطونى لترددت كثيرا فى استعمال هذه الكلمة، هى جديرة بأن يحمر وجهها خجلا لو حدثها بحديث الحب الأفلاطونى أحد أساتذة الفلسفة الموثوق بحديثهم".. وأستاذ الفلسفة الموثوق به هو د. فؤاد زكريا، الذى كان قد أصدر حينها كتابه الجديد والمهم "دراسة لجمهورية أفلاطون"، والذى كان قد كتبه فى الأصل كمقدمة لترجمته الجديدة لكتاب "جمهورية أفلاطون" ولكن المقدمة طالت وزادت على 170 صفحة، فقرر صاحبها أن يُصدرها فى كتاب مستقل، هو – بشهادة صلاح عبد الصبور – من أنضج وأذكى وأرفع ما كُتب عن أفلاطون.

ومن وسط هذه الدراسة الممتعة التقط صلاح عبد الصبور بلماحيته وبحسه الشاعرى المرهف هذه "الفضيحة" التى يقع فيها العشاق بسذاجة وبلا وعى ولا دراية عن الحب الأفلاطونى، لسبب بسيط ومباشر وهو أن الحب عند أفلاطون له معان أخرى مختلفة بل ومتناقضة مع المعنى الذى ينظر له العشاق بزهو وكبرياء.

فيكفى أن نعرف أن العلاقة بين الرجل والمرأة عند الفيلسوف الشهير فيها مهانة شديدة للمرأة، بل إن أفلاطون "يصل فى ازدرائه للمشاعر الطبيعية للمرأة وفى امتهانه لكرامتها إلى حد القول إن المحارب الشجاع ينبغى أن يكافأ على بسالته بمزيد من النساء أو من حقوق التناسل، وعلى المرأة أن تقبل عن طيب خاطر ذلك الوضع الذى تكون فيه مجرد وسيلة لمكافأة الشجعان من المحاربين"!

 وقد يجد البعض عذرا لأفلاطون، لأن تلك النظرة الدونية للمرأة لم يكن ينفرد بها وحده، بل كانت هى نظرة ذلك الزمن وتلك الحضارة، ولكن الذى لا يمكن قبوله ولا عذر له هو معنى الحب الحقيقى عند أفلاطون، فهل تريد أن تعرف كيف يكون الحب على الطريقة الأفلاطونية؟!

لنعود إلى لغة صلاح عبد الصبور الشاعرة لعلها تخفف من وقع الصدمة:

"الحب الحقيقى فى نظره هو الحب بين الرجال، أو ما يُسمى فى المصطلح الحديث بالجنسية المثلية، ومن المعترف به أن المثلية الجنسية كانت شائعة فى المجتمع اليونانى القديم لأسباب قد يكون منها أن الشاب لم تكن لديه فرصة لتكوين علاقات شخصية وثيقة إلا مع رفاقه فى الحرب أو فى الدراسة أو الأسواق أو الأماكن العامة، وهم دائما من الرجال"!

فلماذا إذن ارتبط اسم أفلاطون بالحب العذرى أو المثالى رغم ما ذكرناه عن نظرته للحب؟

الإجابة المقنعة التى وصل إليها صلاح عبد الصبور هى سوء الفهم الذى ارتبط بأفلاطون كفيلسوف مثالى وشهرته فى هذه الناحية، ذلك أن المثالية هنا لا تعنى النموذج المثالى أو الأفضل، بل تعنى بلغة الفلاسفة أن المثال سابق على الواقع، وأن الفكرة توجد أولا ثم يوجد الواقع، وما نراه من أشياء وأشخاص وأحداث ليس إلا ظلالا باهتة لمثال وجد أولا فى الذهن..

فلا علاقة للحب العذرى بأفلاطون، بل إن الأمر يبدو عبثيا، وبتعبير صلاح عبد الصبور الساخر "إننا إذن نستعمل هذه الكلمة – الحب الأفلاطونى- كمن يلبس حذاءه فى رأسه"!

ورغم التنبيه والتحذير، ورغم الفضيحة المدوية التى اكتشفها صلاح عبد الصبور، إلا أن أحدا لم ينتبه، وظل المحبون والعشاق يستخدمون "الحب الأفلاطونى" بمعناه الكاذب والمضلل، ويصرون على ارتداء أحذيتهم فى رؤوسهم!

(2)

 نزار قبانى يكسب رهان "قارئة الفنجان"!

هل تعرف أن أجمل مقطع فى "قارئة الفنجان" لم يكتبه نزار قبانى فى القصيدة الأصلية، بل تمت إضافته بناء على رغبة مطربها عبد الحليم حافظ وبسبب نزوة موسيقية من ملحنها محمد الموجى؟

تقول الحكاية إن نزار قبانى استيقظ فجرا على رنين الهاتف، نظر فى الساعة بجانبه فوجدها الرابعة فجرا، وهو موعد لا يستقبل فيه مكالمات، بل لا يمكن لإنسان طبيعى أن يتصل به إلا إذا كانت هناك كارثة!

وأمام إلحاح الرنين المتواصل رد متأففا وهو يستعد أن يُلقن المتصل درسا فى الذوق والأخلاق، ولكنه سرعان ما تراجع عندما جاءه صوت عبد الحليم حافظ من القاهرة، وبصوته العذب وبطريقته الناعمة قدم له كل الاعتذارات الممكنة عن اتصاله فى هذا الوقت، ولم يكن نزار فى حاجة إلى اعتذار أو مبرر، إن حليم يومها كان نجم نجوم الغناء فى العالم العربى، واتصاله مهما كان الوقت مُرحب به، ثم إنه وافق أخيرا على أن يغنى قصيدة جديدة لنزار، بعد نجاحهما الساحق فى اللقاء الأول "رسالة من تحت الماء" (غناها حليم لأول مرة فى حفل عيد الربيع فى 17 أبريل 1973)، وهو أمر كان نزار يدرك خطورته فى مسيرته، ويعرف أن كلماته على حنجرة العندليب ستصل حتما إلى كل مواطن عربى من المحيط إلى الخليج.

ولذلك رحب به نزار فورا، بل واستيقظت كل حواسه، وطار النوم من عينيه فورا، ذلك أن اتصال حليم فى هذا الوقت يعنى أن شيئا ما مهما قد حدث فى مشروع الأغنية الجديدة، التى استغرق التحضير لها قرابة العامين.. وبالفعل دخل حليم فى الموضوع فورا:

 أنت عارف يا أستاذ نزار جنون الموجى فى التلحين.. وهو مصمم على إضافة كلمات جديدة للأغنية.. قال لى إنه وضع جملة موسيقية أطول من المقطع ومحتاج إنك تطول فى الكلام..!

وحدد له حليم الكوبليه والمقطع، ولم يجد نزار بدا من الاستجابة، وطلب مهلة لليوم التالى يكون قد انتهى فيها من تلك المهمة الصعبة..

وبالفعل أضاف نزار الأبيات التى تقول:

والشعر الغجرى المجنون / يسافر فى كل الدنيا.

قد تغدو امرأة يا ولدى / يهواها القلب هى الدنيا.

ويعترف نزار: والعجيب أن ما طلب عبد الحليم إضافته كان أفضل وأروع أبيات القصيدة وأشهرها على الإطلاق".

وعاد حليم يتصل به من جديد، إنه هذه المرة – وليس الموجى - الذى يطلب تغييرا فى كلمة، ويصر على تعديلها ولا يقبل فيها أى مساومة، كان نزار قد كتب البيت الثالث فى القصيدة هكذا :

يا ولدى قد مات شهيدا / من مات على دين المحبوب

وبإحساس طاغ بالمسئولية اعترض حليم على كلمة "دين" خوفا من أن تمس القصيدة قداسة الدين ومكانته فى نفوس الناس، وكان يدرك تلك المكانة جيدا وحساسيتها، ولذلك قال لنزار بلهجة قاطعة:

- لن أقبل غناء كلمة "دين" فى القصيدة!

وحاول نزار إقناعه بمبررات فنية موضوعية:

- لا أقصد هنا الدين بمعنى العقيدة.. ولا هدف من الكلمة سوى التأكيد على قوة الحب.. وأنا أحب البيت كما كتبته!

وحسم حليم المفاوضات :

- لن أغنى الكلمة مهما كانت المبررات والضرورات

ورضخ نزار من جديد للتعديل، ولكنه هذه المرة لم يطلب مهلة لتعديل الكلمة وإيجاد البديل المناسب الذى لا يخل بالمعنى، وترك لحليم حرية تغيير الكلمة، وبعد تفكير اهتدى حليم إلى البديل المناسب: يا ولدى قد مات شهيدا / من مات فداء للمحبوب.

وفى حفلة شم النسيم (أبريل 1976) غنى حليم القصيدة لأول مرة، ومع نجاحها المذهل كسب نزار الرهان.. فعندما كتب القصيدة، وقبل أن ينشرها فى ديوان، أرسلها بخطه إلى حليم، مدركا أنه من الذكاء الذى يجعله يستوعب بسرعة أنه أمام قصيدة غير مسبوقة.. واستفز نزار موهبته عندما قال له إنه لا أحد غير حليم يمتلك الشجاعة والجرأة والموهبة ليغنى هذه القصيدة الصعبة.. وغناها حليم وكسرت الدنيا وكسب نزار الرهان!

(3)

 عندما قررت وردة الجزائرية إعلان التمرد!

ذهبت وردة ذات يوم إلى الشاعر الغنائى عبد الوهاب محمد تحمل فى دماغها فكرة أغنية تريد منه أن يكتبها لتغنيها.. وكانت تتصور أنه سيتحمس لها، فهى فى نظرها فكرة جديدة وجريئة ولافتة..

حكت له ببساطة: عايزه أغنى عن سيدة فى الأربعين من عمرها تعيش قصة حب حقيقية مع شاب أصغر منها، وهو يبادلها الحب وتشعر معه بالصدق وتتمنى الارتباط به، ولكنها تخشى من كلام الناس ونظرة المجتمع.. وينتصر الحب!

وحكت له المغزى الذى تود أن تحمله الأغنية: أريد أن أقول إن الحب لا يعترف بفارق السن، ومهما كان عمر الأنثى فإنها عندما تنظر فى عين من تحب تشعر أنها طفلة، وأنها جميلة، وأنها فى عز شبابها وأنوثتها وعنفوانها..

كانت تحكى لشاعرها المقرب بانطلاق وبصدق وحماس عن فكرة الأغنية، وعن مشاعرها التى تود لو يترجمها بكلماته ومفرداته.. لكن عبد الوهاب محمد صدمها وألجمها:

- إيه الجنان اللى أنتى بتقوليه ده..!

حاولت إقناعه بأن الفكرة جديدة، على الأقل مختلفة عن أفكار الأغانى التى "ملّت" من ترديدها خلال السنوات التى مضت، لكن عبد الوهاب محمد لم يقتنع، وخرجت وردة من عنده وهى تغلى وتكاد تميز من الغيظ!

كانت وردة وقتها – نهايات الثمانينات ومطلع التسعينيات – تشعر برغبة عارمة فى التمرد، وفى الخروج من الحالة الغنائية المملة التى تعيشها، وفى البحث عن أغانٍ جديدة.. ومرحلة موسيقية جديدة.

كانت تحس بأنها قدمت كل التجارب فى الأغنية الكلاسيكية مع بليغ وعبد الوهاب والسنباطى والموجى وكمال الطويل وسيد مكاوى.

كانت تحس أنها دخلت فى مرحلة فارقة تحتاج فيها إلى التجديد وإلى أن تغير جلدها حتى لا تختنق من التكرار.. تريد شاعرا يحقق رغبتها فى التمرد والتجديد، وامتلكت الجرأة لأن تعلن:

"لابد أن أغنى عملا جديدا، وهذا يتطلب وجود مؤلف يكتب لى شيئا أقوله وليس كلاما مرصوصا بجوار بعضه لا يربطه رابط، بل أريد قصة أغنيها تختلف عن القديم وتخرج من نمط المذاهب والكوبليهات".

إنها لا تريد فقط أفكارا جديدة فى كلمات الأغنية بل فى قوالبها الموسيقى، وامتلكت الشجاعة لأن تعلن: أريد التجديد فى الموسيقى.. أريد فورمات وليس مذاهب وكوبليهات، وكل الملحنين يستطيعون فعل ذلك، ولكنهم يرون أن الجمهور اعتاد على نمط معين ويخشون من عدم النجاح ومن عدم تصفيق الجمهور، فالفورمات ليس فيها تقطيع يتيح للجمهور التصفيق!

الرغبة فى التمرد امتدت حتى لجدران غرفتها وطلاء شقتها، فقررت أن تتخلص من ألوانها الوقورة الداكنة، وتعيد طلاءها بألوان فاتحة مبهجة..

أدركت وردة فى تلك اللحظة أن الزمن تغير، والجمهور تغير، والذوق تغير، وأن  فرسان المرحلة الماضية سقطوا وبدأت شمسهم فى الأفول، وأن عليها لكى تستمر وتنافس أن تبحث عن أسماء جديدة وأفكار جديدة وغنوة جديدة.. مختلفة.

وهكذا بدأت مرحلة التمرد فى مشوار وردة، ومع نغمات صلاح الشرنوبى وكلمات عمر بطيشة قدمت لونا جديدا عليها.. ومع أغنيات "حرمت أحبك" و"جرب نار الغيرة" و"أنا بتونس بيك" عاشت وردة أخطر مغامرة غنائية فى مشوارها، كانت "تقامر" فيها بكل رصيدها وتاريخها.

لم يكن يهم وردة فى تلك المغامرة حسابات المكسب والخسارة.. كل ما كان يهمها أن تعيش حالة التمرد والانطلاق.. وأظن أنها عاشت!

Katen Doe

ايمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص