لماذا رفض المساجين المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة فى سجن "طرة" المشاركة فى تصوير فيلم يشارك فى بطولته محمود المليجى
وزوجته علوية جميل، وفضلوا تكسير الأحجار فى الجبل عن العمل بالسينما؟!.. وما هى تفاصيل غراميات شاعر الشباب أحمد رامى بعيدا عن قصته الشهيرة مع أم كلثوم، وما هى نظريته الغريبة فى الحب والزواج وفترة الخطوبة؟.. ومن هى "الدكتورة" وأستاذة المسرح التى كادت تتسبب فى تعطيل اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل؟
الإجابات فى هذه الحكايات..
(1)
عذاب المليجى مع مساجين "طرة"!
أثناء العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 راودت الفنان محمود المليجى فكرة فيلم عن سجين وضعته الظروف ظلما داخل زنازين السجن، ويجد نفسه مدانا فى قضية مخدرات لا يعرف عنها شيئا ومحكوما عليه بالأشغال الشاقة فى سجن "أبو زعبل"، ثم تواتيه الفرصة للهروب بعد أن يتعرض السجن لغارة جوية من طائرات معادية وقت العدوان الثلاثى على مصر، ويجد السجين نفسه بين خيارين فى منتهى الصعوبة، هل يهرب لينتقم من الذين سجنوه ظلما أو على الأقل يبحث عن دليل براءته، أم يلبى نداء الوطن وينضم للمقاومة الشعبية للدفاع عن بلده؟.. وفى النهاية تتغلب الوطنية حتى فى نفس من يعتبر مجرما فى نظر القانون.
وتحمس سيد بدير لكتابة السيناريو والحوار، ونيازى مصطفى لإخراجه، وهكذا بدأ تصوير فيلم "سجين أبو زعبل" الذى كان واحدا من أبرز الأفلام التى تناولت العدوان الثلاثى الذى شنته جيوش بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر، انتقاما من قرار زعيمها بتأميم قناة السويس.
وقرر المخرج نيازى مصطفى أن يصور أحداث الفيلم فى أماكنها الطبيعية، وبشخوصها الطبيعيين، واختار سجن "طرة" لتصوير الفيلم، وطلب من إدارة السجن أن يستعين بالمساجين الحقيقيين بدلا من مجاميع الكومبارس، وبالفعل عرضت إدارة السجن على المساجين الجنائيين المشاركة فى تصوير الفيلم مقابل قائمة "إغراءات" قدمتها لهم، ففى مقابل كل يوم تصوير يحصل السجين على: وجبة غداء زيادة، علبة سجائر، شاى، سكر، بن.. وبالطبع كانت التكاليف على حساب الشركة المنتجة!
وهكذا بدأ تصوير الفيلم الذى قام ببطولته محسن سرحان وزهرة العلا ومحمود المليجى وزوجته علوية جميل..وكانت هناك مشاهد عديدة يجرى تصويرها فى الجبل المجاور للسجن، حيث كان المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة يصعدون إلى محاجره لتكسير أحجارها ونقلها..ورغم أن مشاهد الجبل التى يشارك فيها السجناء
كانت مجرد تمثيل ولا تقارن بمشقة العمل فى المحاجر، إلا أن مخرج الفيلم فوجئ بتمرد السجناء ورفضهم الاستمرار فى التصوير بعد مشاركتهم لأيام قليلة..
كان السبب أن المخرج يعيد المشهد مرات، وعليهم أن يعيدوا نفس الحركات فى كل مرة، ثم أن التصوير يستمر لساعات مفتوحة وغير محددة، ولذلك قرر أغلب المساجين التضحية بكل الإغراءات والامتيازات السينمائية الممنوحة لهم من أكل وسجائر وشاى وقهوة، ورفضوا العمل فى السينما، وفضلوا تكسير الأحجار فى المحاجر!
وعندما حكى الفنان محمود المليجى هذا الموقف، فإن الآسى كان يُقطّر من صوته، فالحكاية بالنسبة له مأساة لا تدعو للضحك، فهى تقول بكل وضوح إن ظروف العمل فى السينما تكون أحيانا أكثر مشقة من الأشغال الشاقة، بل لا يطيقها المجرمون المحكوم عليهم بتكسير حجارة الجبل!
لم يكن "سجين أبو زعبل" (الذى عرض فى العام 1957 عقب العدوان الثلاثى بشهور قليلة) هو أكثر الأفلام التى صورها المليجى مشقة، فبعده بنحو 13 سنة كان على موعد مع أعظم أدواره السينمائية، وهو دور "محمد أبوسويلم" فى فيلم "الأرض" (شاركه بطولته عزت العلايلى ونجوى إبراهيم ويحيى شاهين وعبد الرحمن الخميسي، عن قصة عبد الرحمن الشرقاوى وإخراج يوسف شاهين من إنتاج العام 1970) ..وقام يوسف شاهين بتصوير الفيلم فى إحدى قرى الفيوم، ولما كان الجو شتاء والأمطار لا تتوقف، والأرض الزراعية تحولت إلى برك من الطين، فقد كان المليجى ومعه باقى الممثلين يضطرون للجلوس على "الطين" فى انتظار تجهيز المشهد ودوران الكاميرا، وهو ما أثار شفقة فلاحى القرية، فأحضروا كميات من "التبن" (علف البهائم) وضعوها على الأرض ليجلس عليها الممثلون بدلا من الجلوس على الطين !
ولا يزال مشهد "سحل" المليجى فى مشهد النهاية واحدا من أروع مشاهد السينما المحفورة فى وجدان عشاق السينما..ومع كل هذا العذاب أصبح الفيلم فى صدارة قائمة أفضل مائة فيلم فى تاريخ السينما المصرية، وكان مرشحا للفوز بالسعفة الذهبية فى مهرجان "كان".. ولا يمكن أن تصدق عندما تشاهده أن أبطاله كانوا ينتظرون تصوير مشاهده وهم يجلسون على الطين!
(2)
غراميات رامى بعيدًا عن عيون أم كلثوم!
شاعت وذاعت قصة حب أحمد رامى لأم كلثوم، واشتهرت وانتشرت حتى ظن الناس أن رامى لم يحب إلا كوكب الشرق، وهو أمر غير صحيح ويحتاج إلى تصحيح!
فالثابت أن رامى عاش العديد من قصص الحب، قبل أم كلثوم وبعدها، بل كان لا يستطيع أن يعيش بدون قصة حب، وبعضها كان حقيقيا وكاد ينتهى بالزواج!
بينها مثلا تلك القصة التى عاشها فى مطلع شبابه وكانت مع واحدة من قريباته، بدأ حبه لها صامتا عذريا، كانت جميلة وجذابة وذكية، ووقع رامى فى غرامها وقرر الزواج منها، وجاءته الصدمة التى لم يتوقعها، أخبرته أمه أن حبيبته للأسف "تبقى أخته فى الرضاعة"، ومن ثم لا تحل له زوجة، وعاش رامى الصدمة لفترة، إلى أن استوعبها وتجاوزها ووفق أوضاعه العاطفية نحوها من حبيبة إلى أخت!
وفى واحد من أجرأ اعترافاته صراحة، وكان فى أخريات حياته، وفى حوار إذاعى مع القديرة آمال العمدة، امتلك رامى الجرأة لأن يعلن ويكشف:
- أنا عاشق، ولا أذكر عدد اللاتى أحببتهن طوال حياتي، لأننى كنت أحب فى التروماى أحيانا، وكنت أحب فى كل دولة أسافر إليها، ونحن الشعراء ننشد المثل الأعلى، وهذا لا يمكن أن نجده فى إنسانة واحدة.
- كل الغزل الذى أنتجته فى قصائدى ودواوينى لا بد أن يكون له دافع، فأنا لست من الشعراء الذين يفكرون فى الخيال، وكل قصائدى الغزلية لها بصمة من إنسانة لطيفة فى حياتي، سواء كانت قريبة أو بعيدة، لأنى أحب أن أعكس هذه الأشياء على شعري، لذا فأنا أعتقد أن المرأة هى الملهمة الرئيسية للرجل.
- لا أحب جمال المرأة الأوربية، فأنا أحب المصرية الخالصة خفيفة الدم ذات الشعر الأسود والعيون السود العسلية.
- لأسباب خاصة أعشق الممثلة العالمية جريتا جاربو وأعلق صورتها فى حجرتى.
وبجانب الغرام الدائم، كان رامى فوق كل ذلك صاحب نظرية خاصة فى الزواج، ويرى أن الزواج يمر بثلاث مراحل تكون الزوجة فى أولها حبيبة، وفى ثانيها صديقة، وتتحول فى ثالثها إلى أخت!
وكان من أشد المعارضين لفترة الخطوبة وطولها، ويرى أنه لا لزوم لها، بل قد تكون خطرا على المشروع نفسه وتعطى الرجل فرصة للتفكير والتراجع!
وكان كذلك من المؤمنين بأن الحب يأتى من أول نظرة، ويمكنك أن تحدد بعدها موقفك من المرأة، وما إذا كانت ستظل مجرد صديقة.. أو تختارها زوجة، فهو مثلا عندما رأى الفتاة التى اختارها كشريكة حياة، فإنه بعد ربع ساعة فقط طلب من والدته وأخته أن يخطباها له، وتمت الخطوبة فى اليوم التالى، وتزوجها بسرعة جدا، وأثبتت الأيام أنه كان موفقا فى اختياره، وأنها كانت الزوجة الأنسب له ولظروفه وطباعه، أو كما قال: عشت معها عيشة طيبة جدا، وتحملت رذائلى كشاعر وإنسان يحب السهر والوحدة!
ويبدو أن رامى نسى أن يضيف أهم سبب لزواجه الناجح، وهو أن زوجته استوعبت وتفهمت غرامياته، وفى القلب منها قصة حبه لأم كلثوم، وتركته يهيم بها ويكتب فيها أجمل أغانيه، ويرتدى فى أصبعه دبلة أهدتها له، ولم تحول حياته إلى جحيم حين رأت الدنيا كلها تتحدث عن غرام زوجها بامراة أخرى، وهو أمر لا تطيقه إلا زوجة بقلب ملاك!
(3)
"غريمة" سعد الدين وهبة!
من تكون هذه "الدكتورة" التى خصص لها سعد الدين وهبة مقالته المطولة بجريدة الأهرام كاملة (14 مايو 1994)، وحكى عنها كثيرا وطويلا دون أن يذكر اسمها؟
عندما قرأت المقال فى الكتاب الذى جمع مقالات الكاتب الكبير فى المسرح وأصدرته هيئة قصور الثقافة عام 2004، شغلنى البحث عن هذه "الدكتورة" وقصتها المثيرة، والتى جعلت مسئولا بوزن د. بطرس غالى وزير الدولة للشئون الخارجية يتصل بسعد وهبة فى مكتبه بوزارة الثقافة ليسأله عن هذه "الدكتورة" التى كانت حديث الصحافة الفرنسية يومها، حيث أفردت مساحات واسعة عن أزمتها مع سعد وهبة المسئول بوزارة الثقافة المصرية بعدما اتهمته بمنع مسرحيتها عن الرائد المسرحى "يعقوب صنوع"، وأشاعت أن سبب المنع هو أنه "يهودى"، ولما كانت مفاوضات السلام يومها متعثرة بين مصر وإسرائيل، وموشى ديان وزير الخارجية الإسرائيلى على وشك القدوم للقاهرة لإجراء مباحثات مع السادات، فقد خشى بطرس غالى أن تتسبب أزمة "الدكتورة" فى مزيد من التوتر قد يفسد الأجواء ويعطل توقيع اتفاق السلام!
لنعود من جديد إلى السؤال الأول: من تكون هذه "الدكتورة" التى كادت تعطل توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل؟.. حكى سعد الدين وهبة عنها وأورد معلومات وتفاصيل يمكن تلخيصها فى النقاط التالية:
- هى دكتورة فى الأدب، حصلت على درجة الدكتوراة من جامعة أمريكية، وكان موضوع رسالتها عن شخصية فنية معروفة.
- عادت إلى مصر بعد حصولها على الدكتوراة، ونشرت رسالتها فى كتاب بعد أن قامت بترجمته إلى اللغة العربية.
- عُينت أستاذة فى معهد الفنون المسرحية، كما أقامت صالونا ثقافيا فى بيتها كانت تدعو إليه ألمع النقاد والمبدعين والمسئولين عن الثقافة، ومن خلال هذه العلاقات انتزعت موافقة لتقديم برنامج على شاشة التلفزيون، استضافت سعد الدين وهبة فى حلقته الأولى وتحولت الحلقة إلى حوار عنيف تبادلا فيه ألفاظا يعاقب عليها القانون، فصدر قرارا بوقف البرنامج.
- بعد زيارة السادات للقدس وتقاربه مع أمريكا "وضعت هذه الدكتورة نفسها فى موضع خاص وكأنها أصبحت ممثلة للأمريكان فى مصر، وأنها مسئولة عن توثيق العلاقات مع إسرائيل، فبدأنا نسمع عن دعوات وحفلات تقيمها فى صالونها الشهير لبعض الصحفيين والكتاب الإسرائليين الذين بدأوا يترددون على القاهرة ".
- قررت – استغلالا لأجواء التطبيع- أن تقدم مسرحية عن "يعقوب صنوع"، وكان اختيارها مقصودا لمغازلة الإسرائيليين والأمريكان، بالتركيز على ديانة صنوع اليهودية، كما اختارت أن تعرض مسرحيتها فى "وكالة الغورى" بما تحمله من رمزية، إذ تقع فى حى الحسين وخلف الجامع الأزهر، وهو ما استشفه سعد الدين وهبة فرفض – بحكم مسئوليته بوزارة الثقافة – الموافقة على طلبها، وعرض عليها أن تقدم مسرحيتها على "الطليعة"، ولكنها رفضت وأصرت على "وكالة الغورى"، وحاولت الضغط من خلال الصحافة الغربية، فأطلقت تصريحات عن منع مسرحيتها عن "صنوع" لأنه يهودى، وهو أمر حاول سعد وهبة أن ينفيه ويفنده، ورفض التراجع عن موقفه رغم الأجواء السياسية المشحونة والمتوترة، وانتصر لموقفه الوطنى فى النهاية.
لم يذكر وهبة اسم "الدكتورة"، وحاولت مرات الرجوع إلى الذين عاصروا تلك الفترة وعرفوا بتفاصيل تلك الأزمة، وبعد تحريات طويلة يمكننا أن نقول إن "الدكتورة" هى ليلى أبو سيف، وكانت قد حصلت على الدكتوراة من أمريكا عن رسالة مهمة عن "نجيب الريحانى وتطور فن الكوميديا"، وترجمها إلى العربية الباحث سمير عوض وصدرت عن مكتبة "الأنجلو"، وعملت لفترة أستاذة فى معهد الفنون المسرحية، ومن أبرز أعمالها عرضا أعدته عن رواية "الأم شجاعة" للكاتب الألمانى "بريخت" أخرجته وشاركت بالتمثيل فيه.
وقد اختفت د. ليلى أبو سيف بعدها عن المشهد الثقافى، وعادت لتقيم فى الولايات المتحدة، وماتت هناك فى ربيع العام 2017.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...
قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...
خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...
كان والده طبيبًا تخصص فى الجراحة وألحقه بالكلية العسكرية وتفوق على أقرانه وأصبح من نجوم العصر الفاشى فى إيطاليا قتل...