فى روايتها السابقة "ست أرواح تكفى للهو"، كان حضور الجانب النفسى واضحا وطاغيا، إذ عمدت الروائية الشابة دعاء إبراهيم
إلى اختيار بطل مريض بالذهان والنفاذ إلى أفكاره وهلاوسه وضلالاته، وكشف تصوراته عن تآمر العالم عليه كما يتراءى له فى نوبات المرض التى تلازمه. فكان اختيارها لهذا البطل المريض نفسيا مؤشرا على نزوعها نحو بناء عالم روائى يتأسس على الأبعاد النفسية، وينفذ من خلال هذه الخيرة إلى تفكيك العالم ببنياته المختلفة، بدءا من الأسرة، وصولا إلى الدوائر الأوسع التى تتصل بالأزمات الوجودية للإنسان المعاصر.
هذا الحضور للأبعاد النفسية يترسخ ويتنامى فى روايتها الأحدث "حبة بازلاء تنبت فى كفي"، الصادرة عن دار العين، إذ اختارت الكاتبة بطلا مأزوم نفسيا، رغم أنه طبيب متخصص فى الأورام، لكنه لا يخلو من المرض النفسى الناتج عن طفولته، ما يجعله غير قادر على مواجهة أو مجابهة العالم، بكل ضراوته وقسوته وعنفه، فينغلق على ذاته، ويستعيد ذكرياته مع أمه التى رحلت وتركت لها حكاياتها، تلك التى كانت ترويها له فى طفولته.
كعادتها فى رواياتها، تأتى الشخصيات مجهّلة، وتتركها هكذا بلا أسماء، سواء البطل أو بقية الشخصيات، فتأتى كلها كأنها وظائف، كل شخصية تأتى بصفتها، الأم والأب والزوجة والخالة والجدة، لكن لا توجد شخصية واحدة تحمل اسما، فى إشارة إلى حالة من التعميم، وكأن كل إنسان يمكن أن يكون واحدا منهم، فهم ليسوا شخوصا محددين، بل نماذج قابلة للتكرار فى بيئات وأماكن وأزمنة مختلفة.
تستبطن الكاتبة صوت البطل الرجل، الذى يروى الحكاية كلها، من موقعه داخل قوقعته الخاصة، بعيدا عن العالم وصخبه، حيث يقبع داخل دولاب فى غرفة نومه، يتنسم فيه رائحة أمه، ويستعيد حكاياتها، فى نزعة أوديبية واضحة، حيث يعانى من آثار ارتباط شديد بوالدته، فى مقابل ما يبطنه من ضغينة لوالده، فينقل وجوده كله إلى داخل الدولاب، فيه يعيش وفيه يبحث عن ذاته، ويبحث عن حكايات طفولته الآفلة، عله يجد جزءا من رائحة الأم، وتزوره حكاياها وذكرياتها، وكأنه اتخذ من الدولاب رحما بديلا، رحما يختبئ فيه ويلوذ به، فهو معادل للأم ورحمها المفقود.
يتوحد هذا البطل مع الدولاب، يتصل به ويتواصل معه، يودعه أوجاعه وآلامه، وفى المقابل ينفصل تماما عن زوجته وأولاده، فهو بعد رحيل الأم لا يجيد التواصل مع أحد تواصلا حقيقيا وحميما، هذه هى أزمته الكبرى، فضلا عن ما شهده فى طفولته من أحداث تثقل كاهله، فهو ينحدر من عائلة يعانى كل أفرادها من خلل ما، نفسيا أو جسديا، بدءا من الجدة التى تعانى من الروماتويد، مرورا بالخالة فقيرة الجمال، التى عانت من فقد أنفها إثر جراحة فاشلة فى عيادة طبيب بائس، وكانت تغار بشدة من شقيقتها الجميلة (الأم)، وتنقم عليها، وصولا إلى أب بائس، فقير ومدعى الغنى، موظف فى وزارة الصحة ويدعى أنه طبيب، مريض بالتسلط والتحكم فى كل من حوله، ويعانى من الوسواس القهرى. فى حين عانت الأم من إحساسها بالضآلة والدونية، أمام زوجها ورغباته، وعلاقته المحرمة بأختها.
ثمة عقدة نفسية أخرى فى تركيبة البطل، وهى موت شقيقته التوأم فى طفولتهما المبكرة، إذ تسلل فأر وظل يأكل فيها وهى نائمة إلى جواره وجوار أمهما التى هدها التعب مع الطفلين التوأم، ولم تصدر الرضيعة أى صوت، فعاش البطل بإحساس ممض بالذنب، وأن توأمته ماتت بالنيابة عنه، تماما كما عاشت الأم وهى تشعر بوطأة الذنب، وأنها نامت وتركت رضيعتها فريسة ووجبة سهلة لفأر جائع.
تستفيد الكاتبة فى البناء الروائى من الحكايات الشعبية والأساطير، مثل أسطورة ميدوزا الإغريقية أو حكاية سندريلا، أو غيرهما من الحكايات، لكنها لا تعيد إنتاجها أو توظيفها، بل تضمنها فى الرواية لتفكيكها، حتى يبدو الواقع معقدا ومركبا مقارنة بوضوح هذه الحكايات المتوارثة، التى يبدو فيها الخير والشر واضحين للجميع، فى مقابل الواقع وحكاياته الحقيقية التى يصبح كل شخص فيها جانيا وضحية فى الوقت ذاته، فلا وجود لخير مطلق ولا شر مطلق.
تتراوح الفضاءات المكانية، بين قرية الأم وأسرتها، بكل فقرها وبؤسها، وبين الإسكندرية، المدينة الساحلية المنفتحة على العالم عبر البحر، حيث يعيش الراوى البطل منذ طفولته، لكنه رغم ذلك غير قادر على الانفتاح على العالم، بل ينعزل وينغلق على ذاته، فلا يكتفى بوجوده فى مكان مغلق، مثل بيته أو حتى غرفة نومه، فيهرب إلى أكثر الأماكن انغلاقا، وهو الدولاب، ليعيش فيه، بما فى هذا المكان شديد الضيق من اختناق وعزلة، لا يتصل بالعالم سوى عبر صخب زوجته وأطفاله، الذين لا دور حقيقى لهم، فهم أشبه بأشباح بلا فعالية حقيقية فى حياته، ولا نرى منهم فعلا سوى هذا الضجيج الذى يزعج البطل، ولا يقدم الراوى عنهم شيئا ذا بال.
الرواية حافلة بالموت، بتمثيلاته ومستوياته الحقيقية والمجازية، فعلى المستوى الحقيقى، نصادف موت الجدة، والأم والخالة والأب، وكلهم لاقوا ميتات مفجعة، غرقا أو حرقا أو مرضى بالسرطان، باستثناء الجدة التى كانت ميتتها أقرب للاعتيادية بحكم الشيخوخة، وبلا معاناة، ربما لأنها كانت أكثر الشخصيات اتزانا على المستوى النفسى، وأكثرهم تصالحا مع الذات ومع العالم. وعلى المستوى الرمزى والمجازى، كانت معظم الشخصيات تعانى الموت أثناء حياتهم، فلم يتمكن أحد منهم من الحصول على حياة سعيدة وطبيعية، بحكم الفقر المادى حينا، أو فقر الجمال والأنوثة حينا آخر، أو بحكم جملة الأمراض النفسية والتشوهات الجسدية التى أصابتهم، فكان كل منهم ميتا فى حياته بدرجة أو بأخرى.
لغة السرد تبدو مدهشة فى تبايناتها واختلافها، فتارة تبدو شاعرية وحالمة حد التحليق، وتكاد تتحول إلى قصائد، خاصة فيما يتعلق بمشاهد الاقتراب من البحر، فتبدو اللغة صافية مخملية ورائقة، وتارة أخرى تبدو اللغة حادة وصادمة، خاصة فى مشاهد الفقر، ووصف بيت الجدة فقير الإمكانات، وحياة القرية شديدة التقشف، وتكاد تكون حياتهم فيها مقززة.
فى الأخير، نجحت دعاء إبراهيم فى أن تؤكد وتعمق المسار النفسى الذى انتهجته فى أكثر من عمل روائى لها، وأصبحت ذات بصمة خاصة فى تقديم روايات تعنى بتشريح النفس الإنسانية وما يسكنها من هواجس وأزمات نفسية، وتفتح جروحهم واضعة يدها على أزماتهم وجذورها وتحولاتها، حتى يلقى كل أبطالها مصائرهم، دون أن تتورط كثيرا فى إدانة هذه الشخصية أو تلك، بل تقدمهم جميعا بوصفهم مرضى، يحتاجون لأن نفهم دوافعهم وأزماتهم، لا أن ندين سلوكياتهم التى يندفعون إليها دفعا بحكم أمراضهم النفسية وتاريخهم الحياتى.
دعاء إبراهيم طبيبة مصرية حصلت على بكالوريوس الطب والجراحة جامعة الإسكندرية عام 2011. صدر لها مجموعة قصصية عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بعنوان "نقوش حول جدارية" عام 2013، وتعد هذه المجموعة أولى خطواتها الأدبية، ثم صدرت لها المتتالية القصصية "جنازة ثانية لرجل وحيد" عن دار منشورات الربيع عام 2015، وترشحت متتاليتها للقائمة القصيرة لجائزة ساويرس الأدبية مرتين خلال دورتين، كما صدرت لها رواية "لآدم سبع أرجل" عن دار منشورات الربيع 2017، ثم رواية "ست أرواح تكفى للهو" عن منشورات ايبيدى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تعد دبي واحدة من أكثر المدن الحديثة تطورًا في العالم، حيث تجمع بين ناطحات السحاب الفاخرة والمراكز التجارية الضخمة والشواطئ...
تشمل السيارات الاقتصادية و الرياضية والفاخرة، إضافة إلى السيارات الكهربائية الحديثة. هذا التنوع يجعل الإمارات وجهة مميزة للراغبين في شراء...
أيهما يحمل الآخر، الفتاة النحيفة التي تقبض بكفها الهشة على خصر الفانوس العملاق، وقد اختفى أغلب جسدها الهش خلف جرمه...
ينتمى إلى بنى عُدىّ وأخواله من بنى مخزوم فهو قرشىّ أصيل كان يقوم بدور سفير قريش لدى قبائل العرب الأخرى...