شجرة الدر.. الجارية التى هزمت الحملـة الصليبية وأنقذت ديار الإسلام

هذه قصة امرأة مسلمة  مجاهدة فى تاريخ الإسلام، لم تعش عصر الصحابة ولا التابعين، ولم تكن عربية العرق،

لكنها حملت رسالة الدفاع عن ديار الإسلام، وقاومت الحملة الصليبية التى جاءت من أوروبا تحت قيادة "لويس التاسع" ملك فرنسا إلى الشرق وهى ترفع شعار "تخليص قبر المسيح من أيدى الهراطقة"، وحشدت المسيحيين لهذا الغرض وجعلت الكهنة والوعاظ فى الكنائس يشعلون نار الفتنة بين المؤمنين برسالة المسيح والمؤمنين برسالة التوحيد التى جاء بها النبى محمد صلى الله عليه وسلم، واستطاعت "شجرة الدر"أن تنقذ الأراضى المصرية وتنقذ قبر المسيح من همجية تلك الحملة التى تحركت تحت"الصليب"، وكانت نهاية "السلطانة أم خليل" لا تليق بما قدمته لديار الإسلام من تضحيات كبرى..

هى"شجر الدر"، والشعب المصرى خلدها فى سيرة شعبية حملت اسم البطل المظفر "الظاهر بيبرس" فجعلها ابنة خليفة يسمى "المقتدر"، وجعلها غالية على قلب أبيها الذى ألبسها ثوبا من لؤلؤـ وهو الدرـ فظهرت فيه كأنها الشجرة فأطلق عليها اسم "شجرة الدر"، وهى فى الأصل تنتمى إلى "خوارزم" وبعض الروايات تنسبها إلى أرمينية، وفريق يعتبرها "تركية"، لكنها فى كل الحالات، هى جارية رائعة الجمال والذكاء، اشتراها "الصالح أيوب" قبل أن يتولى مقاليد الحكم فى مصر، ومعها مملوك آخر اسمه "ركن الدين بيبرس"، وأعتقها وتزوجها وأنجبت له ولده "خليل"، ولما تولى عرش مصر، كان "الصالح" يشركها فى حكم البلاد ويجعلها نائبة عنه فى فترات أسفاره، وهى التى استفادت من هذه الخبرات فى الحكم، لما مات "الصالح أيوب" واضطرت لتسيير شئون البلاد وحدها بعد أن كتمت الخبر عن المماليك والشعب، حتى لا يفقد الناس عزيمتهم فى مواجهة جيش "لويس التاسع" ملك فرنسا الذى استطاع الاستيلاء على "دمياط" بعد هروب الحامية المملوكية المكلفة بالدفاع عنها.

وكان "الملك الصالح أيوب" الذى تولى حكم مصر فى ظروف صعبة، تلقى أخبارا تفيد بأن "لويس التاسع" فى طريقه إلى "مصر" على رأس حملة صليبية بهدف احتلالها، وبالفعل، نزل جنود الحملة الصليبية من المراكب إلى بر "دمياط" ونصبوا خيمة حمراء للملك "لويس التاسع" وانسحبت القوات المملوكية التى وضعها "الملك الصالح" لحماية وتأمين "دمياط"، وهرب الناس خوفا من القوات الغازية، وبقيت أعداد منهم داخل المدينة محاصرة لا تملك من أمرها شيئا، ودام الحصار ستة عشر شهرا، وغضب "الملك الصالح" لسقوط "دمياط" وأعدم عددا من القادة العسكريين الذين هربوا من الميدان، وانتقل إلى "جزيرة الورد"ـ مدينة المنصورة ـ وعسكر فى مكان آمن، وزاد عليه الحزن، ومرض ومات فى "23 نوفمبر 1249" بعد أن حكم مصر عشر سنوات.

 شجرة الدر فى المعركة

مات "الملك الصالح" فى وقت دقيق، كانت "دمياط" محاصرة بقوات الحملة الصليبية، والملك لم يكن له ولى عهد، والظروف لا تسمح بالصراعات الداخلية بعد أن أصبح العدو على الأبواب، حقيقة مؤكدة، وكانت "شجرة الدر" مدربة على أمورالسياسة، وعاصرت جانبا من مقدمات قدوم الحرب الصليبية، وشهدت سقوط واحدة من مدن مصر المهمة، فاهتدت إلى حيلة، جمعت قائد الجيش، الأمير فخر الدين يوسف "ومعه رئيس القصر السلطانى "الطواشى جمال الدين محسن" وأخبرتهما بخبر موت "الملك الصالح"، وكانت محتاطة بأوراق موقعة من الملك قبل موته، وهى الأوراق التى وقعها فى فترة مرضه، وهى ذاتها الأوراق التى سهلت مهمة "شجرة الدر"، فهى بعد أن نقلت جثمان الملك إلى "قلعة جزيرة الروضة"فى مركب شراعى، تفرغت لإدارة المعركة، وإدارة شئون الدولة، فكانت تأمر الخدم فى القصر، بتجهيز طعام "الملك الصالح"ـ المعتادـ وتأمر بحمله إلى غرفته التى كان فيها قبل موته، وكانت تصدر الأوامر لقادة الجيش على الأوراق التى وقعها الملك الصالح قبل موته، ولم يكن يعلم السر غير قائد الجيش ورئيس القصرالسلطانى وأصدرت أمرا عسكريا للمماليك بتجديد العهد للسلطان، وكأنه حى، وفى الوقت ذاته أرسلت تستدعى ولده "توران شاه" من بلاد الشام ليتولى العرش خلفا لأبيه، ولم تغفل أمر الجيش وتجهيزه بالمؤن والسلاح استعدادا للمعركة ضد الحملة الصليبية التى تحاصر "دمياط" وتعمل على احتلال مصر كلها، وفى لحظة فاصلة، وصلت إمدادات عسكرية من أوربا للحملة الصليبيةبقيادة شقيق الملك لويس التاسع، وتسرب خبر موت الملك الصالح، وعرف الصليبيون، فقرروا الهجوم، وعن طريق "قناة أشموم" و"مخاضة " ضحلة الماء، هاجمت قوات "لويس" معسكرا مصريا فى "جديلة" يبعد عن "المنصورة" بمسافة قليلة، دون قتل قائد الجيش المصرى "ألأمير فخر الدين يوسف"، وهرب المماليك تحت وقع الهجوم الصليبى المباغت، وعرض من"ركن الدين بيبرس" بالتعاون مع "أقطاى "ـ الذى تولى قيادة الجيش ـ خطة "مصيدة" للجيش الصليبى، تقوم على فتح الطريق له ليدخل "جزيرة الورد"ـ المنصورةـ وبعدها تجم عليه القوات النظامية والأهالى، وابتلع الصليبيون الطعم، ووقعوا فى الفخ، وهاجمتهم قوات "المماليك البحرية"و"المماليك الجمدارية" والمقاومة الشعبية كانت أقوى من كل هؤلاء، حسب ما ذكره المقريزى، المؤرخ الذى عايش تلك الحملة، فقال إن الشعب كان يهاجم الجيش الصليبى بقوة تفوق قوة المماليك، واستطاع الشعب أن يحاصر شقيق الملك لويس التاسع ويقبض عليه ويقتله فى المعركة، طوفى الوقت الذى اندفعت فيه قوات الجيش الصليبى نحو "القصر السلطانى" اندفع المماليك ومعهم "المقاومة الشعبية" فقتلوا كل جنود "فرسان المعبد"،وهم النخبة التى كان جيش لويس التاسع يعتمدعليها اعتمادا كبيرا فى الاقتحام والترويع،وهرب الفرسان الصليبيون الآخرون من هول المفاجأة التى دبرها المصريون،فألقوا أنفسهم فى نهر النيل هربا من جحيم الموتى وتحقق النصر،  حد على الجيش الصليبى الغازى.

 رجال يرفضون السلطانة

قبل التطرق للتاريخ والأحداث التى أعقبت هزيمة الجيش الصليبى، من المهم أن نعرف أن الشعب المصرى أحب "شجرة الدر" واعتبرها حامية ديار الإسلام، وهو الأمر الذى ظهر فى السيرة التى كتبت قصة الصراع بين الصليبيين والمسلمين، وكانت مصر آنذاك حامية ديار الإسلام وحامية المقدسات فى نجد والحجاز وفلسطين، وأحب المصريون الملك الصالح، ورسم، فيضفر الخوص ويصنع الأغراض المنزلية، ويأتيه الإلهام من المولى سبحانه وتعالى، فهو فى نظر الشعب "ولى الله المجذوب"،وكذلك اعتبر المصريون "الظاهر بيبرس" البطل الشعبى الحقيقى، واعتبروا "السيد البدوى وتلميذه عبدالعال " القائدين الروحيين اللذين أمد الله بهما الشعب المجاهد فى معركته ضد الغزو الصليبى، ومن المهم القول إن "جيش المماليك" الذى قام بالتصدى للجيش الغازى، جيش لا وطن له غير المال، ولا محرك له غير السيف، فالمشترك بين "المماليك" و"الشعب" هو الدين، وهذا يفسر ما قاله ـ المقريزى ـ حول المقاومة الشعبية ـ التى كانت تهاجم الجيش الصليبى بقوة تفوق قوة "المماليك"، فالمدافع عن الأرض والعقيدة، مستعد للموت، والمدافع عن "العقيدة" قد يتزعزع قلبه ووجدانه، لكن المدافع عن أرضه لا يملك غير خيار وحيد، هو النصر، لأنه لو خسر المعركة يصبح ميتا ولو كان حيا يسعى ويتنفس ويأكل ويمشى ويلعب.. وعقب تحقق النصر، جلست "شجرة الدر" على العرش تدير شئون السلطنة، وأصبح لقبها "المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين والدة خليل أمير المؤمنين"، وواصلت عملها بتصفية الوجود الصليبى، فعقدت اتفاقا مع الملك الأسير"لويس التاسع" ينص على تسليم "دمياط" ودفع فدية قدرها "ثمانمائة ألف دينار"، يدفع نصفها فور تحريره، ويدفع النصف الآخر عند وصوله "عكا"، ويتعهد بعدم الاقتراب من السواحل المصرية مرة أخرى، وفى الوقت ذاته كان رجال يعارضون جلوسها على عرش السلطنة، بل إن الخليفة العباسى "المستعصم" المقيم فى بغداد، رفض الأمر، بسخرية مرة، قال فى رسالة له ما معناه إنه جاهز لإرسال رجل يحكم مصر، لو أن مصر عدمت الرجال، ومن جانبه بدأ "توران شاه" ابن زوجها "الملك الصالح" يطالبها بما عندها من أموال من تركة أبيه، ورفض الأيوبيون تولى "المماليك" حكم مصر، وتزوجت "شجرة الدر" من "عز الدين أيبك" قائد العسكر، وحمل لقب "الملك المعز"، وظلت تحكم البلاد من وراء حجاب، بعد أن تنازلت لزوجها الجديد عن مقاليد الحكم، وشاركت فى قتل "أقطاى" ليهنأ زوجها "أيبك" بالسلطة، وكان "أقطاى" صاحب هيبة وسطوة روحية على المماليك، والعجيب هو انقلاب "عز الدين أيبك" عليها ، وشروعه فى الزواج من ابنة "حاكم الموصل" بالعراق، وعرفت "شجرة الدر"بما اعتزمه "أيبك التركمانى" فقررت استدراجه تمهيدا للقضاء عليه، فأرسلت تطلب منه العفو والسماح، وتدعوه للقائها فى "القلعة"، وانطلت عليه الخديعة، ونفذت خطتها لقتله، ولم يقبل مماليكه بمقولة "الموت الفجائى" التى روجتها، فقبضوا عليها وأسلموها إلى زوجة "أيبك" أم ولده "على"، فأمرت الجوارى بضربها بالقباقيب على رأسها حتى ماتت ،وألقيت من سورالقلعة، وظلت الجوارح تأكل من لحمها، وسرق لص حزام سروالها المرصع بالجواهر، وبعد أيام، قام الخدم بجمع ما تبقى من جثتها فى "قفة من الخوص" ودفنوه تطبيقا للقول المأثور"إكرام الميت دفنه"، ومازالت "قبة شجرة الدر" قائمة بالقرب من مقام السيدة نفيسة بالقاهرة، ومازال اسمها خالدا فى التاريخ ، فهى التى كسرت حملة لويس التاسع، وهى التى أنقذت ديار الإسلام وهى التى جلست على العرش ثمانين يوما، وراحت ضحية الـتآمر المملوكى!

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - الفانوسجي

يبدو اللقب غريبا، وربما هذه هي المرة الأولى التي تسمعه فيها رغم أنه معروف تماماً في منطقة الدرب الأحمر..

مدحت صفوت: الترند جعل «اللايك» و«الشير» المعيار البديل للقيمة الجمالية

المشهد الثقافى يشبه بوفيه مفتوح فى عرس صاخب.. والرواية وجبة جاهزة الأكاديميات تُخرّج موظفى نقد أوشارحى مناهج وليس نقادًا

عصام الزيات: الطب أعطانى المادة الخام والكتابة أعطتها معنى

تعلّق القراء بالجوائز شىء طبيعى لأنها تمثل «فلترة رسمية» الكتابة علّمتنى الإصغاء ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق

بين الغيب والحظ والقسمة والنصيب فلسفة القضاء والقدر

يذكر ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤنثا «توشيه» نسبة إلى...


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص