مجاهدات فى تاريخ الإسلام :نسيبةبنت كعب الأنصاريةبشرها النبى بصحبته في الجنة

هذه صحابية جليلة، كانت من أوائل المسلمين فى "يثرب"، وهى إحدى امرأتين بايعتا النبى الأعظم فى بيعة العقبة الثانية، وثبتت

 فى غزوة أحد، وظلت تقاتل دفاعا عن النبى، وجرحت، ولم تكتف بذلك، بل قدمت ولدها "حبيب" فداء لدعوة الإسلام، لما ظهر "مسيلمة الكذاب"، وفى معركة اليمامة، ثأر ولدها " عبد الله" لشقيقه الذى قتله مسيلمة، وقطعت يدها فى المعركة ذاتها، وكانت حياتها منذورة للدفاع عن كلمة التوحيد، وكانت هديتها بشارة من النبى لها بأنها ستكون معه فى الجنة، جزاء لما قدمته فى سبيل الله من جهاد وتضحية.

هى "نسيبة بنت كعب الأنصارية، توفيت فى العام "13هجرى" وتذكرها كتب التاريخ الإسلامى باسم "نسيبة بنت كعب المازنية "، تنتمى إلى "قبيلة الخزرج"، وتكنى "أم عمارة" وبذلك يكون اسمها "نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، من "بنى الخزرج" وهى القبيلة التى سكنت "يثرب" قبل الإسلام، وتنتمى "نسيبة" إلى بطن "بنى النجار" أخوال ـ عبدالمطلب بن هاشم ـ جد النبى الأعظم صلى الله عليه وسلم، وتثبت المصادر التاريخية إسلام والدتها "أم الرباب بنت عبدالله بن حبيب بن عبدحارثه بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، ويستدل المؤرخون بحادثة فى حياة "نسيبة" هى إصابتها فى "غزوة أحد"، فيقولون إن أمها أسلمت وكانت تضمد جراح ابنتها "نسيبة"، ولكن لم يقدم المؤرخون الدليل على إسلام والدها "كعب بن عمرو بن عوف"، وللصحابية المجاهدة "أم عمارة ـ نسيبة بنت كعب" أخ اسمه "عبدالله" أسلم وشهد غزوات النبى كلها وتوفى فى المدينة سنة "30هجرية" وصلى عليه الخليفة الراشد "عثمان بن عفان"، وأخ اسمه "عبد الرحمن" أحد البكائين الذين جاءوا للنبى قبل غزوة "تبوك" وكانوا فقراء، وردهم النبى ونزل فيهم قول الله عزوجل "ولاعلى الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون"، وولاه النبى الأعظم ومعه "عبد الله بن سلام" على قطع نخيل "بنى النضير" وشهد كل الغزوات ومات فى عهد عمر بن الخطاب.

وقبل دخولها فى الإسلام كانت "نسيبة "تزوجت من "زيد بن عاصم الأنصارى" وهو من الصحابة الذين شهدوا بيعة العقبة وشهد "بدر الكبرى" وشهد غزوة أحد ولم تورد المصادر شيئا عن وفاته وأنجبت له ولديه "حبيب بن زيد" الذى شهد "بيعة العقبة" وغزوة أحد وغزوة الخندق، وشهد الغزوات كلها وبعثه النبى إلى "مسيلمة بن حبيب الحنفى" الذى ادعى النبوة واشتهر فى التاريخ الإسلامى باسم "مسيلمة الكذاب"، فقطع ـ الكذاب ـ أطراف حبيب وألقاه فى النار، لأنه رفض الاعتراف بنبوته وشهد أن محمدا عبدالله ورسوله.

 راجحات العقول المجاهدات

وقبل أن نواصل سرد ما نقله المؤرخون عن جهاد هذه الصحابية المجاهدة، من المفيد التوقف أمام الوضع الذى كانت عليه "يثرب" قبل البعثة النبوية، والوضع الذى كانت عليه المرأة فى تلك الحقبة، فكانت "يثرب" تعيش تحت ظروف سياسية وعقائدية تفرض على العقلاء من رجالها البحث عن رباط يربطها بالعروبة والتوحيد، ذلك لأن اليهود فى "يثرب" كانوا يلعبون دورهم التاريخى، وهو الفتنة بين القوى الكبرى ليضمنوا لأنفسهم العيش الآمن، وهذا شأن الأقليات فى التاريخ، فكانت الحروب بين "الأوس" و"الخزرج" لا تنتهى، وكان اليهود يتعالون على العرب عموما وأهل يثرب بأنهم شعب الله المختار، وأنهم يملكون التوراة، الكتاب السماوى، فتحركت نخبة من النساء والرجال، خاصة من البطون التى تربطها القرابة بالموحدين والأحناف والرافضين عبادة الأصنام، وسعت للفكاك من قبضة اليهود، بالارتباط بمكة، حيث بيت الله الحرام الذى يحج الناس إليه كل عام، وحيث العروبة القوية فى قبائل مكة وماحولها ،وكانت دعوة الإسلام طوق نجاة لهذه النخبة، فسعت نحو النبى الأعظم وعاهدته على الإيمان بالرسالة، وكانت "أم عمارة" رائدة فى هذا المجال لأنها كانت نابغة، راجحة العقل، وكانت معها امرأة أخرى، وبايعت النبى، وبذلك تكون من راحجات العقول اللاتى جاهدن منذ وقت مبكر فى سبيل العدل والحرية، عدل الإسلام وحريته التى وهبها للناس كافة والمستضعفين خاصة، ونواصل قراءة مسيرتها لنعرف أنها كانت سابقة فى الإسلام وسابقة بالجهاد والتضحية فى سبيل الله، ففى غزوة أحد، كانت "نسيبة" واحدة من نساء الإسلام العاديات، تسقى المقاتلين وتطبب المجروحين، ولكن قوتها الروحية فرضت عليها التخلى عن هذا الدور الثانوى والتقدم لموقع أخطر وأهم، موقع الدفاع عن النبى الأعظم، بعد فرار الرجال، وكان من الفارون صحابة كبار، ولكن "نسيبة" حملت السيف وقاتلت كالرجال، وجرحت جروحا غائرة وعميقة كلفتها الرقاد فى الفراش وتلقى العلاج لفترات طويلة، ولو أنها خافت على نفسها كما خاف الرجال، لتغير التاريخ، ويكفى القارئ أن يعرف أن النبى أصيب فى "أحد"، وهذا معناه أن قريشا كانت عازمة على قتله ثأرا لكبارها الذين  قتلوا فى غزوة بدر، لكن الله حفظ حياة رسوله، وقدم للمسلمين الدرس وجعل المرأة أقوى من الرجل فى بيئة تعتبر الرجل هو السيد المطاع والفارس المغوار، وهذه عبرة، فالمرأة التى كانت تقف فى الصفوف الخلفية، وضعها الاختبار الإلهى فى المقدمة لتكون الدرع والسيف الحامى للنبى، فى الوقت الذى فر فيه الرجال من الميدان وانشغلوا بجمع الغنائم، وحفظ التاريخ بشارة النبى للسيدة "نسيبة بنت كعب" فأخبرها بأنها ستكون من بين رفقائه فى الجنة، وهى هدية تليق بجهادها وقوة إيمانها التى أخبرنا بها المؤرخون.

وشاركت "نسبية" رضى الله عنها فى غزوة "بنى قريظة"و"غزوة خيبر" وفى العام السادس للهجرة النبوية خرجت مع النبى ضمن ألف وخمسمائة من المسلمين لتأدية العمرة، وقبل دخوله صل الله عليه وسلم "مكة" أرسل  الصحابى عثمان بن عفان ليبلغ قريشا أن المسلمين تحت قيادة النبى جاءوا لتأدية العمرة، ولم يأتوا لقتال، وتأخر ـ عثمان ـ فى مكة فوقع القلق فى قلوب المسلمين وظنوا أنه قتل، فبايعوا النبى على الموت، وسميت البيعة "بيعة الرضوان" ونزل قوله تعالى "لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا"، وكانت "نسيبة" ممن بايعوا النبى، واتفق رواة الحديث النبوى أنه صل الله عليه وسلم قال ما معناه إن الذين بايعوا "بيعة الرضوان" لهم الجنة.

 جهادها يوم حنين

يوم حنين.. مذكور فى القرآن الكريم،لأنه حمل درسا مثل درس"يوم أحد"، وفيه ظهرت قوة إيمان "أم عمارة"ـ نسيبة بنت كعب ـ وكانت قبيلة "هوازن" قد اجتمعت لقتال النبى الأعظم، وجمع صلوات الله عليه وآله جيشا كبيرا، قدره المؤرخون بعشرة آلاف رجل، والتقى الجيشان فى منطقة تسمى "حنين"، وسقط المسلمون ضحية فخ نصبه جيش "هوازن"، ففر عدد كبير من جيش المسلمين، وثبتت قلة مؤمنة، وكانت "أم عمارة" تثبت الرجال وتحفزهم على التصدى لجيش هوازن، وبيدها السيف، وكان موقفها الجهادى هذا، سببا فى ثبات عدد كبير من جنود جيش الإسلام، لما رأوا "أم عمارة" ثابتة تقاتل فى سبيل الله، يحميها تاريخها الإيمانى ويساندها إيمانها بالنبى والرسالة، وحفظ التاريخ لها هذا الموقف، لتصبح امرأة جهاد وإيمان، وهى التى زادت عن النبى فى "يوم أحد".

وانتقل النبى الأعظم إلى جوار ربه راضيا مرضيا، بعد أن أدى الأمانة وبلغ الرسالة، واجتمع المسلمون فى سقيفة بنى ساعدة، واختاروا ـ أبابكرـ ليكون أميرا للمؤمنين أو خليفة للرسول فى قيادة المسلمين، وكان المبادر بترشيحه "عمربن الخطاب" رضى الله عنه، وارتدت قبائل عديدة عن الإسلام، منعت الزكاة، وامتنعت عن الصلاة، وظنت أن موت النبى محمد صلوات الله عليه وسلامه، هو نهاية العقد أو العهد، كما  اعتادت فى الجاهلية، فالسائد فى تلك الأزمان أن تتعاهد قبيلتان أو تتحالفا لمدة محددة على إنجاز أمر محدد، ولكن عهد النبى كان عهدا لله ومع الله، لا ينتهى، وازدادت فتنة المرتدين، وتضخمت ظاهرة "مسيلمة الكذاب" الذى قال لبنى حنيفة إن محمدا صلى الله عليه وسلم أشركه فى أمر الدعوة والرسالة، ووجد بعض المنافقين يدعمونه ويشهدون له بما زعم، ولم يجد "أبوبكر" وسيلة غير قتال هؤلاء الذين ارتدوا ومنعوا الزكاة، وكانت "نسيبة بنت كعب" هى أم الصحابى "حبيب بن زيد" الذى قتله "مسيلمة الكذاب" لما بعثه له النبى، وطلب من "حبيب" أن يشهد له بالنبوة، والشراكة مع النبى الأعظم فى الرسالة، وفى معركة "اليمامة" شاء الله أن يثأر ولدها "عبدالله بن زيد" لأخيه ويجهز على "مسيلمة الكذاب"، وهى نفسهاـ أم عمارة ـ شاركت فى المعركة تحت قيادة خالد بن الوليد، وقطعت يدها، وماتت متأثرة بجرحها بعد أن ارتاح قلبها بمقتل قاتل ولدها، الكذاب عدو الله ورسوله، مسيلمة الحنفى، المشهور فى التاريخ باسم "مسيلمة الكذاب".

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م
شارع المعز لدين الله
  • الخميس، 26 فبراير 2026 09:00 ص