يأتى شهر رمضان حاملا معه الفرحة للجميع، صغارا وكبارا، ولكل منا ذكرياته المرتبطة بهذا الشهر، إلى جانب بعض طقوسه الخاصة،
تحدثنا مع المثقفين عن ذكرياتهم بشهر رمضان، وطقوسهم خلال الشهر الكريم، والكتب التى يفضلون قراءتها فى أيامه، وطقوسهم فى الكتابة فى نهاراته ولياليه الحافلة، فضلا عن ما يمثله لهم الشهر المبارك من معان وأفكار مرتبطة بالتضامن والتكافل، والتواصل مع الأهل والأصدقاء فى سهرات لها مذاق مختلف.
عزة رشاد: فرصة للقاء الأهل والأصدقاء
الروائية الكبيرة عزة رشاد تقول: أحب معانى التكافل والتضامن التى يحث عليها الصيام، والإحساس بالجوع الذى يسرق الراحة والقدرة على الاسترخاء والنوم.. الخ، ليجعلنا نفكر بغيرنا، ممن لا يجدون قوت يومهم بسهولة، أحب أيضا الإصغاء إلى الناس الذين يعملون فى نهار رمضان وفى ليله كما فى أى شهر آخر. الذين لا يمتلكون رفاهية اعتباره شهر كسل وموائد عامرة بصنوف الأطعمة، التى تجعل الصائم يخرج من رمضان بزيادة ثلاثة أو أربعة كيلوجرامات لوزنه الرئيسى، وبرأس تصدع بمشاهدة مسلسلات تليفزيونية لا يمكن حصر عددها، مشاهدة بشكل عشوائى فى الأغلب ولا طائل منها.
وتضيف: بشكل شخصى يمنحنى ليل رمضان الطويل فرصة للقاء الأهل والأصدقاء وهو ما يصبح متاحا أكثر من بقية شهور السنة، خاصة مع إمكانية مشاركتهم الاستمتاع بأمسيات المقاهى وأغانى فرق التنورة والمديح والابتهالات ذات الإيقاع والنغمات المؤثرة، أو حضور الندوات الثقافية.. إلخ، نهار رمضان يسرقه العمل المهنى، حتى أفاجأ بمدفع الإفطار، ولهذا أعانى من قلة النوم فى رمضان، كما أنه لا فرصة فيه للقراءة إلا بأخذ إجازة اعتيادية، وقد اعتدت هذا الأمر، أحبها أن تكون لمدة أسبوعين مثلا، حتى أستفيد منها بقراءة ما تم تأجيله على مدار العام من كتابات قيمة، سواء أدبية أو علمية أو فلسفية، وكنت بدأت فى رمضان الماضى قراءة معنية بالجماليات الأدبية فى النصوص الدينية المختلفة (علم الأديان المقارنة).. آمل أن أنجح فى استكمالها هذا العام.
حاتم رضوان: شهر متفرد وزائر خفيف
الكاتب والروائى حاتم رضوان يقول: تأتى ليلة رؤية هلال رمضان بطقوسها وذكرياتها الجميلة.. أستدعى طفولتى البعيدة، لم يكن تقليد تحديد شهر رمضان فلكيا قد سُن، كنا ننتظر مفاجأة الإعلان عنه بشغف، وفرحة الاستماع لأغانى رمضان، وخصوصًا أغنية وحوى يا وحوى، وترديدها ونحن نمسك بالفانوس الصفيح التقليدى بزجاجه الملون والشمعة المشتعلة، فى الشوارع التى قمنا بتزيينها قبل دخول الشهر الكريم بالفوانيس الخشبية المغطاة بأفرخ القزاز الملون، والمعلقة وسط خيوط الورق المزركش، الممتد بين العمارات، مع تصاعد فرقعات البومب والصواريخ.
ويضيف: أذكر تجمع العائلة حول مائدة الإفطار، وسماع التواشيح بصوت النقشبندى قبل أذان المغرب ولحظة انطلاق مدفع الإفطار، وعيوننا على مشروبات رمضان المميزة قمر الدين والكركديه والتمر هندى، ذهابنا إلى صلاة التراويح والسهر حتى صلاة الفجر، والآن لا أعرف أين اختفت بهجة رمضان من جيل الأبناء والأحفاد، وتلك الطقوس الجميلة، وسط زحمة الحياة وسيطرة التكنولوجيا قنوات الدش والتليفونات المحمولة.
ويكمل: ألمح هذه الذكريات البعيدة، وبهجة طقوسها، بين سطور رواياتى وقصصى، استدعيتها فى فصل كتبته فى رواية "طرح النهر"، وبعض أحداث رواية "زاوية الشيخ" التى استعاد فيها البطل ذكرياته مع أبيه فى شهر رمضان، وذهاب أبيه إلى الحسين وصلاة الفجر فيه. والهدايا التى يأتى بها له من هناك.
ويختتم رضوان حديثه قائلا: الآن أقوم بعملى بصفة روتينية مثل أى يوم آخر، الذهاب إلى المستشفى لمناظرة المرضى، والقيام بالجراحات، ثم المرور على عيادتى، أحاول أن أختم القرآن أكثر من مرة، فيما تبقى لى من يوم عملى الطويل، وعدم انتظام ساعات النوم. أحيانا، توجه لى الدعوة للمشاركة فى بعض الفعاليات الثقافية، مثل تلك التى تقام بالحديقة الثقافية بالسيدة زينب، أو بعض الندوات التى نتجمع قبلها على مائدة إفطار جماعية تملأها البهجة والمحبة. وفى النهاية يبقى رمضان شهر الروحانيات وعمل الخير فى كل زمان وأى مكان، شهر متفرد وزائر خفيف، يأتى كريما ويمضى سريعا لننتظر قدومه من جديد.
شيرين فتحى: فرصة لقراءة كتب السيرة والتفاسير
الروائية شيرين فتحى تقول: رمضان بالنسبة لى هو ذكرياتى مع أبى فى بيتنا القديم.. أبى الغائب بحكم عمله كطبيب عن المنزل أغلب الوقت بينما يشاركنا الطعام فى رمضان كل يوم تقريبا.. تبدأ الذكريات حين يعود قبل بدء الشهر من طنطا، محملا بجوالات مليئة بمختلف أنواع البلح.. ننحى مقاعد الصالة ونفرغ الجوالات ونخلطها أنا وأخوتى قبل أن نعبئها فى أكياس بأوزان معينة، نعقد الأكياس، ثم نضيف لها جزءًا آخر من الياميش والمكسرات. يقسم أبى الأكياس بعدها إلى أكوام، لتوزيعها على الأقارب والمعارف والأحباء.
وتضيف: فى رمضان نفسه يبدأ اليوم بعودته، وقراءته للقرآن بصوت مسموع، وإن كان يدعونا أحيانا لمشاركته.. نستمع معه لابتهالات النقشبندى على الراديو التى تتزامن مع ساعة الإفطار، وبعدها نتمسك برغبتنا فى تشغيل التلفاز.. لم يكن فى التلفاز وقتها سوى قناتين فقط وعدة مسلسلات. بينما اختلف الأمر الآن، فهناك عدد لانهائى من القنوات والمسلسلات معًا.
وتكمل شيرين: تزوجت وأنجبت.. وأحاول أن أزرع فى أطفالى بعضا مما تعلمته من أبى.. أهتم بشراء الزينة وتعليق الفانوس.. إذ أحب الفرجة على أنوار وزينة رمضان المعلقة على الجوامع والشرفات.. أدقق فى اختيار المسلسلات كى تناسب أعمار الصغار وعقولهم.. نختار واحدا أو اثنين بالكثير. وكثيرا ما أحن أثناء الفرجة لصوت آمال فهمى وإلقائها المميز للفوازير على إذاعة البرنامج العام. أحاول تقليل الوقت الذى أقضيه فى المطبخ، بتجهيز بعض الأطعمة قبل بدء الشهر الكريم، رغم استمتاعى عادة بالطبخ وتجهيز الحلويات. وأترك بعض المهام لأولادى كى أحتفظ ببعض الطاقة للتعبد، كى أنهل من روحانيات وبركات الشهر الكريم.. أحب التعبد وقراءة القرآن فى هدوء.. فأنعزل لبعض الوقت فى غرفتى المغلقة. وقد تفهم أولادى هذا الأمر واعتادوه.
وتختتم شيرين قائلة: يأخذ الأمر منى عدة أيام قبل أن أتمكن من توفير ساعة على الأقل للقراءة. لا تحتلف اختياراتى كثيرا فى القراءة أثناء الشهر، فهى غالبا ما بين الأدب وعلم النفس، لكن ظروف الصيام تجعلنى أميل للكتب الخفيفة أو القصيرة وإن كان هذا الشهر فرصة جيدة للاهتمام بالكتب الدينية ككتب السيرة والتفاسير، أما عن الكتابة فأنا شخص غير منظم بالمرة، لا ألتزم بجدول يومى أو أسبوعى أو حتى سنوى للكتابة، بالتالى فالأمر فى رمضان مثل بقية العام، غير خاضع لأى عوامل فعادةً ما أكتب فجأة وبغزارة، قبل أن أنقطع فجأة أيضا ودون أدنى مقدمات.
السيد شحته: أخطط لقراءة كتب تاريخية
الكاتب والروائى السيد شحته يقول: رمضان له فى حياة كل منا ذكريات خاصة، وطقوس ارتبط بها منذ الصغر، وإحدى عاداتى المحببة فى هذا الشهر الكريم منذ كنت صغيرا فى قريتنا فى ريف الشرقية أن أبحر بين صفحات كتاب، فى الفترة من بعد صلاة العصر وحتى موعد أذان المغرب. ومازلت أذكر ذلك اليوم الذى كنت غارقا فيه فى البكاء، من فرط التأثر، خلال قراءة كتاب "العبرات" للمنفلوطى، ولم أنتبه سوى على صوت أحد إخوتى وهو يهزنى صائحا: المغرب أذن وعليك الحضور لتناول الإفطار، وكنت حينها جالسا فوق سطح بيتنا المبنى بالطوب اللبن.
ويضيف: رمضان شهر العبادة وتلاوة القرآن الكريم، لكنى اعتدت أن أعيش خلاله مع كتبى فى عزلة، خلال الفترة الممتدة من العصر حتى موعد أذان المغرب، ورغم أن الكثيرين يشكون من الشعور بالإجهاد خلال هذه الساعات، من تأثير الإرهاق والصيام، فإننى لا أجد ما يمنع من أن يبحر المرء مع صفحات كتاب لمدة ربما تطول يوما وتقصر فى آخر.
ويكمل: لست من هواة السهر فى رمضان أو غيره من شهور السنة، لذا أحرص - رغم زيارات الأهل - على استغلال الفترة الممتدة من بعد العشاء حتى الثانية عشرة صباحا، حيث أخلد عادة للنوم، على ألا تنقطع أيضا عن الكتابة فى رمضان، والصيام يوفر حالة عجيبة من الصفاء الذهنى، تخلق قدرا كبيرا من ثراء الأفكار، سواء الخاصة بعمل لم يكتمل بعد أو فيما يتصل بتلك البذرة التى توضع فى المهد كى تكون إيذانا بمشروع إبداعى جديد.
ويختتم شحتة قائلا: خلال رمضان هذا العام أخطط للتركيز على قراءة أكثر من عمل تاريخى، فى مقدمتها كتاب "الفيلق" المصرى لدكتور محمد أبو الغار، و"مذكرات يهودى مصرى" لـ ألبير آرييه، وفيما يتصل بالكتابة لدى عمل جديد أطمح أن أقطع فيه شوطا كبيرا خلال رمضان، حيث تكون الحالة المعنوية أفضل كثيرا.
صفاء أبو صبيحة: يد تعمل وفِكر يسبح فى الملكوت
الشاعرة صفاء أبو صبيحة تقول: لهواء شهر رمضان رائحة مميزة، لا أستطيع تحديد ماهيتها، لكننى أحس باختلاف الهواء وخفته عن اليوم الذى يسبقه، كأن الكون يتنفس الصعداء.. شهر رمضان فرصة لاستراحة المحارب الذى أتعبته الحياة، محاولة الإصغاء إلى الروح واستجلاب الهدوء والسكون.. أن يصوم الجسد لكى تشبع الروح، يبدو الأمر لى كما قال الشاعر أمل دنقل "اهدأ ليلتقط القلب تنهيدة".. وما أجملها تنهيدة!
وتضيف: أقضى رمضان فى محاولة الموازنة بين متطلبات الحياة اليومية وروحانيات الشهر الكريم، حيث أقضى وقتا كبيرا فى المطبخ للمساعدة فى إعداد طعام الفطار والسحور، وما يتبع ذلك من شئون منزلية، وبالمناسبة هذا ليس بعيدا عن الروحانيات، فاليد عادة تعمل والفِكر يسبح فى ملكوت آخر، وليس مستغربا الإصابات التى تكثر فى يدى بسبب إفلات السكين. هذا إلى جانب الذِكر والدعاء وقراءة القرآن، ومحاولة التأمل والتدبر فى الآيات القرآنية، والخروج إلى صلاة التراويح فى المسجد.
وتختتم أبوصبيحة قائلة: تختلف قراءاتى قليلا فى مضان، حيث أفضّل قراءة الكتب الروحانية والدينية، أما الكتابة فليس لها طقس محدد، لكننى لا أجهد نفسى فى البحث عنها، فأجرب أن أبتعد قليلا لأقترب أكثر.
مريم العجمى: رياضـة روحية وتمرين وتأمل
الروائية مريم العجمى تقول: شهر رمضان طقس روحى يستحق التأمل والمراقبة هى بذرة الكتابة، لا يخلو الأمر من التعرف إلى التناقض بين الروح والجسد، والانسجام الذى تخلقه حالة الصيام من التحكم فى رغبات الجسد لصالح الروح، رياضة وتمرين وتأمل، وهذا الشهر مرتبط بذكريات الطفولة، التجمعات العائلية والفطار الجماعى، المائدة العامرة بأشهى الأصناف، البلح المنقوع باللبن وقطع التين والمشمش المجفف، الحلوى المنتظرة بعد الفطار. تمرين على انتظار ساعة المغرب بفارغ الصبر، لا أنسى التدريبات الأولى للصيام، الصبر على الطعام والشراب، اختلاس بعض الماء سرا، وطلب المسامحة والغفران، ومواصلة الصبر فى اليوم التالى، الفرح الكبير بالإنجاز العظيم لإكمال اليوم صائمة.. لا يخلو الأمر من بعض الشقاوة فى الليل، أطفال العائلة والألعاب الليلية، المفرقعات والصواريخ واللعب بالفوانيس وقصقصة أوراق الزينة وتعليقها فى الشوارع، مراقبة قمر السماء بأطواره لنعرف كم مضى فى الشهر، انتظار قرب العيد والفرح بالملابس والحذاء الجديد، وحسابات سرية مطولة بالعيدية المنتظرة من الأهل والأقارب.
وتضيف مريم: لا يخلو الأمر من الحزن، حسابات الغياب والفقد، أذكر بعد وفاة أبى أول ما فكرنا به كيف سيكون رمضان من دونه، اعتاد أبى بعد كوب البلح باللبن يذهب للصلاة فى الجامع القريب من المنزل، كنا نستغرب كيف يصبر على الطعام هذه الدقائق الإضافية لأداء الصلاة، لكنه يفعل، بعد أن نسمع ختام الصلاة نعد من واحد إلى عشرة ونسمع تدويرة المفتاح فى الباب، واظبنا بعد رحيله على العد من واحد إلى عشرة على أمل.
فريد عبد العظيم: إجازة طويلة من الكتابة
الروائى فريد عبد العظيم بدأ حديثه قائلا: رمضان والكتابة الإبداعية لا يجتمعان، اقتراب الشهر الفضيل يعنى بالنسبة إلى توقف مؤقت عن الكتابة، للأسف طقوسى فى الكتابة لا تتوافق مطلقا مع الشهر الكريم، اعتدت الكتابة فى أوقات ثابتة، أكتب لساعتين يوميا فى فترة ما بعد العصر إلى المغرب، يصاحبهما التدخين والشاى والقهوة، لا أحب الكتابة الليلية، كثيرا ما حاولت تغيير أوقاتى الثابتة فى الكتابة، لكننى لم أخرج بنتاج، من الصعب جدا التركيز فى كتابة عمل إبداعى بينما تشعر بالجوع والعطش، حلى الوحيد لمواجهة رمضان هو القبول بالتوقف عن الكتابة، والعمل على إعادة تحرير ما كتبته سابقا، أراجع وأنقح مسودة عملى، على أن أعود لاستكمالها بعد انتهاء الشهر الكريم.
ويضيف: غالبا ما أغير عاداتى فى الكتابة خلال الشهر الفضيل، الأوقات الصباحية أكتفى فيها بالقراءة، أما بعد الإفطار فأقوم بإعادة التحرير، طقوس رمضان مرهقة، أغلب الأيام تضيع فى تبادل الزيارات العائلية وحفلات الإفطار والسحور الجماعية، ألجأ إلى مضاعفة ساعات الكتابة قبل رمضان بأسابيع، لأعوض الامتناع الإجبارى عنها لشهر كامل، رمضان بالنسبة إلى يعنى إجازة طويلة من الكتابة، وقضاء أوقات أطول مع العائلة، مناسبة للاجتماع مع الأصدقاء والزيارات الأسرية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...
استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى
أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...
تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...