أسماء عواد تحتفى بالطبيعة والتصوف والحـس العجائبى فى «امرأة الحجر»

لم يكن فوز الكاتبة أسما عواد بجائزة الطيب صالح العالمية لإبداع الكتاب، من بين 198 متقدما لفرع القصة القصيرة،

 حسب بيان الجائزة، مفاجئا لمن يعرفون كتابتها وموهبتها، بل ربما يكون هذا التتويج والفوز تأخر قليلا، فقد أصدرت قبل ذلك مجموعتها القصصية المميزة "صباح يأتى لك"، ثم أعقبتها برواية "حريملاء"، والعام الماضى أصدرت روايتها الأحدث "سلاسل الفيروز"، وكل إصدار من هذه الإصدارات كان له منطقة تميزه الخاصة، فلا يتشابه عمل فيهم مع الآخر، إذ تراوح بين عوالم روائية وقصصية مختلفة، وإن بقى ثمة أسلوب خاص يميز أعمالها، هو شخصية الكاتبة التى تظهر فى أعمالها، رغم تباين هذه العوالم.

فى مخطوطة المجموعة القصصية الفائزة بالمركز الثالث فى جائزة الطيب صالح، والتى جاءت بعنوان "امرأة الحجر"، جنوح واضح نحو التجريب، واعتماد تقنيات سردية جديدة لم تستخدمها من قبل، مثل استخدام تقنية الرسائل فى أكثر من قصة بالمجموعة، فضلا عن اللغة المفعمة بالشاعرية وتأمل العالم والفلسفة، وكذا العودة إلى الطبيعة والاحتفاء ببكارة العالم، ممثلة فى تفاصيل العالم الطبيعى من نباتات وأحجار، مع حس غرائبى لا تخطئه عين فى كثير من قصص المجموعة.

تتكون المجموعة من 13 قصة، مقسمة إلى 4 أجزاء، لكل جزء منها عنوان دال، الملف الأول بعنوان "عن هؤلاء"، ويضم 4 قصص، هى "الذى يصدق يقينه، الذى ينزف عسلا، امرأة الحجر، التى تستثقل جسدها". أما الجزء الثانى فعنوانه "أحلام هؤلاء"، ويتكون من 4 قصص، هى "العهد الأخير، وأحلام شيوخ الجن، وغرفة بيضاء، وفى بيت عاتكة"، ويأتى الجزء الثالث بعنوان "رسائل هؤلاء"، ويتكون من قصتين فقط، هما "رسائل من المزرعة، وبجوار شجرة مانجو"، والجزء الرابع والأخير عنوانه "لهؤلاء"، ويتكون من ثلاث قصص، هى "خلايا من الغربة، وتغتسل بالصمت، ونبتة صبار".

بالطبع، تكرار مفردة "هؤلاء" فى عناوين الأجزاء الأربعة له حمولات دلالية، ويفتح أبواب التأويل على مصراعيها، فكأن الساردة ترصد مجموعة محددة من الشخوص، وتثبت كاميرا سردية على حيواتهم، لتعاينهم وتكشف خبيئاتهم وأسرارهم فى كل حالاتهم، نرى أفكارهم وأحلامهم وهواجسهم، قصص حبهم وانكساراتهم، انفصالهم عن العالم وأحيانا عن أنفسهم، فى مقابل توحدهم مع مفردات الطبيعة، فيلوذون بها، فى محاولة للعودة للفطرة، ونقطة البدء الأولى، قبل الانخراط فى صخب العالم.

فى الجزء الأول، وتحديدا فى قصة "الذى يصدق يقينه"، نرى كاتبا موهوبا تخلى عن موهبته تحت وطأة ضغوطات الحياة، والتزاماته المادية كزوج وأب، فانخرط فى العمل ونسى موهبته تماما أو تناساها، لكن موهبته لم تتخل عنه، إذ أصيب بما يشبه الفصام، لكنه فصام بمذاق إيجابى، إذ يذهب إلى بيته دون أن يشعر ويجلس إلى مكتبه ويجلس ليكتب قصصا جديدة دون أن يشعر، وبعد أن يكتب يعود له شغفه واشتياقه لزوجته، ثم يخرج من البيت دون أن يشعر، ويعود مرة أخرى وقد أفاق ونسى كل ما حدث، فصار يعيش حياتين، حياة رب الأسرة المطحون فى عمله، وساءت علاقته بزوجته، وهذه هى الحياة المعلنة التى يعرفها، وحياة أخرى خفية، مفعمة بالكتابة والإبداع، وممتلئة بالحب بينه وبين زوجته، وبالتواصل الجسدى الحميم بينهما بعد طول فتور فى علاقتهما الزوجية. إنهما نموذجان، أولهما للتبدد والضياع، ضياع الموهبة والشغف والحب والحميمية، وهذا ما يطفو على السطح، والثانى نموذج التحقق والإبداع والامتلاء الروحى والإشباع الجسدى، الذى لا يحدث سوى عبر إشباع موهبته وتحققها بكتابة القصص القصيرة التى يحبها، لكنه نموذج مخبوء وحياة متوارية خلف صخب الحياة وطواحينها.

ويتواصل نزوع الكاتبة نحو التجريب، فتجعل البطل يجلس ليكتب قصة جديدة بعنوان "امرأة الحجر"، بعد أن يقرأ آخر قصة كتبها قديما قبل أن يعتزل الكتابة، وكانت بعنوان "الذى ينزف عسلا"، وهاتان القصتان نقرأهما كقصتين تاليتين للقصة الأولى، مما يخلق درجة كبيرة من الترابط النصى، بين القصص الثلاثة، فالأولى عن كاتب قصة موهوب، وتأتى القصتان كجزء من إبداعه هو، وكأننا نقرأ ليس فقط القصتين، بين ظروف وسياق كتابتهما، وحياة كاتبهما، فيتعرف القارئ على ما وراء النص من مكابدات ومعاناة يعانيها كاتب القصة، وأى مبدع فى أى مجال، فماء وراء النص لا يقل أهمية عن النص نفسه.

فى هاتين القصتين -"الذى ينزف عسلا"، و"امراة الحجر"- اتجاه واضح نحو الاحتفاء بالعجائبى، فالأولى عن رجل ينزف عسلا من جسده، بدلا من الدم، بل ويتغذى على هذا العسل، حتى أدمنه، فقد اعتاد أن يتغذى على دمائه ونزفه، بدلا من الطعام، فى دلالات واضحة عن أزمات الكاتب أيضا، الذى يتغذى على روحه وإبداعه، ويعانى ذهنيا وجسديا إذا لم يتذوق هذا النزيف، ويشعر بصداع رهيب وعدم القدرة على النوم، ولا يستريح إلا إذا نزف وشرب من دماء ذاته، فالكتابة أشبه بنزيف مستمر، ورغم ذلك لا يعيش الكاتب بدونه.. وتتنامى الغرائبية وتذهب بها الكاتبة إلى أقصى مدى، بأن تجعل البطل يكتشف أن جسده تحول إلى خلية نحل، فيخرج من جسده أثناء نومه أسراب من النحل، وقد ورث منه ابنه الطفل الرضيع هذه الغرابة، حتى أنه يحول جزءا من البيت إلى حديقة زهور، ليتغذى عليها النحل الذى يكمن داخله.

فى قصة "امرأة الحجر"، التى أبدعها كاتب القصة الأولى فى حالة فصامه، يتواصل الاحتفاء بالغرائبية والحس العجائبى، فنرى فتاة تعيش حالة توحد مع الأحجار والصخور وذرات الرمل، تحدثهم وتكتفى بهم عن العالم، حتى عندما منعتها الأم من الأحجار بأن تخلصت من أحجارها أصيبت بمرض يحار فيه الأطباء، فتضطر الأمر لتصديق ابنتها وحمايتها، وتساعدها فى جلب الأحجار، فالأحجار أصبحت عالما متكاملا تعيش فيه، وبمرور الزمن تكتفى بهم، تتخذ من حجر حبيبا، ومن حجر آخر أمًا بعد رحيل أمها، ومرة فى طريقها وجدت حجرا قاتلا، شعرت به وبقسوته، وبالبحث تبين أن أحدا أمسك بهذا الحجر وضرب به شخصا آخر، وظل ينزف حتى الموت، فصارت القسوة والعنف عالقة بهذا الحجر المدبب. وفيه النهاية تستدعى هذه الفتاة كل طاقتها الروحية، حتى تذوب فى عالم الأحجار، وتتحول إلى ذرات من الرمال.

فى هذه القصة، امرأة الحجر، وفى قصة أخرى فى الملف الأخير تحديدا، نزوع واضح نحو الاتحاد بالطبيعة، وهو اتجاه نسوى أصيل، يسمى النسوية البيئية، حيث تقترن المرأة بالطبيعة وتتحد معها، وتصير المرأة معادلا للطبيعة والبيئة فى صيغتها الأولية، فى حين أن الرجل معادل للحضارة، التى تقوم بالأساس على ترويض الطبيعة، وربما الاعتداء عليها، ومن ثم تتوحد بطلات قصص أسما عواد مع عناصر الطبيعة الأولى، مرة مع الأحجار، ومرة أخرى مع نباتات الصحراء، وخاصة الصبار، وذلك فى قصة "نبتة صبار"، حيث تشعر البطلة بدموع النباتات، وبجروحها، وببهجتها، وثمة لغة خاصة بينها وبين كل نبات.

فى قصة "خلايا من الغربة" تحل على البطلة لعنة ما لمجرد أنها اقتطفت نبتة من الصحراء تلبية لرغبة عابرة فى الاحتفاظ بهذه النبتة، هذا الفعل العادى الذى يمكن أن يقترفه أى إنسان عندما يقطف وردة مثلا، لكن هنا، ونظرا لعلاقة البطلات بالزهور والنبات، وبالطبيعة بشكل عام، يتمرد الجسد على البطلة، ويعاقبها، فتتضامن خلايا جسدها مع تلك النبتة التى اغتربت عن بيئتها بسبب رغبة الاستحواذ التى سيطرت على البطلة فى لحظة عابرة وقديمة، فتتمرد هذه الخلايا وتخرج من مكامنها وتعيش فى غربة خارج مواضعها فى الجسد، بشكل لا يصلح معه أى دواء، لكنها تعرف أن أوجاع جسدها سببها الذنب الذى اقترفته قديما بقطف تلك النبتة، وتعى أن خلايا جسدها تعاقبها.

فى الجزء الثانى "أحلام هؤلاء"، بقصصه الأربعة، حضور واضح للتصوف والروحانيات، فهناك دائما عهد صوفى، وشيخ يقود البطلة للنقاء الروحى والعيش بالرجاء، ويعلمها فنون التخلى، وعدم التمسك بأى شىء دنيوى، وأنها كلما تخلت عن الأشياء المادية كلما امتلكت روحها وعثرت على شتات روحها. ومن أجمل قصص هذا الجزء قصة "غرفة بيضاء" حيث تجد البطلة نفسها فى غرفة بيضاء تماما، أشبه بحبيسة فى مكان لا تعرفه ولا تعرف من أتى بها إليه، ولا سبب وجودها فيه، وتظل هكذا حبيسة هذا المكان، الأشبه بذاتها الضائعة منها، حيث تعيش حالة من التطبيع مع هذا الفراغ الأبيض، وكأنها رحلة صوفية فى المكان وفى الذات، أشبه بصومعة للارتقاء بالروح ومراجعة الذات.

فى الجزء الثالث "رسائل هؤلاء"، وتحديدا فى قصتى "رسائل من المزرعة"، و"بجوار شجرة مانجو"، جنوح واضح نحو التجريب، حيث تنهض القصتان على بنية الرسائل، فكل قصة عبارة عن مجموعة من الرسائل، ففى النص الأول رسائل بين حبيبين، حيث نأت الحبيبة بنفسها وهجرت حبيبها لتحافظ له على حياته، واختارت مكانا نائيا فى الصحراء، وللصحراء حضور طاغ فى قصص المجموعة كلها تقريبا، وظلت ترسل له رسائل على إيميل قديم كانا يتراسلان عليه، تخبره فيه سبب هجره له، واشتياقها إليه، فى المقابل نرى رسالة أخيرة من هذا الحبيب لها، وقد قرأ رسائل، وبحث فى الصحراء حتى توصل لمكانها.

وفى القصة الثانية من هذا الجزء، رسائل من امرأة كانت تعيش فى بدايات القرن العشرين، تحكى فيها عن حياتها، رسائل كتبتها ودفنتها بجوار شجرة مانجو، وتجدها حفيدتها التى تكتب بدورها رسائل أخرى وتدفنها بجوار رسائل المرأة الأولى، فتصير شجرة المانجو شاهدا على رسائل نساء هذه العائلة على مر العصور، وما عانينه من وأد أحلامهن وعواطفهن وأحلامهن.

فى الأخير، "امرأة الحجر" مجموعة قصصية تستحق الجائزة والتقدير، ومبدعتها أسما عواد كاتبة تستحق الاحتفاء بإبداعها، وإن تأخرت الجوائز عنها، لكن يبدو أن هذا التقدير قد جاءها فى وقت مناسب أخيرا، فقد أعلنت نتيجة الجائزة والكاتبة فى المستشفى تتلقى العلاج من مشاكل فى القلب، فلعل الجائزة والتقدير المتأخر يذيب جلطة القلب، ويعيد إليه حيويته، لتواصل إنتاج مزيد من الأعمال السردية المهمة.

 	عمر شهريار

عمر شهريار

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد