عزيزة أمير.. الأم الحقيقية لصناعة السينما فى مصر

فى العام 1982، وبالتحديد فى "كوم العرب" قريتى العزيزة، عرفت "عزيزة أمير" من كتاب عن تاريخ السينما أعارنى إياه أستاذى "دياب أحمد سيد"،

مدرس التاريخ والجغرافيا فى مدرستى "كوم العرب الإعدادية المشتركة "، كان ـ متعه الله بالصحة والعافية ـ درس فى كلية التربية، فطبق علينا الطرق التربوية الحديثة فى الدرس والشرح، وكان يهوى القراءة ويقرب تلاميذه المتفوقين ويعيرهم الكتب، وكنت منهم، وكان كتابه الذى أعارنى إياه مؤثرا فى تشكيل وجدانى، فلم يكن كتابا سياسيا، ولا دينيا، كان كتابا فى الفن وتاريخه، وقرأته ومازالت المعلومات التى حصلتها منه باقية فى ذاكرتى وكما قال أهلنا فى القرية "اللى فى عقل العيال ما يتوهش"، أى أن ذاكرة الطفل تحفظ المعلومات، وهذا ما حدث، مازالت "عزيزة أمير" باقية فى ذاكرتى، وهأنذا أكتب عنها بعد أربعين عاما مضت على اليوم الذى عرفت اسمها فيه مطبوعا فى كتاب.

لما قررت البحث عن "عزيزة أمير"، اكتشفت أنها ولدت فى بداية القرن العشرين وظهرت فى العشرينيات، وعاشت فى طنطا، ونشأت يتيمة، مات والدها بعد أن ولدت بحوالى خمسة عشر يوما، فانتقلت أمها ـ وهى معها ـ لتعيش فى الإسكندرية، ولما كبرت ورأى الناس جمالها، انبهروا بهذا الجمال، فكان "أحمد الشريعى" هو الراعى لها، والزوج السرى، وكانت هى أول منتجة وأول مخرجة فى تاريخ السينما المصرية، وكانت السينما صامتة، وكانت مصر تعيش زمن العشرينيات من القرن الماضى وهو الزمن الذى شهد ثلاثة أحداث كبرى، أولها ثورة 1919، وثانيها "تصريح 28 فبراير 1922" الذى بموجبه أصبح "السلطان أحمد فؤاد" يلقب "جلالة الملك أحمد فؤاد"، وأصبح لمصر حق تبادل السفراء مع دول العالم، وثالث هذه الأحداث صدور دستور "1923" لأول مرة بعد دستور الثورة العرابية التى هزمت بقوة الجيش البريطانى وخيانة "الخديو توفيق"، ومؤامرة السلطان العثمانى، الذى أعلن "عصيان عرابى" وبموجب هذا الإعلان تخلى عنه الناس واعتبروه كافرا، خارجا على الشرع والدين وطاعة "أمير المؤمنين"، بعد أن كان الناس يلقبونه ـ شخصيا ـ بلقب "عرابى أمير المؤمنين"، وكان معه "حسن الشريعى"، وكان معه كثير من ملاك الأراضى الوطنيين الذين عانوا من "خدعة" الخديو إسماعيل، كان ذلك الخديو "السفيه" يقترض من بيوت المال الأوربية، وكان عليه السداد، فلم يجد غير ملاك الأراضى، طلب منهم "سيولة مالية" تكفى لسداد الأقساط المستحقة للدائنين، وقال لهم إن من يدفع منهم الضرائب لخزانة الدولة عن ست سنوات، سيكون له حق دفع نصف الضرائب المستحقة عليه طوال حياته، وصدق أصحاب الأراضى "كذبة إسماعيل" ودفعوا المطلوب، وعند التنفيذ قال لهم ما معناه إن ظروف الخزانة العامة لا تسمح، وانضم كبار الملاك للجيش بقيادة عرابى ورفاقه، ودارت الأيام وظهر "أحمد الشريعى" و"مصطفى الشريعى" مرة أخرى، وهما من أعيان "المنيا" وملاك الأطيان فى "سمالوط" ونواحيها، وهم "عربان" لهم السطوة والهيبة فى مصر الوسطى، كان "أحمد الشريعى" هو من تكفل برعاية ودعم "عزيزة أمير" وتزوجها فى السر، ولما عرف "آل الشريعى" ما حدث، اعترضوا وطالبوه بالانفصال عنها، فلم يكن من أعراف العربان أصحاب الأطيان قبول زواج رجل منهم من فتاة تعمل فى فرقة "رمسيس" المسرحية، وفرقة "نجيب الريحانى"، وطلقها الرجل مرغما، لكن "عزيزة أمير" رفضت قرار العائلة بطريقة أخرى، تزوجت من "مصطفى الشريعى" وعاشت معه سبع سنوات، ولما عرفت أنه تزوج من أخرى، طلبت الطلاق، وانفصلت عنه، وتفرغت للفن، وأسست شركة إنتاج سينمائى أطلقت عليها اسم "إيزيس"، وكان المصريون فى السنوات التى تفجرت خلالها "ثورة 1919" يعتزون بالمجد الفرعونى، ويعتزون بالقومية المصرية، ولما اكتشف "كارتر" عالم الآثار، مقبرة الفرعون "توت عنخ آمون"، زادت حدة الزهو القومى لدى المصريين، ولو أنك ـ ياعزيزى القارئ ـ ذهبت إلى "ضريح سعد زغلول" بالقاهرة، فسوف تجده مبنيا على هيئة معبد فرعونى، وكانت تماثيل "محمود مختار" الذى نحت تماثيل "سعد زغلول" ونحت تمثال "نهضة مصر" عودة للنحت الفرعونى القديم واستعادة للحضارة فى مواجهة الاحتلال الغربى المتمثل فى بريطانيا، وكان الفيلم الأول الذى أنتجته "عزيزة أمير" فى العام "1927" صامتا، فلم تكن السينما عرفت "الصوت"، وكان فى دور السينما رجل يسمى "المفهماتى" مهمته الوقوف بجوار الشاشة، وشرح المشاهد للجمهور!

 والفنانة عزيزة أمير، اسمها الحقيقى "مفيدة محمد غانم" من مواليد 1901 فى مدينة "طنطا"، وتوفيت فى "28 فبراير 1952"، بعد أن أنتجت آخر فيلم لها هو "آمنت بالله" بطولة "مديحة يسرى"، وهو الفيلم الذى احترقت منه أجزاء فى حريق القاهرة الذى اندلع فى العاصمة المصرية فى يوم "26 يناير 1952"، اليوم التالى لمقتل خمسين من جنود الداخلية "البلوكامين" وهم يدافعون عن مبنى "محافظة الإسماعيلية" على أيدى قوات بريطانيا بقيادة "إكسهام"، وكان القائد المصرى الذى رفض تسليم المبنى هو "مصطفى رفعت" تنفيذا لتعليمات "فؤاد سراج الدين" وزير الداخلية فى حكومة "الوفد" التى جاءت إلى الحكم فى العام "1950" بموجب انتخابات فاز فيها الوفد، وهى الحكومة التى ألغت معاهدة 1936 وفى عهدها وقعت حرب الفدائيين فى منطقة قناة السويس، ضد قوات بريطانيا العظمى، التى كانت مصر فى قبضتها منذ العام 1882، واستطاع الفنيون ترميم الفيلم وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإعادة تصوير بعض المشاهد، وهو الفيلم الذى تعرضه قنوات التليفزيون فى أيامنا هذه، وتظهر فيه الفنانة "مديحة يسرى" والفنان "استيفان روستى"، ورغم أن "مفيدة غانم" أو "عزيزة أمير" عاشت فى القاهرة، بعد طنطا والإسكندرية، لم تكمل تعليمها المدرسى النظامى، لكنها تعلمت الموسيقى، وأجادت اللغة الفرنسية، بواسطة الدراسات الحرة، وتحت رعاية الراعى "أحمد الشريعى"، زوجها الأول، وتوجهت إلى فرقة "رمسيس" وعملت موسما واحدا مع هذه الفرقة، وانتقلت إلى فرقة "نجيب الريحانى" وفرقة "شركة ترقية التمثيل العربى"، وعادت مرة أخرى إلى فرقة "رمسيس"، وشاركت ببطولة مسرحية "أولاد الذوات" ولما قرر يوسف وهبى تحويل المسرحية إلى فيلم، كان من المقرر أن تكون "عزيزة أمير" هى "البطلة" فى الفيلم، ولكن وقعت أحداث جعلت "أمينة رزق" تقوم بدور البطولة، وهنا، قررت "عزيزة أمير" تأسيس "شركة إيزيس" للإنتاج السينمائى، وبالفعل أنتجت فيلم "نداء الله" الذى أخرجه المخرج التركى "وداد عرفى"، وفشل الفيلم جماهيريا، والسبب فى الفشل هو "وداد عرفى" الذى جاء من "تركيا " إلى "مصر" فى العام "1926"، ولم يكن يعرف اللغة العربية، وهو من أقنع ثلاث فنانات مصريات بدخول مجال السينما "فاطمة رشدى، عزيزة أمير، آسيا داغر"، لكن تاريخ السينما المصرية يقول إن فيلم "ليلى ـ 1927" فى زمن السينما الصامته، هو من إنتاج "عزيزة أمير"، وأن "أحمد شوقى" الشاعر المعروف، حضر العرض الأول للفيلم، ولم تكتف "عزيزة أمير" بالإنتاج، والتمثيل، بل خاضت تجربة الإخراج السينمائى، وأخرجت فيلم "بنت النيل" وعرض فى دور العرض فى "ديسمبر 1928"، وفى العام 1933 أخرجت فيلمها الثانى "كفرى عن خطيئتك"، وكتبت "عزيزة أمير" القصة السينمائية لعدة أفلام منها "ابنتى ـ 1944" و"عودة طاقية الإخفاءـ 1946" و"قسمة ونصيب ـ 1950"، ووفق هذه الحقائق التاريخية، فإن "عزيزة أمير" مارست جميع مهام ووظائف العمل السينمائى؛ فهى ممثلة "لها أفلام منها بائعة التفاح"، ومخرجة، ومنتجة، ومؤلفة قصص سينمائية.. وبلغ عدد الأفلام التى أنتجتها من خلال "شركة إيزيس" خمسة وعشرين فيلما، ويبقى القول إن الزمن الذى ظهرت فيه "عزيزة أمير"، كان زمن "النهضة المصرية"، وكلمة "النهضة" كانت مستخدمة فى صحف تلك الفترة للدلالة على "الثورة"، وهى الفترة التى توحد فيها المصريون تحت قيادة "الوفد المصرى"، وفيها استعادوا الهوية المصرية فى مجالات الفنون والثقافة، وكان من ثمارها ظهور"السيد درويش" الموسيقار الذى خلص الذوق المصرى من آثار التطريب التركى وإيقاعه المرتخى، وربطه بالألحان التى أبدعتها الجماعة الشعبية، وفيها نهض المسرح وقام بدوره التحريضى، وكذلك الصحافة، وكانت تلك النهضة، نتيجة لكفاح الشعب المصرى فى الفترة التى أعقبت هزيمة الثورة العرابية، بزعامة "الحزب الوطنى"، ولما انتهت الحرب العالمية الأولى وجد الفلاحون المصريون أنفسهم قد دفعوا فاتورة الحرب ووجدوا أنفسهم فى مواجهة المرابين والبنوك فى ظل انخفاض أسعار القطن، ووجد الملاك المصريون أنفسهم مطالبين بالتزامات مالية فرضتها الحرب ووجدت كل الطبقات أن "الجلاء" الذى وعدت به بريطانيا لم يتحقق، فانفجر الغضب الشعبى العارم، وقرر المصريون مواصلة "النهضة" فخرجت المرأة للمشاركة فى العمل الوطنى، وواصل الساسة حشد الجماهير فى الشوارع والميادين، وكانت نهضة الفنون ثمرة طبيعية لنهضة الشعب، وكانت السينما على موعد مع هذه اللحظة الفارقة فى حياة المصريين وكان مولدها على أيدى "عزيزة أمير"، التى قالت ما معناه أنها لم تنجب أولادا، لكنها أنجبت "السينما المصرية" وكانت صادقة قى قولها رحمها الله.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص