الباز يدخل ساحة ياسين التهامى من الباب الملكى

الأسرار الستة لعميــــد دولة المداحين

وقعت فى "شِباك" صوته الآسر منذ زمن، وأعد نفسى من عشاقه ومتابعيه وعارفى فضله، ومن رعايا دولته المتسعة، ولا نبالغ عندما نقول إنه الوحيد بعد

 الملك "مينا" الذى ينطبق عليه لقب: موحد القطرين، ففى الصعيد هو سلطان القلوب، فإذا ما نزل إلى " بحرى" استُقبل استقبال الفاتحين، ورغم ذلك لا يرفع بصره عن الأرض، ويتوارى خجلا من فرط المحبة، ولا يملك من سطوة سوى صوت شجى وقلب عارف وحب يتسع لكل البشر.

أتكلم بالطبع عن الشيخ ياسين التهامى، المداح والمنشد والحالة الصوفية المتفردة، الذى على دربه أينما حل أرسلنا قلوبنا وأرواحنا وآذاننا، نحلق مع صوته ونهيم عشقا وننسى الدنيا.. ولذلك كنت من أسعد الناس بصدور هذا الكتاب عنه "ياسين التهامى.. أسرار عميد دولة المداحين"، لصديقنا وزميلنا المتفرد فى اختياراته وكتاباته د. محمد الباز

(1)

محظوظ «الباز» بتلك "الرحلة" التى أختير لها، ففى عالم الأولياء والمتصوفة لا قُرب إلا بإذن، فلا تسأل عن الأسباب التى جعلت الشيخ ياسين التهامى يفتح له بابه وقلبه ويخصه بتلك الحظوة ويمنحه هذه الكرامة.. ويُدخله إلى ساحته، وما أدراك ما ساحة التهامى.

لا تسألن عن السبب الظاهر إذن وعليك أن تتجاوزه بسرعة إلى الحقيقة التى تقول إننا أمام أهم كتاب صدر عن الشيخ ياسين التهامى، يكفى أنه أول كتاب يتكلم فيه الشيخ بلسانه ويحكى بنفسه ويدخل فى مناطق وساحات جديدة من حياته ويكشف أسرارا مدهشة عن مسيرته وشخصيته.

يبدأ الكتاب بصدمة للقارئ العادى، متمثلة فى اعتراف للمؤلف بأنه ليس من "مجاذيب" الشيخ ياسين، وهو اعتراف خادع ولا ينطلى على "العارفين" بالطريق وأسراره، والذين يوقنون بأن الشيخ لا يمكن أن يفتح قلبه وساحته ويمنح من روحه ومحبته إلا لمن يستحق، وهو أمر سرعان ما ينجلى، ويتضح أن ما يحمله الباز للشيخ يتعدى مقام "الجذب" ويدخل فى مقام "الأخذ ":

"أنا لست مجذوبا.. لكنى مأخوذ بالشيخ ياسين.. وعين المجذوب كليلة، لا تعين صاحبها على أن يرى بوضوح، وأنا أريدك أن ترى معى أسطورة هذا الزمان – وهو كذلك بالفعل – بما يستحق.. أن تدخل عالمه من بابه الملكى الذى يمنحك نفسه من خلاله دون أن تجد أمامك ما يحجبه عنك أو يحول بينك وبينه".

ما يخلعه الباز على الشيخ من أوصاف ومحبة وتقدير أظن أنه يتجاوز مجاذيبه، فإنشاد الشيخ عنده هو "قبس من السماء اختصه الله به فحافظ عليه فارتقى على جناحيه فى درجات السماوات العلا دون أن يحجبه شىء أو يصده أحد.

والشيخ نفسه عنده ليس مجرد منشد أو مداح، هو عندى المداح الأعظم.. لأننى أنظر إليه بالمعنى الأكبر الذى يتفق عليه أقطابه الكبار، فالمداح هو الذى يعيش حالة الخضوع الكاملة لله، وهو من يتضرع بين يديه، من يتذلل له ليقبل كل ما يفعله وما يقوله.

وهو كذلك من بين من صنعهم الله على عينه، كتبه عنده فى لوحه المحفوظ واحدا من الرافعين ذكر الله والمادحين نبيه والمتغنين بمكارم "آل بيته".

وبسببه ومن أجله قرر الباز فى رحلته إليه ومعه أن يتخلى لأول مرة عن عقلانيته وأن يترك قلبه ليقوده، أو بتعبيره هو: كان الحل أن أنزع نفسى من قيود العقل وأتحرر من أسوار التفكير وأترك القلب وشأنه لأعرف إلى أين يقودنى هذا الشيخ المسكون بسحره الخاص وألقه الذى لا ينطفئ إلا ليتجدد، ووجده الذى يحيط بك من كل مكان فيغمرك حتى لا ترى غيره أحدا ".

وكالمسلوب وجد الباز نفسه يضع صوت الشيخ "رنة" لهاتفه ليكون رفيقه فى كل وقت: ما حيلتى والعجز غاية قوتى/ وأمرى جميعا تحت حكم المشيئةِ!

(2)

الكتاب كصاحب السيرة.. حالة يصعب تصنيفها ولا الإمساك بها.. فكما أنه فى حالة ياسين التهامى يستحيل أن يرويك وصف حفلاته، وعليك أن تعيشها بكل تفاصيلها لتسمع منه ولا تسمع عنه.. فكذلك الحال فى هذا الكتاب، سينقصك الكثير إذا لم تقرأه من عنوانه إلى سطره الأخير.

وحتى لو كان عرض الكتاب مُتقنا ويقدم لك تلخيصا ذكيا لفصوله ويستعرض لك سيرة التهامى ورحلته بداية من مولده ونشأته فى قرية "الحواتكة" بصعيد مصر حتى تبوأ عرش المديح فى مصر وتجاوزت شهرته الحدود، وبينهما تجربته الدراسية التى لم تكتمل فى الأزهر ورحلته فى بحور الصوفية وسادتها وعلى أعتاب آل البيت ومقاماتهم، واختياراته ومذاقاته وآراؤه فى الإنشاد والغناء وحتى السياسة.. لكن يبقى العرض مُخلا ولا يقدم لك الصورة كاملة والحقائق تامة، فليس من سمع كمن رأى وعاش وذاق.

ما يهمنى بشكل خاص أن الكتاب أجاب لى على أسئلة طالما حيرتى فى حالة الشيخ ياسين، وخاصة فيما يتعلق بأسرار ومفاتيح صناعة تلك الأسطورة، وكيف وصل الرجل إلى القلوب واستقر، تتساوى هنا قلوب أكثر الفئات ثقافة ووجاهة وأكثر الفئات بساطة، فالكل فى حضرة الشيخ ياسين – ملح الأرض والمثقفون-  يشعر بنفس المتعة ويشرب من نفس "الكأس" ويحلق فى سماوات براح مع ساقى الأرواح!

ثم هذا اللغز المحير: كيف يصل البسطاء فى حضرته  إلى هذه الدرجة من النشوة، رغم أن ما ينشده الشيخ من قصائد بليغة لأكابر شعراء الصوفية صعب على مداركهم– لفظا ومعنى – ورغم ذلك يتطوحون من "سكرة" الوجد؟

ألغاز وعلامات استفهام  قديمة حيرتنى واستعصت على التفسير، وجاء كتاب الباز ليحل هذه الألغاز ويكشف الأسرار ويمكننى أن أضع يدى على أسرار ستة لياسين التهامى من خلال قراءتى للكتاب وما بين سطوره.

السر الأول: يمكن أن نسميه "الذوبان".. فالتهامى ليس مجرد منشد أو مداح كغيره من "أهل الكار"، فالإنشاد عنده ليس حرفة أو مهنة، بل حالة روحانية خاصة، فهو عندما يقف فى الساحات لينشد يكون فى كامل الإدراك أنه لا يؤدى عملا ولا وظيفة ولا يحى ليلة، بل يتحول إلى روح تذوب وتستشعر، كل كلمة لا تخرج منه إلا بعد أن تمر على قلبه،  يشعر أنه يتجلى لأنه يلقى قصائده بكله، وبتعبيره هو: أنا لا أنشد.. أنا أسبح فى عالم ربانى.. وبكلمات الباز البليغة الموحية: إنه لا يفارق وهو ينشد ساحة ربه، يترك نفسه إليه كله، فيفوز بكله، يقف بين يديه يحدثه ويستمع إليه، فتشعر أنك تستمع إلى حوار بين عبد يذوب ورب يتوب.

السر الثانى: التفرد فى اختيار كلمات وقصائد سادة شعراء الصوفية.. وإذا شئت الدقة فإن الكلمات هى التى تختاره، وبتعبيره هو: لا أتوقف أمام الكلمات، بل هى التى تتوقف أمامى، أدخل إليها دخول المريض الذى يبحث عن دواء، وعندما أعثر على ما يشفينى أجده يقر فى عقلى وقلبى مباشرة.

"ليس شرطا أن أفهم كل ما أردد، المهم عندى أن أشعر به وأحسه".

ويعلق الباز شارحا ومفسرا: يعتبر التهامى نفسه وبتعبيره هو "مرسال الكلمات"، فهو مكلف من السادة الصوفية بأن يحمل كلماتهم إلى مريديهم، لذلك لا بد أن يكون أمينا على هذه الكلمات.. واستسلام التهامى للكلمات التى تأتيه على جناح القدر لا يعنى أبدا أنه لا يعيش فيها، إنه يسعى لإسعاد جمهوره بكلماته، لكنه يتمسك بما يتحقق له، يقول: أنا لى ما يرضينى أولا.. ما يشبع وجدانى وروحى أنا أولا".

والمؤكد أن التهامى يشعر بهذا الإشباع فى كلمات شعراء بعينهم، فى القلب منهم سلطان العاشقين عمر بن الفارض، بل كان التهامى سببا فى ذيوع اسمه وشعره ووصوله إلى جمهور بالملايين من محبى التهامى ومريديه، حمل إليهم سره وسحره فهاموا معه فى وديان العشق الإلهى.

السر الثالث: هو جمهوره من المريدين.. فلا يمكنك أن تتجاوز تلك الحالة من الامتزاج بين التهامى وسمعيته الذين يسعون وراءه أينما حل.. ولا تستطيع أن تتحدث عن الشيخ بمعزل عن جمهوره، فهو سره وهمه وسنده وظهره وظهيره، ولا تكتمل الصورة إلا به.

إن تلك الشعبية الأسطورية وتلك الحالة الجماهيرية تستحق التأمل، وبقليل من التأمل ستدرك أن الجمهور هو سر الوصول.. وهو المعنى الذى قصده الباز عندما كتب: "وصل ياسين التهامى لأنه يعرف جمهوره جيدا.. الحقيقة أنه لا يسميهم جمهورا أبدا، يروق له أن ينظر إليهم كمحبين وهو خادمهم.. من عاداته قبل أن يصعد إلى مسرحه فى الحفلات والموالد، أو حتى وهو يسير فى الشارع، أن يُقبل يد المحبين والمجاذيب، ولا تسأله عن ذلك، لأنه مثلهم.. هو منهم وهم منه.. عندما يبدأ فى الإنشاد يذوب فيهم، يلمحهم وهم يقفون على بابه فيأخذ بأيديهم.. وقف على مسرح الأوبرا الكبير، وقبل أن يبدأ فى الإنشاد وجد أن أنوار القاعة لا تساعده على رؤية جمهوره، فطلب منهم أن يضيئوا الأنوار لأنه لا يستطيع أن ينشد دون أن يراهم ويستمد من وجوههم المدد".

السر الرابع: هو الإخلاص.. والحق أنه إخلاص مُركب.. ويمكنك أن تقف عليه وتلمسه فى جوانب عدة ومتعددة.. فهناك الإخلاص للإنشاد كمشروع حياة.. وهناك الإخلاص للصوفية كمبدأ ومذهب وطقس وولاء، فهو حامل لواء "دين المحبة" يبشر به وينشره ويعيشه ويُنشده.. ولذلك عليك أن تصدقه عندما يفيض قلبه بالشجن وهو يهتف بكلمات: أنا درويش بدمع العين أغتسل.. وأن تصدق الباز عندما يكتب عنه: هل تابعته بعد أن ينتهى من حفلاته؟..  إذا حاولت أن تفعل ذلك ستجده ينتحى جانبا ليبكى، يظل طوال إنشاده يختزن شجنه، وبعد أن يختلى بنفسه يفيض بكاؤه، فلا يتحمله قلبه، فيطلق الحرية للدموع لتغسل القلب.

السر الخامس: هو الزهد..  فأنت أمام رجل زاهد حقا لا ادعاء، ترك الدنيا وراء ظهره، وأخرجها من قلبه.

إنه يحكى للباز ببساطة أنه كثيرا ما ضبط نفسه وهو مختليا بروحه بعيدا عن الناس يسأل نفسه: أنت مين يا ياسين..  قل لى أنت مين؟.. ويحكى عن معاناته فى كبح جماح نفسه وردعها ليخلصها من تطلعاتها وتعلقها بالحياة.. إنه يقدم نفسه على أنه الفقير إلى الله.. فقط لا غير!

يكتب الباز: كلما سمع من يثنى عليه كان يخفض رأسه إلى الأرض ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله.. انتفض عندما اقترب منه أحد القيادات، عندما قال له: مقامك عندنا عالى يا شيخ ياسين، فرد عليه دون أن يمنح نفسه فرصة ولو عابرة للتفكير وقال: المقامات كلها عنده.

وفى الحفل الذى استضافه مسرح وزارة الثقافة احتفاء بصدور الكتاب، حدث أن اصطدمت يد الشيخ ياسين الجالس على المسرح بكوب اليانسون الموضوع أمامه عفوا، فلم يشغله وجود وزراء وكبراء وراح يجفف الأرض بنفسه ويمسح ما انسكب عليها.. إنه سر الزاهد.

السر السادس: وهو عندى سر الأسرار، وأقصد به تلك المحبة الخالصة التى يحملها الشيخ للنبى وآل بيته.

عندما ينشد التهامى تجد النبى حاضرا أبدا فى ساحاته وعلى لسانه وفى قلبه، ولا يهدأ إلا عندما يطمئن إلى أنه رضى عنه، وعندما تقلب فى أوراقه - كما يقول الكتاب- ستجده مجذوبا ومنجذبا لكل آل البيت، ما يربط بينه وبينهم شىء خاص به وحده، لا يزال حتى الآن يحرص على زيارة أضرحتهم والبقاء فيها بقدر ما يستطيع، يقرأ فى رحابهم القرآن ويحدثهم ويسمعهم ويطلب منهم المدد.

إنه سر آل البيت الذى لا يعرفه إلا أهل الطريق.

 (3)

لن تخرج من هذا الكتاب إلا وأنت تبحث عن صوت ياسين التهامى، بعد أن تدرك صدق ما قاله محمد الباز بعد أن سبقك إليه:

"لن أكون مبالغا إذا قلت إن ياسين التهامى واحدا من هؤلاء الذين منحتهم لنا الأقدار لنستريح من عبء الحياة.. وربما لهذا كله تجد نفسك من مريديه".

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الثـورة فـى الكـتب

المزيد من ثقافة

الإفرازات: متى تكون طبيعية ومتى تستدعي القلق؟

"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص