صلاح فضل.. شيخ النقاد العرب

رحل عن عالمنا السبت الماضي شيخ النقاد العرب، الدكتور صلاح فضل، أحد أعمدة النقد الأدبي في الوطن العربي كله، عن عمر ناهز 84 عاما، عقب رحلة

عطاء حافلة على المستويات كافة، نقديا وأكاديميا وإداريا، فعلى مدار مسيرته الحافلة قدم الراحل للمكتبة العربية عشرات الكتب المهمة، تأليفا وترجمة، كما تتلمذ على يديه مئات الباحثين وآلاف الطلاب، كما شغل طوال رحلة عطائه العديد من المناصب الثقافية المهمة، كان آخرها ترأسه مجمع اللغة العربية. قدم الراحل العديد من المناهج النقدية، ونظرياتها الفلسفية للقارئ العربي، سواء عبر كتب في النقد النظري، أو عبر ممارسة هذه النظريات والمناهج تطبيقيا مع نصوص أدبية مصرية وعربية، فكان مهتما بتقديم أحدث الأفكار والنظريات الغربية، نظريا وتطبيقيا، ليسهل على الباحثين استيعابها وفهمها. وقد كان الراحل منفتحا على الثقافة الغربية كلها، وخاصة الإسبانية، حيث حصل على الدكتوراه في مطلع حياته من جامعة مدريد، فجمع بين الثقافة الغربية والثقافة العربية، كأزهري النشأة، ثم كأحد خريجي كلية دار العلوم، هذا الخليط الذي قلما يتكرر بين الأصالة والحداثة.

صلاح فضل سيرةٌ قلما تتكرَّر فى حياتنا الثقافية؛ لأنه ابنُ التعدُّد المعرفى الذى يغنِى الرُّوح ويثْرِى النفس، وابن التنوُّع الثقافى الذى مكَّنه من أن يكون أستاذًا للأدب المقارن (فى العربية والإسبانية على وجه الخصُوص)، اختلفت روافدُه ومصادرُه ومراجعُه، فكشف ما هو مخفيٌّ ومحجُوبٌ؛ وهذه الكثرة جعلته عارفًا بما تحملُ رُوحه من علومٍ ومعارف شتَّى ، ورائيًا للبعيد قبل القريب، ولم يؤمن يومًا بالمقولة التراثية "شدَّةُ القُرب حجاب، كما أنَّ شدَّةَ البُعد حجاب"، وصاحب طبقات من النظر والحُكم على الأمور التى تواجهُه سواء أكان أستاذًا أكاديميًّا أم مسؤولا ثقافيًّا؛ فهو ابن الأزهر حيث كانت مرحلتا الطفولة والصبا، وابن كلية دار العلوم حيث مرحلة الشباب والدراسة الجامعية، وبعد ذلك تأتى إسبانيا، حيث الرؤية الأخرى، ثم جامعة عين شمس، حيث المدرسة الجديدة فى الفكر والنقد مع عز الدين إسماعيل وأحمد كمال زكى وعبد القادر القط ومحمد عبد المطلب وسواهم، لكن معرفته بالإسبانية جعلته يقف مع هؤلاء الذين درسوا فى أوروبا (باستثناء عبد المطلب)، وهذا التنافس، ومعرفته الإسبانية جعلاه يخوضُ حقل الترجمة لست سنواتٍ خُصُوصًا فن المسرحية؛ مُعرِّفًا القارئ العربى ببعض منجز الإسبان فى مجال  المسرح.

وصلاح فضل - كناقدٍ أدبىٍّ - عارفٌ بصيرٌ بفنون الأدب العربى والأدب المقارن، ونظرية الأدب، ومناهج النقد الحديث، وكم من مرة شاركته السَّفر داخل مصر وخارجها، فكان يخصِّص وقتًا يوميًّا لاقتناء الكتب الحديثة من المكتبات؛ كى يكون مطلعًا على الأحدث، ولم أره ينتظر يومًا كتابًا من أحد؛ أو من دار نشر – كما يفعل كثيرون - إذ كان يبادرُ هو بالاقتناء والسَّعى؛ كى يكتمل المشهد أمامه، ولا يشعر لحظةً واحدةً بالتقصير فى حق نفسه أو أحد، خصُوصًا الجيل الجديد من الكُتَّاب والشُّعراء؛ ولذلك أقول إذا كان هناك مبدعٌ فى هذا البلد ليس مدينًا لصلاح فضل فليرفع إصبعه، والدَّيْن هنا مباشرٌ وغير مباشر؛ إذْ تناول أغلب كُتَّاب الرواية بالنقد، وكذا عددا كبيرا من الشُّعراء، حيث اجتهد كى يتابع ما ينتجُه الأدباء من شعرٍ ورواية.

وكان يولى أهميةً للكتابة الجديدة المغامرة،  خصوصا الذين أصدروا أعمالهم الأولى، وهذا التعدُّد الذى عاشه صلاح فضل جعله مُتسامحًا مع الذين اختلفوا معه، أو هاجموه أو اتهموه باتهاماتٍ باطلةٍ من جماعة الإخوان المسلمين أو من مُتطرِّفى كليته التى تخرَّج فيها (دار العلوم )، حتى أنَّ كثيرين منهم شمتوا فى موته واغتبطوا لرحيله؛ لمجرَّد الاختلاف الأيديولوجى، وهو الذى آمن بأن الاختلافَ لا يمكنُ أن يتحوَّل إلى خلافٍ، ومثل هؤلاء هم من يعوقون العمل، ويسدُّون المنافذ أمام النور المشرق أو قل السؤال المشرق .

سيبقى اسم صلاح فضل طويلًا فى ذاكرة النقد الأدبى، وتاريخ الأدب بما قدَّم وأسهم وأضاف، إذ إنه فتح الباب أمام الاجتهاد والنظر العميق الجاد إلى النصوص.

سمير الفيل: ناقد طليعى دافع عـن هوية الدولة

جمعتنى بالراحل الكريم الدكتور صلاح فضل عدة مواقف، بعضها شخصى، وجها لوجه، والآخر ثقافى أو صحفى.

 الموقف الأول: هو اقتراح شاكر الشيخ أن نجعل من العام 1994عاما للنقد، بجريدة "اليوم" السعودية، اتصلنا وقتها بأكثر النقاد العرب فاعلية، وكان منهم الدكتور صلاح فضل، الذى أثرى الملحق بموضوعاته، وكان يتولى مكتب الجريدة بالقاهرة الناقد رجاء النقاش، فمد الجريدة بمواد فى غاية الأهمية.

الموقف الثانى: بعد العودة لمصر عقب إعارة أربع سنوات، ذهبت لمعرض القاهرة الدولى، وفى المقهى الثقافى، التقيت بالدكتور صلاح فضل الذى كان يحظى بتقدير واحترام الأدباء السعوديين الذين تعرفت عليهم فترة وجودى بمدينة الدمام، فجلسنا نناقش قضايا نقدية فى غاية الأهمية.

 حدثت مناقشات مستفيضة بيننا داخل المقهى، وما زلت أحتفظ بصورة هذا اللقاء، مع إحساس بالصدق والدفء وقوة الأثر.

الموقف الثالث: التقيت بالناقد السعودى المعروف عبدالله الغذامى، وكان يطالب بوجود نظرية نقدية عربية، أما أقرب النقاد اتساقا من فروضه، فهما الناقدان جابر عصفور، وصلاح فضل.

من جهة أخرى، فإن أقرب كتابات الدكتور صلاح فضل إلى نفسى كتابه العلامة "شفرات النص"، ففيه جهد مؤسس بفن وتفرد حول قضايا نقدية معاصرة، حيث كان توجه الناقد منصب حول محاولات جادة لإرساء مفاهيم جديدة فى مضمار النقد، وارتياد آفاق جديدة فى التحليل النقدى، من منظور تطبيقى، بدلا من الوقوف عند التكوينات النظرية التى تقيد رؤية الباحث، وخطورة التعثر فى المصطلحات، والإغراق فى الأفكار المقولبة، مع الجدل حول مشروعيتها، مما يجعل التجربة العملية فى التوظيف المحك الحقيقى الفاصل فى مدى الجدوى والجدية بتعبير الناقد الكبير.

يتحدث الدكتور صلاح فضل فى مقدمته المهمة جدا: "وقد تهيأ لى أن أقوم بهذا الاختيار المنهجى المنظم عبر دراسات مطولة لجماليات الواقعية ومنظورها الاجتماعى فى المطابقة بين الأبنية الأدبية والوعى التاريخى، وعبر تقديم موسع لمداخل البنيوية والمناهج الأسلوبية على المستوى النظرى والتطبيقى، مما حملنى حينئذ على الإشارة إلى الأفق السيميولوجى الجديد، فإذا تقدمت اليوم بجملة من القراءات العملية لفلتات خاصة من الإبداع العربى فى ضوء هذه الإنجازات كان ذلك بمثابة استكمال للإنجاز المعرفى النقدى وإفادة من محصلة معطياته واتضاح تجربته بلون من التراكيب الذى لا يمثل نكوصا ولا تراجعا".

ويضيف الناقد فى مقدمته، التى تشبه مرافعة ضد دعاوى مرفوعة ضد توجهه الفكرى والجمالى: "هذه الفصول من ناحية أخرى تعد استجابة لما يمور فى الحياة الأدبية العربية من فواعل وإبداعات، وما يحركها من قوى واتجاهات ترتبط بالسياق القومى حينا، والمحلى أحيانا أخرى، دون أن تفقد علاقتها الجدلية الخصبة مع التيارات العالمية المؤثرة، فتلتقط جملة من النصوص الأدبية التى تطفو لأسباب عديدة على السطح، وتقيم معها حوارا منهجيا يدعوها للبوح بسرها الجمالى الكامن، ورسالتها الإنسانية التقدمية، مركزا على شعريتها، وكفاءتها الفنية فى تمثيل الحياة وتأديبها، أى تحويلها لمادة أدبية مثيرة للفهم ومثرية للذوق، على اعتبار أن فن الأدب فى جوهره إضاءة للوجود بنور الوعى، وإنضاج للحياة على نار المعاناة الخلاقة".

أعرف كيف كانت هذه المقدمة المنشورة فى حينها ميثاق عمل للناقد، فقد كشف فيها عن توجهاته بوعى وفهم واتزان. الأمر الذى مكنه من الارتباط بمدارس نقدية وليدة فى كافة أرجاء الوطن العربى، ناهيك عن دوره الطليعى فى التعريف بالأقلام الجديدة التى رأى فيها موهبة ما، والانحياز الذى لا شك فيه لتيار التنوير فى مصر من خلال مواقفه الملتزمة، التى تدعو لفضح الخرافة، والانتصار للعقل، والدفاع عن هوية الدولة ضد التيارات الهدامة.

آخر مرة رأيت فيها الدكتور صلاح فضل كان فى قرية "الشعراء"، مركز دمياط، فى 14 أكتوبر 2016، فى جنازة الشاعر فاروق شوشة، وفى نفس الوقت قابلت الدكتور محمود الربيعى، وبين غيطان الخضرة كان سلامى عليهما.

 هذا رجل تتعلم منه الأجيال الناقدة الجديدة الصبر والدأب والجدية، والتواصل مع الحركة الثقافية دون انعزال فى أبراج عاجية.

أحمد الشهاوى: صلاح فضل.. المتعدد

صلاح فضل سيرةٌ قلما تتكرَّر فى حياتنا الثقافية؛ لأنه ابنُ التعدُّد المعرفى الذى يغنِى الرُّوح ويثْرِى النفس، وابن التنوُّع الثقافى الذى مكَّنه من أن يكون أستاذًا للأدب المقارن (فى العربية والإسبانية على وجه الخصُوص)، اختلفت روافدُه ومصادرُه ومراجعُه، فكشف ما هو مخفيٌّ ومحجُوبٌ؛ وهذه الكثرة جعلته عارفًا بما تحملُ رُوحه من علومٍ ومعارف شتَّى ، ورائيًا للبعيد قبل القريب، ولم يؤمن يومًا بالمقولة التراثية "شدَّةُ القُرب حجاب، كما أنَّ شدَّةَ البُعد حجاب"، وصاحب طبقات من النظر والحُكم على الأمور التى تواجهُه سواء أكان أستاذًا أكاديميًّا أم مسؤولا ثقافيًّا؛ فهو ابن الأزهر حيث كانت مرحلتا الطفولة والصبا، وابن كلية دار العلوم حيث مرحلة الشباب والدراسة الجامعية، وبعد ذلك تأتى إسبانيا، حيث الرؤية الأخرى، ثم جامعة عين شمس، حيث المدرسة الجديدة فى الفكر والنقد مع عز الدين إسماعيل وأحمد كمال زكى وعبد القادر القط ومحمد عبد المطلب وسواهم، لكن معرفته بالإسبانية جعلته يقف مع هؤلاء الذين درسوا فى أوروبا (باستثناء عبد المطلب)، وهذا التنافس، ومعرفته الإسبانية جعلاه يخوضُ حقل الترجمة لست سنواتٍ خُصُوصًا فن المسرحية؛ مُعرِّفًا القارئ العربى ببعض منجز الإسبان فى مجال  المسرح.

وصلاح فضل - كناقدٍ أدبىٍّ - عارفٌ بصيرٌ بفنون الأدب العربى والأدب المقارن، ونظرية الأدب، ومناهج النقد الحديث، وكم من مرة شاركته السَّفر داخل مصر وخارجها، فكان يخصِّص وقتًا يوميًّا لاقتناء الكتب الحديثة من المكتبات؛ كى يكون مطلعًا على الأحدث، ولم أره ينتظر يومًا كتابًا من أحد؛ أو من دار نشر – كما يفعل كثيرون - إذ كان يبادرُ هو بالاقتناء والسَّعى؛ كى يكتمل المشهد أمامه، ولا يشعر لحظةً واحدةً بالتقصير فى حق نفسه أو أحد، خصُوصًا الجيل الجديد من الكُتَّاب والشُّعراء؛ ولذلك أقول إذا كان هناك مبدعٌ فى هذا البلد ليس مدينًا لصلاح فضل فليرفع إصبعه، والدَّيْن هنا مباشرٌ وغير مباشر؛ إذْ تناول أغلب كُتَّاب الرواية بالنقد، وكذا عددا كبيرا من الشُّعراء، حيث اجتهد كى يتابع ما ينتجُه الأدباء من شعرٍ ورواية.

وكان يولى أهميةً للكتابة الجديدة المغامرة،  خصوصا الذين أصدروا أعمالهم الأولى، وهذا التعدُّد الذى عاشه صلاح فضل جعله مُتسامحًا مع الذين اختلفوا معه، أو هاجموه أو اتهموه باتهاماتٍ باطلةٍ من جماعة الإخوان المسلمين أو من مُتطرِّفى كليته التى تخرَّج فيها (دار العلوم )، حتى أنَّ كثيرين منهم شمتوا فى موته واغتبطوا لرحيله؛ لمجرَّد الاختلاف الأيديولوجى، وهو الذى آمن بأن الاختلافَ لا يمكنُ أن يتحوَّل إلى خلافٍ، ومثل هؤلاء هم من يعوقون العمل، ويسدُّون المنافذ أمام النور المشرق أو قل السؤال المشرق .

سيبقى اسم صلاح فضل طويلًا فى ذاكرة النقد الأدبى، وتاريخ الأدب بما قدَّم وأسهم وأضاف، إذ إنه فتح الباب أمام الاجتهاد والنظر العميق الجاد إلى النصوص.

نانسى إبراهيم: اللغة تعجز عن وصف الحزن

لقد علمنى أستاذى الكثير على مدار سبعة وعشرين عاما، علمنى أن أهدأ حتى توازن انفعالاتى لغتى قبل الحديث، علمنى محبة الحياة وأن قيمة الإنسان تعلو فوق أى شىء، علمنى أن أتقبل كل مفردات الوجود بكل متناقضاتها، كتب لى ذات يوم خلف شهادة تخرجى فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة عين شمس بعدما جاء ترتيبى الأولى على دفعتى، وقد كان رئيسا للقسم حينها، وقبل سفرى رفقة زوجى خارج البلاد بلغته الداعمة المحببة: "هذه توريطة بالغة الجمال كى تستمرى فى درب أثق بأنك قادرة عليه، ترى إلى أى طريق ستمضين".

لكنه لم يعلمنى أن المجاز لا يمكن أن يسعفنا للتعبير عن الحقيقة، وأن اللغة التى تعلمناها منه تقف عاجزة حين يتسع المعنى، فتضيق العبارة حتى عقدت أحبال أصواتنا التى لم تعد تمرر الآن سوى النحيب.

لم يكن أستاذى متشائما أبدا، بل جهز مدفنه الأنيق -كأناقته- بنفسه قبل موته، قاصدا أن يريح ابنيه من الذهاب إلى قريته خلفه، ولكنه كان يريح نفسه عندما دفنهما قبله (هكذا قال لى).

لا أبكى موتك يا والدى وأستاذى وصديقى الحبيب، بل تقصيرى فى حقك على، فقد كنت أزورك فى النوائب وأكلمك من بعيد كالغرباء، لم أكن أقوى على رؤيتك تحتضر، وكنت أعلم ذلك قبلها بشهور من المقربين، وحين أتيتنى بالحلم تجهز حقائبك استعدادا للسفر كنت أعلم أن النهاية قربت وأنك على أعتاب رحلة أخرى، وكنت تعلم أنت حين آثرت أن تطمئن على الرسائل التى تشرف عليها وأسلمتها جميعها لغيرك، وأسلمت رايتك لبعض طلابك من الشباب الذين أحبوك وأحببتهم بصدق، فأستاذى لا يعرف التدليس والافتراء والكذب، يترك الخلق لخالقه مكتفيا بنجاحاته وقناعاته..

رحمك الله أستاذى وسامح الله كل من أخطأ بحقك.

محمد بركة: زيارة لشاب صاخب فى الثمانين

قبل أن أتعرف على د. صلاح فضل، الإنسان قبل المفكر الكبير، لم أكن أكن كثيرا من الحماس لهذا الكيان العملاق فى ثقافتنا العربية. بالطبع كنت أحترمه للغاية وأحفظ له قيمته وقامته، لكنى لم أصل معه لمرحلة الولع على الإطلاق. تغير الأمر حين اطلعت على كتابه – القنبلة "صدى الذاكرة" الصادر العام الماضى عن الهيئة العامة للكتاب فأصابتنى الصاعقة! هذا مفكر عظيم لا يخشى حراس الفضيلة الزائفين المنافقين، يحكى عن حياته الخاصة ويخوض فى بحر العلاقات العاطفية دون وجل أو خوف، عبر أسلوب يشبه الماس فى ألقه وخرير الماء فى نبرته المدهشة الخافتة.

إنه لا يفعل مثل طه حسين، على سبيل المثال، الذى حكى عن عشقه لزوجته "ذات السطوة والنفوذ"، وامتنع عن الخوض فيما عدا ذلك، وبالذات قصة غرامه المشبوب لتلميذته الأرستقراطية الجميلة د. سهير القلماوى، حتى إن بعض تلاميذ "عميد الأدب العربي"، حكوا للدكتور صلاح كيف كان يستنشق عطرها وهى على درج السلم فى كلية الآداب، فينادى عليها بصوته الشجى: يا سهير!

يعترف الرجل بصراحة أن مؤسسة الزواج تفتقد شيئا ما، رغم أنه تزوج عن حب، لكنه فى نهاية المطاف تخلى بعد سنوات لا أستطيع تحديدها "عن نزق الحب ولهفته وأشواقه المشبوبة، وأن يصبح الزواج لونا من إدمان وجود الآخر معك، ليس بوسعنا تصور الافتراق عنه أو تحمل الحياة من دونه، لكنه لم يعد يملأ عليك كل أقطار نفسك ولا يشغل مساحة جميع اهتماماتك".

 يروى كذلك بعض وقائع لهوه البرىء – وغير البرىء ربما – مع الفتيات فى موسم حصاد القطن كما يتطرق إلى "عقدة الوسامة" التى طالته بسبب إصابته بنوع غريب من "حبوب الشباب" شوّه وجهه بعد علاج خاطئ من طبيب شعبى وأثر على علاقته بالجنس الآخر، حتى أن الأمر اقتضى زيارة طبيب نفسي! لكن كيف تعامل مع تلك العقدة. استمع إليه وهو يقول: "كنت أقرأ كتابا كاملا كل يوم فى مختلف فروع المعرفة والأدب، وأصابتنى حمى الشغف بالتميز والسبق وأصبح سحر الكلام الذى أرتشفه وأتمرس بتوظيفه هو الكأس التى تشبع نهمى للجمال بديلا عن الوسامة!".

كان هذا الكتاب مفتاحا سريا دلفت به إلى حديقة من الفكر الرائق والحيوية المدهشة والإبداع فى النقد والأدب والبلاغة، لواحد من الآباء المؤسسين فى الثقافة العربية. أقسام فى اللغة العربية أسسها فى جامعات أجنبية، مجلات ولجان ونظريات حديثة فى النقد الأدبى، أكاديميون نالوا بركته فصاروا أساتذة، وموهوبون مسته عصا الاعتراف بهم فأصبحوا نجوما، لكن دعك من كل هذا، وتأمل معى تلك المفارقة العجيبة! شاب تلقى تعليمه فى الأزهر، ثم تخرج فى كلية دار العلوم بثقلها التراثى ومعارفها التقليدية يصبح الأكثر انفتاحا على ثقافة الآخر، فيتعلم اللغات ويبدع فى الترجمة. المفارقة الأخرى، وهى الأهم، أنه فى المرات القليلة التى زرته فيها بفيلته الصغيرة فى المعادى، كنت أفاجأ بشاب صاخب الفكر والأحلام والقفشات والذكريات.. شاب فى الثمانين من العمر!

تحمس لروايتى "أشباح بروكسل" دون سابق معرفة، وكتب عنها مشيدا، وأهدانى نصائح ثمينة حين علم أنى أكتب عن الوجه الآخر لأم كلثوم رواية بعنوان "حانة الست".. رحمه الله رحمة واسعة.

مصطفى سليم: رائد ومغامر حقيقى

تنوعت المسيرة العلمية الطويلة للدكتور صلاح فضل ما بين المناهج والتيارات النقدية، وتشابكت قراءاته مع مئات النصوص العربية فضلا عن ترجماته من المسرح الإسبانى والأدب المقارن وغيرها، بالإضافة إلى موقفه الواضح من تيارات الإسلام السياسى، لكن ماذا عن طبيعة إسهامه التى أهلته لأن يتبوأ مقعده شيخا من شيوخ النقاد العرب؟وأى الدروب النقدية سلك؟ وماذا قدم؟ من حقنا أيضا أن نبرح مقام سؤالنا هذا لنطرح السؤال من جهة مغايرة: هل جنى الشيخ على موروث النقد العربى بحسب ما يردد بعض أقرانه من النقاد المحافظين؟ هذه تساؤلات مشروعة، نحاول هنا أن نلقى عليها ومضة عبر مهاد واقعتين، ربما يتسنى لها الوقوف أمامها فى سياق آخر.

فى عام 1978 طرح الدكتور فضل باكورة إنتاجه النقدي"منهج الواقعية فى الإبداع الأدبي"، و"نظرية البنائية فى النقد الأدبي"، واستُقبل الأخير كما الأول بمواجهة حادة من النقاد الكلاسيكيين وغيرهم، وكال عدد من الأساتذة الاتهامات حول الأسس النظرية للمنهج.

انهالت الاتهامات من هنا وهناك، ولم يكن أمامه سوى محاولة التطوير واستثمار آفاق البنيوية وتياراتها من "علم العلامة" (السيميولوجي)، فوظف أسسها النقدية على مئات الروايات العربية بمرور الزمن، لعل أبرزها جاء فى كتاب "شفرات النص: دراسة سيميولوجية فى الشعرية القص والقصيد".

(1)

بالاطلاع على ما سطره الدكتور عبدالعزيز حمودة، عليه رحمة الله، وهو أحد أبرز من انتقد الحداثة ومناهجها فى ثلاثيته النقدية ذائعة الصيت (المرايا المقعرة، والمرايا المحدبة، والخروج من التيه)، وقد كان محقا فى رصده عن بعض الدراسات البنيوية وما اكتنفها من غموض، خصوصاً إذا ما وضعنا فى الاعتبار ما قاله الدكتور كمال أبوديب عن صنيعه مع معلقة امرئ القيس، حينما سئل عنه فأجاب "هذا خطأ الريادة، عليكم تداركه".

بالنظر إلى الثلاثية النقدية نجد أنه لم يسجل مآخذ على ما قدمه الدكتور فضل فى مؤلفه عن البنيوية، كما لم تسجل وثائق تلك الفترة التى جمعت فى دراسة للدكتور جابر عصفور، أيَّ اشتباك نقدى جرى بينهما، رغم أنها كانت آخر معارك القرن العشرين النقدية التى اجتذبت لفيفاً من نقاد وأكاديمى الوطن العربى.

(2)

بمراجعة كتاب "نظرية البنائية" الذى كتبه الدكتور فضل عام 1978 وبالاطلاع على موسوعة كامبريدج فى النقد الأدبى، تحديدا المجلد الثامن المعنون بـ"من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية"، تحرير رامان سلدن، والصادرة عن المشروع القومى للترجمة فى 2006، نلحظ كم كان الدكتور فضل رائدا حقيقيا ومغامرا قرر اكتشاف غابة النقد، متسلحا بالمعرفة المبكرة والحقيقة، عبر ما تسنى له من ترجمات عبرت بوابة إسبانيا.

أصدر القومى للترجمة المجلد فى عام 2006، ويتكون من 13 فصلا، حرره 10 أساتذة وترجمه وراجعه 10 آخرون، وتبنته مؤسسة بعراقة كامبريدج، هذا المجهود قدمه الدكتور صلاح فضل للثقافة العربية فى نهاية سبعينات القرن العشرين بدقة معلوماتية ومنهجية تؤكدها مجلدات الموسوعة ذات الأجزاء التسعة، ورغم توظيفه للأدوات والإجراءات المنهجية وفق رؤية أصيلة على مئات الروايات ما كشف عن مواطن جمال سردية مغايرة بداخلها فى خريطة الرواية العربية، فإن السؤال عن حاجة الثقافة العربية لتبنى مناهج غربية أو حداثية ظلت تطارده.

ما حدث مع البنيوية هنا لم يكن ببعيد عن كثير من أطروحات الدكتور فضل، فقد تكرر الأمر مع أطروحاته عن الواقعية ونظرية الخطاب، وشفرة النص وعلم الأسلوب مبادئه وإجراءاته. لكن يظل التاريخ النقدى للقرن العشرين صفحة لم تطو بعد، ولا يزال إسهام فضل بالإضافة إلى آخرين بحاجة إلى تتبع مسيرة منجزهم وسط سياق ثقافى عام لتتجلى الرؤية الكاملة أمامنا فنقبل، بالحجة والبرهان، منهم ما نقبل، ونرد منه ما نرد، فيما نظل مدينين لإنتاجهم ومسيرتهم العلمية التى عكفوا على تطويرها وأثارت نقاشات جمة أسهمت كثيرا فى ارتقاء النص العربى، سردا وشعرا.

خليل الجيزاوى: مؤسس قسم اللغة العربية بجامعة مدريد

لم يتوقف الدكتور صلاح فضل فى درسه النقدى عند نظرية نقدية ثابتة، بل كان مُنفتحاً على عدة نظريات نقدية، فقد وعيّت درسه النقدى عندما جلست أمامه فى مقعد الدراسة بقسم اللغة العربية كلية الآداب جامعة عين شمس من عام 1981 وحتى عام 1985، وتعلّمت على يديه مبادئ النقد الأدبى.

كان يُدرّس لطلابه كتابه: نظرية البنائية فى النقد الأدبى، وكان يعرج فى محاضراته من منهج البنائية أو البنيوية إلى منهج الواقعية فى الإبداع الأدبى، وفى دروس تالية كان يُطوّف بنا أثناء محاضراته، خاصة فى السنة الثالثة والرابعة، ويتوقف بالشرح والدرس النقدى مع طلابه عند مبادئ علم الأسلوب وإجراءاته، ثم يخلص فى هذه المحاضرات إلى درس إنتاج الدلالة الأدبية؛ لنعرف بعد ذلك أن جُلّ هذه المحاضرات هى نظريات نقدية صدرت فى عدة كتب، قبل وبعد دراستى بالكلية وهى: نظرية البنائية فى النقد الأدبى عام 1978، منهج الواقعية فى الإبداع الأدبى عام 1978، علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته عام 1984، إنتاج الدلالة الأدبية عام 1987.

هذا الانفتاح الكبير الذى تميّز به الدكتور فضل كان نتيجة سفرياته الكثيرة ومحاضراته المتعددة بالكثير من الدول الأوروبية، فقد كان طالباً مُتميزاً وباحثاً مُتفوقاً، فبعد حصوله على ليسانس دار العلوم جامعة القاهرة عام 1962، بتقدير امتياز تم تعيّينه مُعيداً بنفس الكلية من عام 1962 وحتى عام 1965، وهو العام الذى ابتعث فيه إلى جامعة مدريد بإسبانيا لنيل درجة الدكتوراه، نعم كان فضل مُنفتحاً على الثقافة الغربية ونظرياتها المتباينة، بدليل أنه عندما سافر فى منحة دراسية لنيل درجة الدكتوراه، عمل مدرساً للأدب العربى والترجمة بكلية الآداب والفلسفة جامعة مدريد عام 1968، وقبل أن يحصل على درجة دكتوراه الدولة من جامعة مدريد المركزية عام 1972، ثم أسّس قسم اللغة العربية وآدابها بنفس الجامعة عام 1975، وعمل أستاذاً زائراً للأدب العربى بكلية المكسيك للدراسات العليا من عام 1974 وحتى عام 1977، وعندما رجع إلى مصر عمل أستاذاً للأدب المقارن بكلية الآداب جامعة عين شمس عام 1978، ثم ترأس قسم اللغة العربية بها من عام 1979 وحتى عام 1985.

والميزة الثانية للدكتور صلاح فضل أنه انشغل بالنقد التطبيقى خلال سنوات طويلة كان يكتب فيها مقاله الأسبوعى بجريدة الأهرام، قدّم عدة أجيال أدبية من الأدباء والشعراء بقراءة نقدية تحليلية لأعمالهم الأدبية، ولقد ساهمت قراءاته النقدية المُهمّة فى إضاءة كاشفة للمشهد الروائى والشعرى، وامتد مشروعه النقدى خلال سنواته الأخيرة بجريدة المصرى اليوم، حيث واصل قراءاته النقدية للعديد من الروايات والدواوين الشعرية، وه و جهد نقدى كبير، بدأه مع الدكتور عز الدين إسماعيل رئيس تحرير مجلة فصول النقدية، عندما عمل الدكتور فضل نائباً لرئيس التحرير.

محمد سليم شوشة: منجز كبير وإسهام لا يمكن تجاوزه

للناقد الكبير الدكتور صلاح فضل مشروع نقدى ومنجز كبير وإسهام لا يمكن تجاوزه فى مسيرة الثقافة العربية، فهو واحد من جيل راسخ من العلماء الذين ربطوا بين التراث والحداثة وبين الخصوصية الثقافية للعرب وبين الأمم الأخرى، وبخاصة الغرب ومنتجه الثقافى والنقدى، وهو جيل تأسس علميا بشكل قوى.

فى مسيرته النقدية، يمكن القول إنه كان ناقدا شاملا، فقد قارب كافة الأشكال والأنواع الأدبية، كما اشتغل على التراث والأدب الحديث والمعاصر، ولم ينغلق على القديم وحده أو الحديث وحده، كما كان جامعا بين التنظير والتطبيق، وإن كان مشروعه التنظيرى بالأساس كان يتجسد فى هضم منجز النقد الغربى ونقله إلينا عبر تمثيلات وتطبيقات واعية ومستوعبة وذات حساسية، وإن كان هذا لم يبعده أبدا عن ميراث العرب النقدى القديم، سواء منجزهم فى البلاغة أو منجزهم فى درس الأدب واللغة، وتراه أحيانا متأثرا ببعض البلاغيين أو متأثرا بفكر ابن قتيبة أو ابن سلام الجمحى فى الطبقات، أو أصحاب الحماسة والمفضليات وغيرها من كتب الأدب العربى القديم، بل أحيانا تجده متأثرا بنزعة العرب فى الإطراء أو الاحتفاء بالإبداع، فتجده مثلا فى كتاب "إنتاج الدلالة الأدبية" يستخدم لغة فى الاحتفاء بمسرح صلاح عبد الصبور هى أقرب للغة العرب القدامى، حين كانوا يحتفون بميلاد شاعر جديد، ولهذا فإن لغته النقدية تتماوج وتتفاوت بين اللغة العلمية الحديثة والحداثية، التى هى تمثيل للنقد العربى، وبين لغة العرب القدامى وطرائقهم فى الموازنات أو إدراك عيار الشعر وأوزان النصوص.

لهذا، يمكن القول إن صلاح فضل لم ينفك عن جذوره المعرفية الموروثة التى نشأت معه منذ البداية فى تعليمه الأزهرى وفى كلية دار العلوم، وتجده عبر التنوير والانحياز للثقافة الشعبية المصرية ينحاز لشعراء العامية ويكتب عنهم، وهو أمر مهم فى استيعابه الحداثى لمستويات لغة الأدب، ومعنى الأدبية التى يمكن أن تتمثل وتتجسد فى اللغة التداولية الدارجة أو لغة الحياة اليومية، وإدراك الجمال الأدبى والقيمة الثقافية لهذا النوع من الأدب ليدل على قدر وعيه وحداثته واتساقه مع مبادئه الأدبية ومقاييسه الجمالية، وبخاصة إذا أدركنا أن كثيرا من أبناء جيله عزفوا عن دراسة الأدب الشعبى أو شعر العامية وخاصة الدراعمة منهم، والحقيقة هو أمر معيب وغير مفهوم ويدل على تأخر كبير فى الوعى لدى هذه الفئات التى تصر على استبعاد العامية وفنونها القولية، لكن صلاح فضل الناقد الفنان استشعر أثرها الثقافى وتغلغلها فى حياتنا وفاعليتها الواسعة فى فنوننا وإبداعنا وأثرها فى الموسيقى والغناء والدراما والسينما.

إلى جانب أدواره فى الربط بين الحداثة الغربية والنقد العربى، فقد كان منذ البداية مغرما بالنقد التطبيقى، وكان مشتغلا على كل مكونات النص الأدبى وعناصره البنائية بداية من لغته إلى روافده وتفاعلاته مع النصوص الأخرى، أو من خلال تراكب عناصره مع بعضها، أو عبر وسائل وأساليب النص فى إنتاج الدلالة أو فى مساراته السيميائية أو السيميولوجية أو تحليل الخطاب، أو غيرها من المناهج التى طبقها وكان حريصا على منهجيتها وسمتها العلمى، بما يصنع تراكما معرفيا فى النقد العربى، ومن هنا يكون التنامى والتطور ويكون الأثر الحقيقى.

لهذا، ربما لن نستغرب إذا اكتشفنا أنه واحد من أبرز من تم الرجوع لهم فى رسائل الماجستير والدكتوراه فى العقود الماضية، وربما حتى وقت قريب، وبخاصة لدى كثير ممن مازالوا فى مرحلة الحداثة، ولهذا فإن له أثرا أكاديميا كبيرا لا يقل عن أثره فى الحياة الثقافية.

Katen Doe

عمر شهريار

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

"وجوه على الطريق".. مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل

صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...


مقالات

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع
  • الجمعة، 23 يناير 2026 11:00 ص
دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م