رضوى الأسود: «خداع واحد ممكن» رواية تحلق بحرية ولا تموت

كلنا مرضى نفسيون.. والمبدع يحول اضطراباته إلى فن

عبر 5 روايات هى: "حفل المئوية" و"تشابك" و"كل هذا الصخب" و"زجزاج" و"بالأمس كنت ميتًا - حكاية عن الأرمن والكرد" نسجت الروائية رضوى الأسود عالمها بمهارة،

 رواياتها تمتاز بخصوصية على عدة مستويات، فاللغة رفيعة والتصنيف مرفوض والأسئلة متعددة، وما يجمعهم جميعا هو الحرب ضد الانغلاق والدفاع عن الحرية والبحث عن التعددية، كما صدر لها كتابان هما: "أديان وطوائف مجهولة - جوهر غائب ومفاهيم مغلوطة"، و"سيد قطب - رحلة بين ضفاف أسطورة التناقضات". وصدر لها مؤخرا روايتها السادسة "خداع واحد ممكن".. هى فى حوار خاص عنها.

البعض يصف "خداع واحد ممكن" بأنها نفسية، والبعض رومانسية، والبعض بأنها رواية مكان.. هل تعدد التصنيف والبعد عن الإطار الواحد مقصود؟

الرواية المفتوحة على العديد من التأويلات، هى رواية لا تموت ولا تُنسى، نظرًا لأنها تحلق حرة، بعيدًا عن إطار محدد ورؤية واحدة تُقيِّد القارئ بها، فتمنعه من الذهاب بفكره بعيدًا، ولا تجعله يبحث عن الكامن بين سطورها أو المخفى وراءها، أو عن محاولة فك رموزها واستنباط معانيها. ولذلك، ولأنها تحمل بداخلها وجهات نظر مختلفة، ورؤى متباينة، ولأنها تدعك ترى نفسك وتتحدث معها بأريحية، ولأنها تسمعك بحبٍ دون تأنيب أو لوم، ولأنها تبتعد عن التنظير وبث المواعظ والحِكَم، ولأنها تدعك تختار وتفكر بحرية، فسيرى كل واحد فيها نفسه أيًّا كانت جنسيته أو خلفيته.

 الرواية ممتلئة بالألفاظ القرآنية.. ما طبيعة علاقتك بالقرآن وتأثرك بلغته؟

القرآن وكذلك الشعر والنصوص القديمة تُعَد حصيلة لغوية هائلة، وهم منبع الفصاحة والبلاغة من تشبيهات واستعارة وكناية.. إلى آخره. وبما أننى أكتب كل نصوصى بالفصحى وليس بالعامية، حتى أننى أكتب الحوار نفسه بالفصحى، فمعرفة وحفظ القرآن، وكذلك الاطلاع على الأشعار والنصوص القديمة جزء هام وثرى بالنسبة لى.

 المكان جزء رئيسى من تقنية الرواية وكأن السفر كان جزءا من رحلة علاج البطلة أحلام.. هل الوقوف على هذه الأماكن استلزم سفرا خاصا؟

لا، لم أسافر إلى تلك الأماكن قبلًا. لكن قبل أية رواية أبحث طويلًا، لا لشىء سوى ليشعر القارئ بالمصداقية، وكى أسمع فى النهاية منك ومن آخرين هذا السؤال الذى طرحتِه. وقتها فقط أشعر أن هذا المجهود لم يضع هباء.

فى رواية "تشابك"، التى صدرت عام 2013، تحدثت عن التاريخ المصرى القديم، ورغم أننى زرت الأقصر وأسوان حوالى 5 مرات، فإننى قمت ببحث شامل عن المعابد، وأماكنها وتصميمها، وكيفية الوصول إليها بعدد الكيلومترات، فما بالك بأماكن لم أزرها من الأساس، هنا يكون البحث مضاعفا ومضنيا أكثر بكثير. لذا درست الأماكن جيدًا والمزارات الأثرية والشوارع، وحتى القطارات والمطاعم والأسعار باليورو فى توقيت أحداث الرواية، حتى يتسنى للقارئ زيارتها ورؤيتها رأى العين وهو جالس فى مكانه، متصفحًا الرواية.

 احتلت الكنائس وتراثها جزءا كبيرا من الأماكن التى تمت زيارتها ووصفت ببراعة تامة.. ما هدف تلك الرحلات خصيصا؟

فى هذه الرواية، تُقرُّ الراوية (شقيقة "أحلام") بأن تلك الأماكن مكتظة بالكنائس، على اعتبار أنها أهم وأكبر معلم أثرى وتاريخى فى تلك المنطقة الممتدة على البحر المتوسط. وقد تحدثت عن مزارات سياحية عديدة من قلاع وحصون ومتاحف وشواطئ، لكن كان للكنائس نصيب الأسد نظرًا لما أوضحته سلفًا. المكان فى نصوصى بطل مثل بقية الأبطال، فى هذه الرواية وما قبلها (بالأمس كنت ميتًا) كان السفر والترحال رحلة للعلاج والتطهر والبحث عن الذات، محاولة للوصول إلى الحقيقة بالوصول إلى عمق الروح وفهمها.

 لماذا جعلت الراوى شقيقة أحلام وليست أحلام ذاتها؟

فى كل رواية، أبحث عن حيلة للراوى. لم أحبذ السرد على لسان البطلين الرئيسيين (أحلام أو حازم)، وفضَّلت أن تكون الراوية من خارج القصة تمامًا، بعد أن تجمع شذراتها من على ألسنة الأم وأحلام وحازم وأمه. وقد جعلتها مجهولة تمامًا، ليس على مستوى الشكل فقط، ولكننى حتى لم أذكر اسمها، لأن الحكاية هى ما تهم، وليس هى.

 هل الرسائل والمذكرات هدفها البوح أم كشف الحقائق؟

فى هذه الرواية، لم تكن المذكرات والرسائل الأساس، ولم أستند إليها كوسيلة سردية، فأنا لم أستخدم سوى صفحة واحدة من مذكرات "حازم"، ورسالة واحدة من رسائل "أحلام" فى بداية الرواية تمامًا. أى وسيلة أو وسيط قد يكون هدفه البوح وكشف الحقائق؛ الرسائل، المذكرات، شريط فيديو، شريط كاسيت، سى دى، سرد روائى، قصيدة شعر، أو حتى مقال. فى هذه الرواية، كانت المذكرات والرسائل، وسرد شقيقة "أحلام"، وحتى أحلام البطلة، كلهم مجتمعون ومكملون لبعضهم فى صناعة وغزل ذلك البوح الحميمى.

 طرحت فكرة التداوى ومحاربة مافيا الدواء لطرق العلاج الأخرى.. هل تعتقدين أن الدواء ليس رحلة العلاج الوحيدة؟

من خلال تجارب مَرَضية عديدة مررت بها أنا وأسرتى، وكثير من المشاهدات من حولى، وحتى علميًّا، وجدت أن العامل النفسيّ أساسى فى الشفاء من الأسقام. فى "خداع واحد ممكن" تحدثت عما يسمى بالطب الشامل، أى النظر إلى الروح والجسد على أنهما وحدة واحدة، وهى ليست نظرة جاهلة أو غير علمية، بدليل أن الأمراض النفسية، غالبًا ما تتحول لجسمانية. لذا، فى رأيى أن شفاء الروح خطوة أولية للشفاء الجسدى. وهذا بالطبع ليس معناه ألا نلتفت للطب الغربى أو الدوائى، ولكنى فقط حاولت إلقاء الضوء على المعاناة النفسية والروحية، لأنهما يمرضان كما يمرض الجسد، وعلاجهما ليس بتعاطى العقاقير. وربما هنا تكمن النظرة الصوفية التى أؤمن بها، وهى الاهتمام بالروح وبتنقيتها من الشوائب والضغائن والبعد عن جلد الذات والإحساس المتوطن بالمشاعر السلبية، وحين ننجح فى ذلك، سوف نصل لحب الذات والتصالح معها، وسنرى العالم بنظرة مختلفة تمامًا قائمة على الحب، وهنا فقط مرحلة الشفاء التام.

 حازم كان طبيبا نفسيا ورغم ذلك مرض نفسيا واكتشف ذلك وكل رجال الرواية كانوا تحت وطأة المرض النفسى.. لماذا؟

من قال إن الطبيب النفسى ليس عرضة للسقوط فى بؤرة الأمراض النفسية؟! على العكس، إنه الأكثر عرضة للأزمات النفسية، نظرًا لما يراه من حالات مرضية مفرطة، وما يسمعه ويعاينه بنفسه فى الحالات التى يعالجها. تحدثت فى الرواية عن تلك الجلسات التى يقوم بها الأطباء النفسيون لمقاومة الوقوع فى تلك الهوة. كلنا -بشكل أو بآخر- مرضى نفسيون، فهناك عُقَد كونتها الطفولة المبكرة، وقد لا نعيها، لكنها تكمن فى اللاوعى وتؤثر تمامًا على أفعالنا وردود أفعالنا ومسار حياتنا. وكلنا عرضة للمرض النفسى بسبب ضغوط الحياة أو بسبب فقد عزيز أو تجربة طلاق أو فشل دراسى أو عملى.

نحن فى زمن المرض النفسى بامتياز، نتيجة تغير نوعية وقيم الحياة بشكل مرعب ومتسارع. لذا، فمن الطبيعى، فى رواية نفسية بالأساس، أن تعانى شخوصى من الضغوط النفسية. ثم إن "أحلام" ذاتها كانت تعانى، وليس الرجال فقط، آثار الفقد والهجر ووفاة ابنتها، وحاولت أن تتوازن وتجتهد فى العمل لإثبات الذات، ونجحت إلى حد ما، لكن أخيرًا خارت قواها، ووقعت صريعة المرض النفسى حين اكتشفت حقيقة شخصية "كامل الحلواني".

 تكررت سيرة الموت وعلاقتها بالأحلام.. هل الكتابة عن الموت هاجس، وهل أحلام البطلة كانت تعبيرا موازيا لرفض الواقع؟

وفاة أبى كانت أكبر تجربة قاسية مررت بها فى حياتى. كنت ملاصقة له، وكان قريبًا من روحى، لذا كانت صدمة فراقه عظيمة وأعانى منها حتى الآن. لم يعوض غيابه أحد، وكل يوم أفتقده أكثر من سابقه رغم مرور أكثر من عشرين عامًا. لذا تجربة الموت وسيرته سيجدها القارئ قاسمًا مشتركًا فى كل رواياتى، بل ربما الملمح المسيطر على كل نصوصى. بالنسبة للأحلام، أؤمن بأنها حقيقة تقبع فى مستوى ما من الوعى أو الإدراك، ذلك المستوى لا نصل إليه سوى بانفصال الروح عن الجسد، وهذا يحدث أثناء النوم، أى فى الحلم. لم تكن "أحلام" بطلة الرواية تعبيرًا عن رفض الواقع، بل كانت استرجاعا لأحداث ماضية، لا تنفك تستعيدها ذاكرة ملعونة بالتكرار.

 هل شخصية "كامل الحلوانى" تجسد علاقة المبدعين بالأمراض النفسية وعلاقة الإبداع بالجنون؟

علميًّا، ثَبَت أن هناك علاقة بين الاضطرابات النفسية والإبداع، وهناك كتب ودراسات عديدة تناولت هذا الموضوع. ولأننى جزء من الوسط الأدبى لمست هذا بنفسى. وهذا ليس عيبًا، وليس مقصورًا على وسطنا هذا، بل على كل الأوساط وكل شرائح المجتمع. الفكرة أننى تحدثت عما يخصنى، وعما أعرفه.. هذه نقطة. النقطة الثانية، أننى أهوى رفع القداسة، أو الهالة التى نؤطّر بها الفنان بشكل عام (أتحدث هنا عن أى مبدع فى مجاله، وليس الكاتب فقط)، وأحاول قول إنه شخص عادى تمامًا، لكن حدث أن حباه الله بموهبة ما. وبالمناسبة، أرى أننا محظوظون للغاية كمبدعين، فالمعاناة والاضطراب نحولها لفن وإبداع، لشىء ممتع ومثمر، لإضافة وبصمة، لكن غيرنا لا يمكنه القيام بذلك.

 معركتك مع جماعة الإخوان الإرهابية والبؤر الظلامية عبر كتابك عن سيد قطب ثم رواياتك.. هل الرواية جزء من الحرب؟

معركتى ليست مع الإخوان بقدر ما هى مع الفكر الرجعى والظلاميين. قوى الظلام ليست بالضرورة دينية. ولكننا سنجدها فى كل المجالات من حولنا، فى المجتمع، فى المجال السياسى والثقافى والتعليمى. معركتى تلك انطلقت منذ أول رواية لى "حفل المئوية"، وليس فى آخر عملين فقط. وبالمناسبة، كتاب سيد قطب لم أخطط له أبدًا. أحيانًا يبدو لى أن معظم أعمالى لم أخطط لها. البداية كانت فى هيئة منشور صغير نشرته عن سيد قطب على صفحة الفيس بوك، فوجدت ناشرًا يطلب منى -بالأمر المباشر- القيام بإنجاز كتاب عنه، رفضت فى البداية، ثم وافقت أخيرًا، وحين فعلت، سحب طلبه، لكنى استمررت فيما بدأته كتحدٍ شخصى لى حتى إن لم يُكتَب له الخروج إلى النور، فأنا أولًا وأخيرًا أملك نَفَس الباحث وقدمت فى هذا الكتاب دراسات هامة، كما أوضحت جوانب مخفية، وصححت أخطاء متداولة بشأن تلك الشخصية الإشكالية. وحين انتهيت تمامًا من الكتاب، أتانى ناشر من حيث لم أسع ولم أحتسب، وكان أسرع عقد أمضيته، وأسرع كتاب يخرج إلى النور. الكتابة التنويرية بالطبع نوع من الحروب، لكن نظرًا لأنها صراع القلم مقابل السلاح، فهى مثل الحرب الباردة؛ طويلة ونتائجها تظهر على المدى البعيد.

 ما سبب اهتمامك بالأديان والطوائف غير المعروفة؟

فى فترة المراهقة، طلبت منا المدرسة القيام بملء استمارة ما، وكانت يُوَضَّح فيها الديانة، وكتبت زميلة لنا أنها "بهائية"، فلم نستوعب أنا وزميلاتى الكلمة، لم نفهم معناها، كنا نسمعها لأول مرة، فكنا ننظر إليها وكأنها كائن فضائى، وكأننا نراها لأول مرة، رغم السنوات التى جمعتنا بها فى المدرسة نفسها، ولأنها كانت ملتزمة بحضور حصص الدين المسيحى، لذا كنا نعتقدها طوال الوقت مسيحية، وكل هذا المأزق الذى كانت تعيشه تلك الفتاة الصغيرة كان بسبب عدم اعتراف الدولة بهذا الدين، فلا يُشار إليه فى البطاقة الشخصية. أعتقد أن هذا الموقف وما تركه فى نفسى من أثر، بجانب مكتبة أبى التى كانت تحوى كتبًا لأديان عدة، هى ما دفعنى للقراءة عن الأديان ومقارناتها. لأخلص إلى نتيجة مفادها وحدة المصدر، مع اختلاف الطرق البشرية للوصول إلى الخالق الواحد.

حاولت من خلال هذا الكتاب أن أقول إننا نرث الدين مثلما نرث المال والملامح من أبوينا، لذا، لا فضل لأحد على الآخر، ولا داعى لكره بعضنا البعض وتصنيف البشر بحسب معتقده، وقتله على الهوية، ولا أساس لإحساس البعض بالتفوق على البعض الآخر، وبأنه يمتلك الحقيقة المطلقة، بينما الآخر يستند لعقيدة فاسدة أو محرَّفة.

Katen Doe

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

قطب
رضوى

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص