أمينة السعيد .. أول امرأة مصريـة تحترف الصحافة

حكايات - سيدات النهضة المصرية «3»

رائدات العمل فى الصحافة كثيرات، منهن "ملك حفنى ناصف" و"روزاليوسف"، لكن أمينة السعيد، هى أول امرأة مصرية تعمل فى الصحافة مقابل أجر شهرى، وتقوم بتحرير التحقيق الصحفى والحوار والتقرير، واستطاعت الوصول إلى قمة الهرم الوظيفى؛ فأصبحت أول امرأة تتولى موقع رئيس مجلس إدارة مؤسسة صحفية، هى "دار الهلال" التى أسسها "جورجى زيدان"، وتولت قبلها منصب رئيس تحرير مجلة "حواء"  ومجلة "المصور"، واستطاعت الفوز بثقة الصحفيين، فترشحت لانتخابات مجلس نقابة الصحفيين وفازت لعدة مرات بموقع "عضو مجلس نقابة الصحفيين"، وكانت مدافعة عن حقوق المرأة، وكانت هدفا لسموم الدعاية "الإخوانية"، وهاجمها البوق الإخوانى "عبدالحميد كشك" المعادى للمرأة عموما، وهو خطيب إخوانى كان له دور كبير فى الترويج للشائعات والسخرية من كل رائدات العمل السياسى والصحفى والفنى، وكانت أمينة السعيد، هدية "هدى شعراوى" للمجتمع المصرى، فهى التى اختارتها من بين تلميذات مدرسة "شبرا الثانوية" للبنات، لتشارك فى حفل أقامه الاتحاد النسائى، وتعهدتها بالدعم والرعاية حتى التحقت بكلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية، وتخرجت وانخرطت فى العمل العام.

الكاتبة الكبيرة أمينة السعيد، ظلت طوال حياتها تحرر بابها المشهور "اسألونى" فى مجلة "المصور"، الصادرة عن "دار الهلال"، وكانت تمتلك رؤى تقدمية، تعادى التخلف، وتعادى الفكر السلفى والإخوانى، وكان لها دور كبير فى إلغاء "المحاكم الشرعية" وتعديل قانون الأحوال الشخصية القديم المنحاز للرجال، على حساب مصالح المرأة، وهذا الموقف القوى جعلها فى مرمى نيران جماعة الإخوان، وفروعها من الجماعات الإرهابية المتدثرة بالدين، فروجوا شائعة تقول إن "أمينة السعيد" تريد أن تجعل المرأة تتزوج من أربعة رجال فى وقت واحد، ورغم تفاهة "الشائعة" إلا أن صمود "أمينة" كان رائعا، وانتصرت على هؤلاء الجهلة، وحازت ثقة الرئيس جمال عبدالناصر، والرئيس السادات، وقبلهما حازت ثقة القراء، وهى واحدة من قادة الرأى فى مصر طوال خمسين عاما، ولعل هذا يجعلنا ندرس الظروف الاجتماعية والسياسية التى عاشت "أمينة" طفولتها فى ظلالها، والخطوة الأولى فى هذا الاتجاه، تبدأ من برنامج قديم أذاعه التليفزيون العربى، فى ستينيات القرن الماضى، وكانت "المذيعة" هى "سميرة الكيلانى" ـ وهى أول وجه نسائى يطل على الشاشة الصغيرة فى العام 1960ـ والبرنامج الذى أقصده هو "كاتب وقصة"، والقصة هى "الثائرة الهادئة" للكاتبة "أمينة السعيد"، وكان من خصائص البرنامج استضافة كتاب القصص ليعرف منهم ما خفى من جوانب حيواتهم الشخصية والإبداعية، وسألت "سميرة الكيلانى" الضيفة الكبيرة "أمينة السعيد" عن حياتها الأولى، فى بيت العائلة، فقالت إن والدها الطبيب الناجح "دكتور أحمد السعيد" رزقه الله بثمانى بنات وولد واحد، عاش منهن أربع بنات، وقبل أن يرزق بالولد، كان قراره هو تربية وتعليم البنات، وهو نفسه كان من أعضاء "الحزب الوطنى" الذى كان زعيمه "مصطفى كامل" و"محمد فريد"، وكان من قادة ثورة 1919، وقالت أمينة السعيد، إن "مدرسة شبرا الثانوية" للبنات كانت نقطة انطلاقها للعمل فى الصحافة؛ فالذى حدث أن "هدى شعراوى" كانت تبحث عن فتيات يجدن النطق العربى القويم السليم، فى زمن كانت فيه العائلات الأرستقراطية تتعالى على اللغة العربية، وتعتبرها لغة "السوقة" و"العامة والدهماء"، و"هدى شعراوى" كانت عروبية الهوى، فرغبت فى تقديم فقرات فى حفل لإحدى الجمعيات التابعة للاتحاد النسائى، تتناول "الصحافة" و"الثقافة العربية"، ولجأت لناظرة مدرسة "شبرا الثانوية" للبنات، فرشحت لها الفتيات المتميزات بالنطق السليم والفصاحة العربية، وكانت "أمينة السعيد" إحدى هؤلاء الفتيات، وقدمت الفقرة فى حفل الجمعية الخيرية، وهى متشحة بالعلم المصرى، ومنذ ذلك التاريخ، ارتبطت "أمينة" بالمناضلة السياسية "هدى شعراوى"، فكانت تدعوها لحضور اجتماعات الاتحاد النسائى، لتتعلم قواعد الحوار والمناقشة وتتشرب الأفكار التى يدافع عنها الاتحاد، ولأن "أمينة السعيد" كانت فى أسرة منتمية للبرجوازية الصغيرة، وكان أبوها مشجعا لها، لم تلق صعوبة فى طريقها الجديد، والتحقت بكلية الآداب، وكانت ضمن الدفعة الثالثة، أى أنها من المجموعة الثالثة من الفتيات المصريات اللاتى التحقن بكليات الجامعة المصرية، فى ثلاثينيات القرن الماضى، وهى المولودة فى العام "1914"، ولم يكن المجتمع المصرى تخلص من النظرة الدونية للمرأة، ومن يريد التعرف إلى ما حدث لطلبة الجامعة لما رأوا الفتيات يجلسن معهم فى مدرجات الجامعة، يمكنه قراءة مذكرات نجيب محفوظ التى صدرت عن مركز الأهرام للترجمة، ودار الشروق بالقاهرة، وهى من إعداد وتحرير الناقد الراحل "رجاء النقاش"ـ الصحفى بدار الهلال فى الفترة التى كانت فيها أمينة السعيد نجمة العمل الصحفى فى مصر كلها وحضورها طاغ فى نقابة الصحفيين ـ والجميل فى قصة حياة "أمينة السعيد"، الفصل الخاص برغبتها فى احتراف العمل الصحفى، فقد تحدثت عن تلك المرحلة من حياتها لبرنامج تليفزيونى مصرى جميل أذيع فى ثمانينيات القرن الماضى على القناة الثانية للتليفزيون المصرى، وأعادت قناة "ماسبيرو زمان" إذاعته منذ فترة، فقالت إنها كانت تقوم بترجمة قصص لكتاب أوربيين عن اللغة الإنجليزية، وتتقدم بها إلى الإذاعة، وكانت تلقى الرفض، لأن المترجمة "امرأة"، والمدهش أن الإذاعة نفسها كان تذيع المسرحيات التى كانت "أمينة" تشارك فيها بالتمثيل، وهى مسرحيات كان "توفيق الحكيم" يكتبها خصيصا للاتحاد النسائى المصرى بناء على طلب السيدة "هدى شعراوى"، وسعت "أمينة" للعمل الصحفى، فعملت لفترة فى "كوكب الشرق"، وهى صحيفة مصرية وفدية كان يرأسها "دكتور أحمد ماهر"، ولم تحصل على أجر منها، ولكن "مصطفى أمين" ـ الصحفى المعروف ـ كانت لديه رغبة فى إلحاق المرأة المصرية بالعمل الصحفى، لأن المرأة "صحفية" بالفطرة، تنقل الخبر، وتعرف قدر المعلومة وأهميتها، لذلك شجع "أمينة السعيد" بعد فشل تجربتها فى "كوكب الشرق"، وساعدها على العمل الصحفى الاحترافى من خلال مجلة "آخر ساعة" التى كان يملكها الصحفى الرائد "محمد التابعى"، وفيما بعد اشتراها منه "مصطفى وعلى أمين"، وكان أول "تحقيق" كلفها به عن "حمام السيدات الهوانم" زوجات الوزراء وزوجات الكبار فى الدولة المصرية، وهذا الحمام موجود فى الإسكندرية ، فسافرت "أمينة" وكتبت تحقيقا خطيرا، الأمر الذى دعا الحكومة للاجتماع العاجل وإصدار قرار بإغلاق مجلة "آخرساعة"، ولكن "النائب العام" الذى طلب منه صياغة قرار الإغلاق، قال إن التحقيق المنشور فى المجلة لا يقع تحت طائلة قانون العقوبات وليس فيه ما يستوجب الإغلاق، فاكتفت الحكومة بتوجيه إنذار لملاك المجلة، وتوالت أعمال أمينة السعيد، وتوالت معاركها، وانتقلت للعمل فى "دار الهلال" مع "إميل زيدان"، وعملت فترة، ثم استغنت الدار عنها، لأنها لم تحقق النصاب المطلوب من الموضوعات الصحفية، وأخبرها صاحب "دار الهلال" بأن الدار لن تستطيع أن تدفع لها راتبها الشهرى، نظرا لانخفاض إنتاجها الصحفى، وعادت أمينة إلى بيتها، ووجدت زوجها "دكتور عبدالله زين العابدين" وهو أستاذ بكلية الزراعة، وحكت له ما حدث، وساعدها على تجاوز الأزمة، بل أهداها موسوعة أدبية مترجمة، وعادت مرة أخرى إلى "دار الهلال"، وفى العام 1954 تولت منصب "رئيس تحرير مجلة حواء"، وهى المجلة النسائية الوحيدة فى مصر، وحققت ـ أمينة ـ نجاحا كبيرا وارتفع توزيع المجلة، واختيرت لتولى رئاسة تحرير "المصور" ونجحت فى تحريرها، وفى الوقت ذاته لم ينقطع عطاؤها الوطنى، فكانت تشارك فى كل المعارك الوطنية، بقلمها وفكرها، ومنحها الرئيس عبدالناصر "وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى" فى العام 1963، وأشركها فى بعثة سياسية برفقة "دكتور عبدالقادر حاتم" إلى واشنطن، لشرح موقف الحكومة المصرية من مختلف القضايا السياسية التى كانت تشغل الرأى العام العالمى، وفى العام 1976، اختارها الرئيس السادات لتولى منصب رئيس مجلس إدارة دار الهلال، وكان قد منحها "وسام الجمهورية" عقب توليه مقاليد السلطة فى العام 1971، ورغم انشغالها بالعمل الصحفى، أصدرت عدة كتب منها "مشاهداتى فى الهند" و"وجوه فى الظلام" و"الهدف الكبير" و"آخر الطريق"، ومن المهم القول إن ـ أمينة السعيد ـ كان لها دور فاعل فى معركة حصول المرأة على حق الترشح وحق الانتخاب فى العام 1956، مع المناضلات النسويات ومنهن "درية شفيق"، وسيدات الاتحاد النسائى، وفى العام 1981 كرمها "السادات" فى يوم الصحفى، ومنحها "مبارك" وسام الثقافة والآداب فى العام 1992، وفى اليوم الثالث عشر من شهر أغسطس من العام 1995 فاضت روحها إلى بارئها، وبقيت ذكراها عطرة، فى قلوب ووجدان قرائها وزملائها رحمها الله.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد