المصرى الكبير «نجيب محفوظ».. العائش فى وجدان الشعب

منذ ستة عشر عاما، أجبر "نجيب محفوظ"، الروائى الكبير، واحدا من كبار المتعجرفين المستبدين على السير فى جنازته، المتعجرف العنيد الديكتاتور هو "حسنى مبارك" الذى خلعه

منذ ستة عشر عاما، أجبر "نجيب محفوظ"، الروائى الكبير، واحدا من كبار المتعجرفين المستبدين على السير فى جنازته، المتعجرف العنيد الديكتاتور هو "حسنى مبارك" الذى خلعه "الشعب والجيش" فى ثورة 25 يناير 2011، ورغم أن وجود الديكتاتور ضمن المشيعين قضى على فكرة الجنازة الشعبية التى كان ـ محفوظ ـ يستحقها وتمناها وأوصى بهاـ إلا أنه عاش فى وجدان الشعب، وسقط الديكتاتور، فى ركن مهمل من التاريخ يليق به.

عندما أتحدث عن علاقتى بأدب وإبداع نجيب محفوظ، فإننى أتحدث باعتبارى مواطنا يكتب الأدب، ويعشق الكتاب الكبار، كبار النفوس، الذين شكلوا وجدانى، مثلى مثل الملايين من الناس، والحقيقة أننى عرفت نجيب محفوظ، عن طريق "الراديو"، كان "البرنامج العام" يذيع مسلسل "الحرافيش"، فى الخامسة والربع من كل مساء، وكان "راديو" الأسرة موضوعا على "الدكة"، وأبى ـ رحمه الله ـ كان يستمع للنشرة، وبعدها المسلسل، وجذبنى غناء "سيد مكاوى" وحفظت اسم "عاشور الناجى" و"رمانة"، وغيرهما من الأبطال، ولأننى صعيدى من "كوم العرب"، وكان عمرى لا يزيد على العاشرة، لم أكن مقتنعا بأن "عربجى" مثل عاشور الناجى، يصبح "فتوة"، لأن "العربجى" الذى أعرفه، كان يحمل "السيدات" من مدخل بلدنا إلى "طما" ويسمونه "على عوض"، وعرفت بعدها أن "على عوض" هو صاحب ورشة تصنيع العربات الكارو، فى الفيوم، وإليه تنسب كل عربات "الكارو"، كما تنسب السيارات إلى ماركات "فورد" و"نيسان" و"تويوتا"، ولكن فى شهر من شهور رمضان الصيفية، استطعت اقتناء "راديو" صينى صغير، وكان قوى "المكثف" واستطاع التقاط موجة "الشرق الأوسط"، وكانت تذيع حلقات مسلسل مأخوذ عن رواية  "عصر الحب"، وكان البطل "حسن يوسف" والبطلة "فاطمة مظهر" ـ على ما أتذكرـ ودارت الأيام ومرت الأيام ـ على رأى أم كلثوم ـ واكتشفت أن هناك أفلاما سينمائية مأخوذة عن روايات " نجيب محفوظ"، لأن التليفزيون، دخل بيتنا، وأنا فى السنة الثانية من المرحلة الثانوية، ورأيت "الفتوات" والشوم والجدعان، والنساء الشهيات، ولكن لأننى لم أكن زرت ـ القاهرة ـ لم أستطع استيعاب المكان الوارد فى "السيناريوهات "، وجذبنى "أحمد فؤاد نجم" إلى "شعر العامية"، ثم عرفنى الصديق "ياسر الزيات" طريق "الأبنودى"، وفى الفترة ذاتها قرأت "دعاء الكروان" لعميد الأدب "دكتور طه حسين"، وقبلها كنت قرأت الجزء الأول من "الأيام"، وفى العام 1994، كتبت أولى قصصى القصيرة، بعد سنة كاملة قضيتها حائرا بين "شعر العامية" والصحافة، والقصة.

 كنت أعيش حياة فقيرة مرتبكة فى "الغرف الضيقة" بعشوائيات "الجيزة" و"القاهرة"، وحسمت أمرى، فى شقة فقيرة فى شارع "على عليان"، فى منطقة "المشابك"ـ أول شارع فيصل ـ عقب انتهائى من قراءة كتاب فقير عثرت عليه ضمن مكتبة الزميل المقيم معى فى غرفتى، كان الكتاب فقير الطباعة، اسمه "تصاوير من الماء والتراب والشمس" لكاتب اسمه "يحيى الطاهر عبدالله"، وهو عبارة عن مجموعة قصص قصيرة، تفاصيلها وحكاياتها من "الصعيد"، وهنا، قررت أن أكون "قاصا"، لأننى وجدت الطريق، بمساعدة "يحيى الطاهر"، عرفت من قصصه أن حياة أهلنا فى "كوم العرب" و"طما" و"الهيشة" و"قاو غرب"، تصلح أن تكون مادة للأدب.

ومرة أخرى، أهدانى ـ الصديق الشاعر ياسر الزيات ـ إلى طريق كاتب آخر، اسمه "يحيى حقى"، ولم يكن الاسم جديدا بالنسبة لى، فقد قرأت اسمه على غلاف كتاب يخص أخا لى، كان الكتاب صغير الحجم صادرا عن "دار الهلال" وعنوانه "دمعة فابتسامة"، وكنت استمعت إلى حديث إذاعى للكاتب ذاته ضمن برنامج كان يذاع على موجة البرنامج العام فى الفترة الممتدة، بعد الواحدة صباحا اسمه "سمار الليالى"، وأتذكر أنه كان صاحب صوت حنون وعبارات ساخرة، ولكن ـ ياسر الزيات ـ أعطانى كتاب "كناسة الدكان"، الذى صدر عن هيئة  الكتاب، من إعداد الراحل "فؤاد دوارة"، الذى تكفل بجمع تراث يحيى حقى، فى ثلاثين كتابا، صدرت عن هيئة الكتاب فى طبعات أنيقة، ونصحنى الناصحون بقراءة أدب جيل الستينيات، ورشحوا لى أسماء، مثل "خيرى شلبى، عبد الحكيم قاسم، عبدالوهاب الأسوانى، جمال الغيطانى"، وشاءت الأقدار أن  يخرجنى "فاروق عبدالسلام" ـ رئيس تحرير مجلتنا العظيمة فى تلك الحقبة ـ من قسم المراجعة التحريرية "الديسك"، فبقيت فى "شقة حلوان" أقرأ الروايات والقصص، ولم أقرأ "نجيب محفوظ " كما ينبغى أن يقرأ، وأصدرت مجموعتى القصصية الأولى "درب النصارى" فى العام 1997، ثم كتبت روايتى الأولى" عقد الحزون".

 نداء نجيب محفوظ

شاءت الأقدار أن ينادينى "نجيب محفوظ "، فى ظروف كانت قاسية على نفسى، ظروف مرض والدتى، رحمها الله، وكانت مريضة بتليف "الكبد"، ولما داهمتها الغيبوبة، هاتفنى واحد من أهلى فى "كوم العرب "، وطلب منى الحضور إلى البلد، بأسرع وسيلة مواصلات، فأدركت أنها فى نزاع مع الموت، وقلت لنفسى إن موت الوالدة يستلزم بقائى فى بيت العائلة، خمسة عشر يوما، بعد الرحيل، ولايصح أن أتسلى فى وحدتى بسماع الراديو أو التليفزيون، والوسيلة الوحيدة هى "الكتب"، ولما أصبحت فى محطة سكك حديد مصر ـ محطة القاهرة ـ وجدت كشك الصحف، يعرض أعمال نجيب محفوظ الصادرة عن "مكتبة مصر" الناشر الأول لأعماله، وكانت مملوكة للكاتب عبدالحميد جودة السحار، واشتريت كل ما وقعت عينى عليه، وفى بيت العائلة، وبعد رحيل والدتى، وانقضاء طقوس الدفن واستقبال المعزين، خلوت إلى "الحرافيش، ثرثرة فوق النيل، السمان والخريف، بداية ونهاية، زقاق المدق"، وغرقت فى عوالم "نجيب محفوظ"، واستطاع رحمه الله بفنه ولغته الرفيعة وعوالمه الثرية الخصبة أن يساعدنى على اجتياز محنتى.

عدت إلى القاهرة، وقررت أن أشترى بقية أعماله وأذاكرها، كما يذاكر طلبة المدارس المناهج المقررة عليهم، وذاكرته بمحبة وعشق، وهو المصرى الكبير، العائش فى وجدان الشعب، الذى له "تمثال" فى قلب "القاهرة الكبرى"، مثله مثل الرائد المعلم "طه حسين"، والزعماء "سعد زغلول، ومصطفى كامل، وطلعت حرب، ومحمد فريد"، فالأمة اعتبرته كبيرا فى مجال الأدب، وهو كبير بالقوة والفعل، ويستحق التمثال المصنوع من الحجر، وله فى قلوب ملايين المصريين تماثيل معنوية وصوره تسكن العقول والأرواح، وهو مستحق لهذا الحب، بكفاحه وصدقه مع "الشعب" المصرى وصدق انتمائه لثقافته، أماـ الثلاثة  الكبار ـ الذين كان لهم فضل تعريفى عالم "نجيب محفوظ" فهم "رجاء النقاش ولطيفة الزيات وعبدالوهاب الأسوانى"، ورغم أن "غالى شكرى" و"لويس عوض" كتبا عنه دراسات مهمة، لكن هذه الدراسات خضعت لقواعد البحث العلمى، فجردت الرجل من جانب عظيم، هو الجانب الصوفى، كان "محفوظ" متصوفا، ولم يبلغ كاتب ما بلغه فى رواية "اللص والكلاب" لما وضع على لسان شيخ الطريقة عبارة من كلمتين ".. توضأ واقرأ"، وهذه عبارة تلخص طريق الوصول للحقيقة التى يبتغيها المتصوفون!

 بين محفوظ ورجاء النقاش

 أعطانى الراحل "فاروق عبد السلام" ـ رئيس التحريرـ نسخة من كتاب "فى حب نجيب محفوظ" ـ  من تأليف رجاء النقاش ـ وطلب منى قراءته وإعداد عرض له لنشره على صفحات "الإذاعة والتليفزيون"، وكنت فى تلك الفترة أعيش حياة الأعزب المتجول، من غرفة إلى أخرى، ويوم أن تسلمت نسخة الكتاب، كنت مشردا، تقريبا، فالأشياء "العفش تجاوزا"، فى غرفة بمنطقة المشابك ـ أول فيصل ـ وأنا أقضى الليالى ضيفا فى مساكن الأصدقاء، والكتاب يحتاج الذهن الصافى والعقل الواعى، وأنا مشوش العقل والذهن، فكنت أجلس فى المقاهى الفقيرة، ومعى الأوراق والأقلام، أقرأ وألخص، حتى أنجزت المهمة، وكان العرض طويلا، ولكن "رجاء النقاش" الناقد الكبير، له حق على المجلة، فهو الذى تولى رئاسة تحريرها فى بداية السبعينيات من القرن الماضى، وعلى صفحاتها نشر رواية "المرايا" ـ فى حلقات ـ مصحوبة برسوم الفنان "سيف وانلى"، عقب اعتذار "محمد حسنين هيكل" ورفضه نشرها على صفحات الأهرام، لأنها رواية كاشفة لأعماق ما عاشه الشعب المصرى فى الحقبة الناصرية، والحقبة الملكية، ولكن "رجاء النقاش" المبدع، اغتنم الفرصة، فارتفع توزيع "الإذاعة والتليفزيون" إلى المائة ألف نسخة أسبوعيا، بفضل رواية "المرايا".

نشرـ فاروق عبد السلام ـ العرض الذى أعددته لكتاب "فى حب نجيب محفوظ"، ولقى العرض قبولا واسعا لدى "رجاء النقاش" فقرر التواصل معى، والتقيته، وشكرنى وأهدانى بعض كتبه، وفرحت بما أنجزت، ولما أصدر كتابه "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ" ـ مركز الأهرام للترجمة والنشرـ  فهمت معنى العلاقة الوثيقة التى ربطت بين "محفوظ" و"النقاش"، وهذه العلاقة هى التى جعلت "محفوظ " يمنح "النقاش" مذكراته، الكاملة الصادقة الجريئة، وفى اعتقادى أن هذه العلاقة لها معنى واحد هو "عشق الأدب"، نجيب محفوظ، عاشق للأدب، والنقاش مثله، والاثنان موهوبان، كبيران، يعرفان قيمة الثقافة، وقيمة الإبداع.

 جوهر فاطمة أم نجيب محفوظ

ما يميز مذكرات نجيب محفوظ التى أملاها على رجاء النقاش، صدقها، وتعبيرها عن ذات الكاتب وعلاقته بالحياة، ولما قرأتها، اكتشفت أن "فاطمة" ـ  أم نجيب محفوظ ـ كانت تمتلك الوجدان السليم والقلب المطمئن بالإيمان، فهى كانت تزور غرفة المومياوات فى المتحف المصرى، وتزور "الحسين"، وتزور "مار جرجس"، واستطاعت عقد صداقة مع راهبات قبطيات فى الدير، ولما مرضت، وانقطعت عن زيارتهن، جئن إليها زائرات، فى وفد اهتز له وجدان الأهالى فى الحى القاهرى الذى تسكنه، ولم يكن هذا الأمر معتادا، رغم التسامح والتصالح الدينى بين القبط والمسلمين، ولما عرض فى دار السينما القريبة من مسكنها، فيلم "ظهور الإسلام" أشاعت شركة الإنتاج شائعة تقول إن من يشاهد الفيلم هو عند الله كمن حج البيت، فأصرت على الذهاب، وشاهدت الفيلم، لتضمن الفوز بثواب حج بيت الله الحرام، ورغم كذب الشائعة ومجافاتها صحيح الدين، إلا أنها كشفت عن جوهر السيدة "فاطمة" التى تؤمن بالله وكتبه ورسله، لاتفرق بين أحد منهم، ولاترى فى زيارة "المومياوات" المصرية القديمة، كفرا، ولاتعتبرالمصريين القدماء كفارا، ومنها استمد "نجيب محفوظ" جوهر الإيمان، وسر التصوف، فأصبح مصريا بالسكن والروح!

وفى المذكرات، تكلم ـ نجيب محفوظ ـ عن والده "عبدالعزيز إبراهيم أحمد الباشا "، بكل تبجيل، فقال إنه كان صديقا له، يحاوره ويسمع منه، ولما نجح "نجيب محفوظ"ـ هذا اسمه المركب ـ فى امتحان "البكالوريا"،أو الثانوية العامة، أعطاه والده عشرة جنيهات كاملة، ليسافر إلى الإسكندرية ويفرح لمدة شهر مع صديق له، وكانت الجنيهات العشرة مبلغا كبيرا بمقاييس تلك الأيام، لكن والد "نجيب" كان محبا لولده، فلم يبخل عليه، ولم ينتحل ـ محفوظ ـ لنفسه كيانا اجتماعيا، ولم يبتدع نسبا وهميا، فهو من "رشيد"، وجده التاجر استقر فى القاهرة، فأصبح قاهريا، وكتب فى رواياته عالم القاهرة بكل شرائحه وطبقاته.

 الثقافة الوطنية فى رواياته

رغم أن "توفيق الحكيم" له مكانة الريادة فى مجال الرواية، بروايته "عودة الروح"، ورغم أن "طه حسين " له مكانة الرائد فى السرد بسيرته "الأيام"، ودكتور محمد حسين هيكل برواية "زينب"، لكن "نجيب محفوظ" تجاوزهم جميعا، ولم ينكر أفضالهم عليه، وعرف أن كل واحد منهم مضى فى طريق الرواية أو السيرة الذاتية، وحيدا، وتحمل عبء المغامرة، لأن الأدب العربى قام على الشعر، والرواية فن أوربى خالص، ولما حسم ـ محفوظ ـ أمره، وقرر التفرغ لكتابة فن الرواية، مبتعدا عن الفلسفة التى درسها فى الجامعة، عرف أن ثقافة الوطن يجب أن تكون حاضرة فى أعماله، بل إنه قرر أن يكتب عدة روايات ترصد تاريخ مصر القديم، ونشر منه روايتى "عبث الأقدار" و"رادوبيس"، ثم اكتشف أن الواقع أهم من الماضى، فكتب "زقاق المدق " و"خان الخليلى" و"القاهرة الجديدة " و"الثلاثية".

 عجائب الأقدار!

من عجائب الأقدار، أن "سيد قطب" مفتى الإرهاب وفيلسوف القتل، كان من المعجبين بروايات محفوظ، ولقى الروائى الكبير الاهتمام من جانب الكبار، مثل توفيق الحكيم وطه حسين وأنور المعداوى، ولقى الإهمال من جانب من يسمون "رموز الحركة الثقافية"، لكن هذا الإهمال لم يعطله عن طريقه، ومن المهم هنا القول إن اليسار المصرى ـ الماركسى ـ كان موجودا على الخريطة الثقافية، ولم يدعم محفوظ ولم يعتبره كاتبا معبرا عن معاناة الطبقات الشعبية، لسبب وحيد هو أن "نجيب" لم يكن منظما فى حلقة شيوعية أو حزب شيوعى، بل كان وفديا، يعشق "سعد زغلول" و"النحاس"، ولكنه انتقد الوفد فى روايته "السمان والخريف "، ولو قرأنا رواياته الواقعية بعين النزاهة، لوجدناه كاتبا كبيرا يحمل هموم ثقافته الوطنية وهموم الكادحين دون إخلال بقواعد الفن ودون "خطابة" أو صراخ، ولعل هذا هو السبب الذى جعل الشيوعيين الواقعين تحت تأثير "ستالين" والتجربة "السوفييتية" يقللون من قيمته الإبداعية.

وكان نجيب محفوظ وفيا للكاتب "يحيى حقى" ووفيا للكاتب توفيق الحكيم، ذكرهما فى مذكراته بالخير، وقدم للقارئ كل ما يبرر حبه لهما وقد جمعته بهما العلاقة الإنسانية لعشرات السنوات، وكان "يحيى حقى" من الذين احتفوا بتجربة نجيب محفوظ، وكتب نقدا مهما عن أعماله، وكان توفيق الحكيم يعتبر نجيب واحدا من أصدقائه المقربين، وكان "عبدالوهاب الأسوانى" الكاتب الروائى المنتمى لجيل الستينيات، صاحب فضل فى تعريف ـ العبد لله ـ بتجربة محفوظ ويحيى حقى، ولم يستفد من محفوظ ولم يكن عضوا فى جماعة المنتفعين به التى تشكلت بعد فوزه بجائزة نوبل، وكان نجيب محفوظ يحبه ويحرص على لقائه، وكذلك كان يحيى حقى، الاثنان اتفقا على محبة عبدالوهاب الأسوانى، أما بقية رموز جيل الستينيات، فلا أصدقاء لهم، لهم "ناس" يخدمونهم، وماتوا، وماتت معهم أعمالهم، لأن وجودهم فى "السلطة الثقافية" كان يضمن لهم الوجود، ولكن نجيب مازال حيا فى وجدان الشعب، لأنه قدم ثقافة الشعب وحرص على التعبير عن آلامه، وطموحاته، ولهذا كرهته الجماعات الإرهابية التى تكره الثقافة والمثقفين وتكره الوطنية والوطنيين، وتكره الحرية والديمقراطية، فهى جماعات حقيرة، تتبنى الفكر الدموى، وحاولت قتل محفوظ بحجة أنه خاض فى الذات الإلهية والأنبياء، وهذا ليس حقيقيا، بل العكس هو الصحيح، كان محفوظ مؤمنا موحدا، ولما حصل على جائزة نوبل، بنى لله مسجدا، مازال قائما على طريق "القاهرة، الإسكندرية" الصحراوى، حتى يومنا هذا.

 محفوظ وجنود العولمة

وأخيرا، هناك حادثة طريفة أود ذكرها، لتكون عبرة لمن يريد أن يعتبر؛ فى ذكرى مرور أربعين يوما على رحيل "نجيب محفوظ"، خصصت مجلة "أخبار الأدب" ملفا، تحدث فيه الأدباء، وكان من بينهم الكاتب الشاب ـ آنذاك ـ "أحمد العايدى" الذى كانت له رواية اسمها "أن تكون عباس العبد"، وهى فى الأصل موجهة للمراهقين، حسب تصريح كاتبها، لكن الوسط الثقافى "القابض" اعتبرها فتحا جديدا فى دنيا الكتابة، وترجمت الرواية لعدة لغات واحتفى جنود "العولمة الثقافية الأمريكية" به، واستضافوه فى عواصم غربية عديدة، الأمر الذى جعله يتطاول على مقام الكبير "نجيب محفوظ"، فقال فى الملف الذى خصصته أخبار الأدب لذكرى رحيل محفوظ، ما معناه أن شخصيات نجيب محفوظ لا قيمة لها ورواياته انتهت ولم يعد لها قيمة أدبية، فكتبت ردا عليه فى جريدة "الدستور" دافعت فيه عن الكاتب الكبير نجيب محفوظ، وكذلك كتب دكتور يسرى عبد الله ـ مدرس النقد بآداب حلوان آنذاك ـ ونشر مقالته على صفحة من أخبار الأدب، وهاج "المعولمون" وشنوا الحرب ضد العبد لله، ودارت الأيام دورتها، وذاب أو اختفى "أحمد العايدى"، ولم يكتب روايات غير التى كتبها، وضاعت روايته معه وبقى "نجيب محفوظ" شامخا، معبرا عن الثقافة الوطنية المصرية، محبوبا من الشعب.. 


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

تنزيل فيديو انستا: طريقة حفظ مقاطع IG بدون تطبيقات إضافية

هل سبق أن كنت تتصفح انستغرام فصادفت مقطع فيديو قلت في نفسك "لازم أحفظ هذا" ثم اكتشفت أنه لا يوجد...

سقوط الثوابت: لماذا قد لا تكون دروس الماضي كافية للنجاح في أسواق 2026

رصد دقيق لكيفية تعديل المتداولين لاستراتيجياتهم لمواجهة تقلبات الأسواق الحديثة والخاطفة، وكيف تمنحكم JustMarkets بوصلة النجاح في عالم مالي لم...

كيفية الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج

الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج لم يعد حلمًا بعيدًا كما يعتقد كثير من الطلاب، لكنه يحتاج إلى تخطيط...

صورة مصورة - الضحك من غير «سبت»

يمشى محاطاً ببضاعته، في كتلة واحدة، كأنه مربوط فيها!