الضابط يوسف صديق، كان من رجال الله، ليلة "23 يوليو 1952"، هو الذى أنقذ رقاب الضباط الأحرار، من حبل المشنقة، لأنه تحرك قبل "ساعة الصفر" المتفق عليها، فوجد مقر قيادة
الضابط يوسف صديق، كان من رجال الله، ليلة "23 يوليو 1952"، هو الذى أنقذ رقاب الضباط الأحرار، من حبل المشنقة، لأنه تحرك قبل "ساعة الصفر" المتفق عليها، فوجد مقر قيادة الجيش مزدحما بالقادة الكبار، الذين كلفهم الملك فاروق بالتحرك للقضاء على حركة الضباط الأحرار، فما كان من ـ يوسف ـ إلا اعتقال هؤلاء القادة الملكيين، ونجا الأحرار من فخ فاروق بعد انكشاف سر الحركة، وكانت كلمة السر "نصر" هى الأقوى، وكانت العناية الإلهية مع الشعب فى تلك الليلة الفارقة فى تاريخ الشعب المصرى، ولم يدم بقاء "قائمقام يوسف صديق" فى صفوف الثورة، لكنه لم يتخل أبدا عن الولاء للعسكرية والولاء للوطن.
طوال سنوات عمرى الماضية، كنت مهتما بالزعيم الوطنى جمال عبدالناصر، بحكم حضوره فى وجدان الناس، وحكم قيادته ثورة 23 يوليو، ولكن فى ثمانينيــات القــرن الماضى عرفــت مشاركة خالد محيى الدين فى ليلة الثورة، وعرفت أن ـ يوسف صديق ـ الضابط اليسارى كانت له مهمة كبرى، فهو من أنقذ رقاب الضباط الأحرار من حبل المشنقة، وهو من تحرك بالقوات "الكتيبة الأولى ـ مدفع ماكينة" ليحاصر مقر قيادة الجيش فى "كوبرى القبة"، وكان "خالد محيى الدين" وقوات سلاح الفرسان "المدرعات حاليا"، قد نجح فى قطع الطريق على القادة الملكيين، واستطاع منع عدد كبير من هؤلاء القادة من الوصول لمقر قيادة الجيش، وقال ـ خالد ـ فى مذكراته إنه سمع صوت الرصاص يشق قلب الليل، وعرف أن "يوسف صديق" سيطر على المقر، وقبض على رجال فاروق، ولكن الرصاص الذى سمعه خالد محيى الدين كان من "طبنجة" القائمقام يوسف صديق، لأن "شاويش" حاول منعه من اقتحام الغرفة التى كان فيها قادة الجيش مجتمعين لوضع خطة للسيطرة على "الضباط الأحرار" والقبض عليهم ومحاكمتهم، وكان الصحافى اللبنانى "كريم ثابت" مستشار "فاروق" الصحفى وعضو الحاشية الملكية، قد ذكر فى مذكراته أن "فاروق" رفض كل الحلول التى عرضت عليه لتفادى الصدام مع ضباط الجيش، بل استفز غضبهم لما قام بحل مجلس إدارة نادى الجيش، لأن ضباطه لم يحققوا الفوز المنتظر، ورفض فكرة تعيين "محمد نجيب" وزيرا للحربية، ودارت عجلة الثورة، لتصبح ليلة 23 يوليو 1952 هى "الجولة النهائية" بين القوى الوطنية والملك الشاب المستهتر، وكان يوسف صديق هو الضابط الذى شيع "العرش الملكى" لمثواه الأخير، لما قبض على "حسين فريد" رئيس أركان الجيش، ورجاله من قادة الأسلحة والفرق، فانهار "الملك" وسقط حكم أسرة "محمد على" بعد قرن ونصف قرن من الجلوس على عرش مصر.
ومن المهم هنا أن نعرف عدة حكايات عن "يوسف صديق" المولود فى العام "1910" فى قرية "زاوية المصلوب" بمركز "الواسطى" بمحافظة "بنى سويف"، فهو عربى، من قبائل الفتح العربى، وكانت "الزاوية" هى المسرح الذى نصبه التاريخ لنهاية حكم "بنى أمية"، فعلى أرضها قتل "مروان بن محمد" الخليفة الأموى الأخير، الذى هرب من بغداد عقب هزيمة قواته أمام قوات العباسيين، وبقى نسل مروان ـ المقتول المصلوب بمصرـ فى الصعيد الأوسط، وحملت "الزاوية" لقبها فأصبحت "زاوية المصلوب"، وكان "يوسف صديق" هو من أنهى حكم "أسرة محمد على"، لما كسرالذراع المسلحة للملك فاروق، واعتقل رئيس الأركان "حسين فريد"، وأودع الضباط الآخرين الكلية الحربية، وظلوا معتقلين حتى اطمأنت الثورة لتأييد الجيش كله والشعب أيضا، ومكافأة للضابط الشجاع ـ صديق ـ قرر "عبد الناصر" ضمه لمجلس قيادة الثورة، وكان تنظيم الضباط الأحرار، عقب ظهوره على الساحة وانطلاق مسيرته السياسية، اعتمد على كل العناصر المسيسة من الضباط، فكان من أعضاء التنظيم من له انتماء لحزب مصر الفتاة أو جماعة الإخوان أو الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى، وكان شرط عبدالناصر الوحيد هو قبول كل الضباط باعتبارهم أفرادا، لا باعتبارهم منتمين لحركات وتنظيمات لها ألوان فكرية وعقائدية أخرى، غير التى يطرحها "الضباط الأحرار"، فهو تنظيم عسكرى وطنى، والوطنية مشترك قائم بين كل الحركات والقوى السياسية، ولكن الفترة الأولى التالية لنجاح "الانقلاب"، وهو أول خطوة فى طريق تغيير النظام والقضاء على التحالف الطبقى الحاكم، المتحالف مع الاستعمار البريطانى، شهدت انقساما بين "الضباط الأحرار" وأعضاء "مجلس قيادة الثورة"، حول توزيع الثروة، والأحزاب، وقضية الديمقراطية بكل تفاصيلها، من دستور وانتخاب برلمان، وكان العام 1953 شهد انقساما من جانب "ضباط المدفعية" المنتمين للتنظيم الأكبر "الضباط الأحرار"، الأمر الذى جعل ضباط المدفعية يقررون الانقلاب على الضباط الأحرار، وظهرت مجموعة "حسنى الدمنهورى" وفشل انقلاب المدفعية، وحوكم الضباط وكان عددهم يزيد على الثلاثين ضابطا، وبناء على ما جرى، اختار "عبد الناصر" صديقه المقرب "عبد الحكيم عامر" وجعله القائد العام للجيش، وكان برتبة "الصاغ"، فتمت ترقيته إلى رتبة "اللواء"، وتداخلت قصة الصراع على السلطة مع قصة الصراع بين "الضباط الأحرار" والقوى التقدمية فى المجتمع، ومنها "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى"، مع الحرج الإنسانى والتنظيمى الذى وقع فيه ـ يوسف صديق ـ لأنه كان ضابط مدفعية، وكان عضوا فى "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى" ترك مجلس قيادة الثورة، وحرصا على وحدة السلاح ووحدة الجيش، أبعد "يوسف " إلى سويسرا، وتحول الأمر إلى نفى، وفيما بعد تعرض خالد محيى الدين الضابط اليسارى ـ ولم يكن منظما فى حزب أو حركة ـ للمصير ذاته وأبعد إلى سويسرا، وتخلص الجناح المنتصر "الضباط الأحرار" من الجناح المعترض، المطالب بالديمقراطية والعودة للثكنات، وكان العام 1954 هو عام التخلص من "جماعة الإخوان" و"محمد نجيب" بعد محاولة اغتيال "عبد الناصر" فى الإسكندرية على أيدى "محمود عبد اللطيف" عضو التنظيم الخاص بجماعة الإخوان، وكانت "جماعة الإخوان" رافضة توقيع اتفاقية الجلاء بين "الأحرار" وبريطانيا، وثبت اتصالها بالسفارة البريطانية بالقاهرة، وثبت تورط "محمد نجيب" مع الجماعة، بهدف القضاء على "عبد الناصر" بالقتل، وتنصيب "نجيب" رئيسا، وخرج الإخوان من اللعبة السياسية وتم تحديد إقامة "محمد نجيب" وعزله من السلطة، وغادر "يوسف صديق" السرب ليغرد بعيدا، وحيدا، ويعيش ضحية لانتمائه الحزبى وإيمانه بمبادئ منها الديمقراطية وتوزيع الثروة توزيعا يضمن العدل الاجتماعى والكرامة للناس.
حياته العسكرية
الفلاحون المصريون هم القطاع الجماهيرى الأكثر ارتباطا بالجيش والعسكرية، وكان قيام "محمد على" بتجنيد الفلاحين، للمرة الأولى بعد مئات السنوات من وجود "كتائب مسلحة" و"ميليشيات" تحمل أسماء شركسية وتركية، فلم يكن الفلاحون يلبسون الزى العسكرى، كانت مهمتهم إنتاج الثروة، بالعمل فى الأرض الزراعية، وكان هناك "الصنايعية" المصريون، وهؤلاء كانوا يسكنون المدن ويعملون فى النجارة والحدادة وتصنيع الجلود، وتصنيع الأطعمة والأشربة، وكانوا يقولون "ربك يولى من يصلح"، لأنهم لم تكن لهم إرادة فى اختيار "الوالى" أو الحاكم، وكانوا خاضعين لما تجرى به المقادير من صراعات بين الباشوات والعسكر، ولكن الخديو سعيد، جعل الفلاحين يدخلون "القشلاق" ويلبسون زى "الضباط"، فاختار أبناء العمد والمشايخ فى القرى وأدخلهم "العسكرية"، ومن هذه الدفعة، تشكلت قيادة الثورة العرابية، وجاء زمن أصبح فيه الفلاحون والعربان المتمصرون يرتدون زى العسكرية ويعلقون الرتب على أكتافهم، ومن هؤلاء جد الضابط الحر "ثروت عكاشة، ووالده، وجد "يوسف صديق" ووالده، ووالد "محمد نجيب"، ولكن "يوسف صديق" كان جده حاكما على إقليم "كردفان" السودانى الذى كان بموجب اتفاقية 1899 خاضعا للحكم البريطانى المصرى، وكانت "الثورة المهدية" فى أوج تفجرها فى السودان، وقتل الثوار الحاكم العسكرى المصرى "يوسف صديق الأزهرى"، وشارك "منصور يوسف صديق "ـ والد الضابط الحر يوسف صديق وابن الحاكم العسكرى المقتول على أيدى ثوار الثورة المهدية ـ فى حرب استرداد السودان من رجال الثورة المهدية، وكان برتبة "اليوزباشى" ـ النقيب ـ وفى الثلاثينيات من القرن الماضى التحق يوسف صديق بالكلية الحربية ليكون على طرق جده ووالده، وتخرج فيها فى العام 1933وتخصص فى التاريخ العسكرى، وحصل على شهادة "أركان الحرب" فى العام 1945، وعمل بمنطقة "السلوم "الواقعة على الحدود الغربية، وشارك فى حرب فلسطين 1948، وكان الضابط "وحيد جودة رمضان" عضو تنظيم الضباط الأحرار، هو من دعا "يوسف صديق" للانضمام للتنظيم السرى، ورغم دوره الكبير فى ليلة 23 يوليو 1952، لم ينل المناصب ولم يدم بقاؤه فى السلطة وقضى ما تبقى من حياته فى الظل ـ يقرأ ويكتب الشعر، ويراقب ما يجرى على الساحة مثل أى مواطن، ولما وقع العدوان الثلاثى على مصر فى العام 1956 هب البطل ولبى نداء الوطن والتحق بقوات المقاومة الشعبية، وفى يوم "31 مارس 1975" صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها وبقيت ذكراه حية فى قلوب من عرفوا سيرته الوطنية العطرة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد