«دولت فهمى».. شهيدة المروءة وحب الوطن

لم تكن "دولت فهمى" فى صدارة المشهد الثورى عام 1919، ولم تخرج مثل سيدات المجتمع آنذاك للمطالبة بحرية المرأة، لكن يمكننا وصفها ببساطة بـ "عذراء الحرية" التى ظلت تعمل فى

لم تكن "دولت فهمى" فى صدارة المشهد الثورى عام 1919، ولم تخرج مثل سيدات المجتمع آنذاك للمطالبة بحرية المرأة، لكن يمكننا وصفها ببساطة بـ "عذراء الحرية" التى ظلت تعمل فى صمت من خلال الجهاز السرى لتلك الثورة المجيدة، وكانت مهمة هذا "الجهاز السرى" الذى يقوده "عبد الرحمن فهمى" اغتيال جنود الإنجليز أو إرهابهم بإرسال رسائل التهديد وتوزيع المنشورات التى تلهب حماس الشعب.

اعتمد "الجهاز السرى" فى عمليات اغتيال الجنود المحتلين على قيادات شابة مدربة، ولم يكن يقوم بتوجيه تلك العمليات إلى الإنجليز وحدهم، إنما شملت عملياته كذلك كل من قبل التعاون معهم، ومنهم بعض الوزراء فى الحكومة الذى اعتبر الجهاز السرى تعاونهم مع الإنجليز بمثابة خيانة كبرى للوطن.

بطلتنا "دولت فهمى" كانت من صعيد مصر، حيث ولدت فى محافظة المنيا بقرية تسمى "أبو عزيز"، وكانت تنتمى لعائلة كبيرة وعريقة تهتم بتعليم الفتيات، لذلك صارت "دولت" من رائدات تعليم المرأة فى القرن التاسع عشر عندما انتقلت للعيش بالقاهرة، ورغم صغر عمرها تولت آنذاك منصب ناظرة مدرسة الأقباط للبنات، وذلك بجانب عملها السرى الوطنى فى جهاز ثورة 1919.

تستحق دولت فهمى لقب"شهيدة المروءة وحب الوطن"؛ حيث قدمت دوراً فريداً فى حماية الفدائى عبد القادر شحاتة الذى اغتال محمد شفيق باشا، وكان "شفيق" أحد المستهدفين من الجهاز السرى للثورة؛ إذ قبل رئاسة الحكومة تحت الحماية البريطانية، لذلك أصدر جهاز الثورة قراراً باغتياله باعتباره خائنا للوطن، وتكليف الطالب الجامعى وقتها وعضو التنظيم السرى "عبد القادر شحاتة" بتنفيذ المهمة، وبالفعل استطاع "شحاته" التنكر فى ملابس عامل من عمال العنابر وتسلم القنبلة من زميل له، ثم اقترب من سيارة "محمد شفيق باشا" وألقى قنبلته فانفجرت لكن شفيق استطاع أن ينجو.

هرب" شحاتة" فى شارع النزهة قبل أن يدخل إلى المدرسة التى تعمل بها "دولت" فأخذت منه المسدس الذى كان يحمله وأخفته، وعندما تم القبض على "شحاتة"  وتعذيبه حتى يعترف على التنظيم وعلى المحرضين على عملية الاغتيال، أنكر قيامه بالعملية من الأصل وتمسك بأقواله تلك إلى النهاية، خاصة بعدما أرسل إليه التنظيم رسالة مفادها أن هناك فتاة سوف تشهد بأنه كان يبيت فى منزلها وقت وقوع التفجير، وأوصاه التنظيم أن يساعدها فى أقواله لكى ينطلى الأمر على الإنجليز، وذلك بألا يظهر أى ارتباك أمام المحققين.

كان قد وقع الاختيار على فدائية التنظيم السرى "دولت فهمى" لتمثل هذا الدور الصعب، وذهبت بالفعل أمام المحققين واعترفت، وكانت قد مثلت دورها بجدارة، ففور دخولها إلى غرفة التحقيق ارتمت فى أحضان "شحاتة" مدعية أنهما حبيبان قديمان، وقال إنه كان يبيت لديها ليلة محاولة الاغتيال الفاشلة، وقالت إنها تعيش وحيدة ولا يعلم بعلاقتهما أحد.

ومرة أخرى ذهبت "دولت" إلى المحكمة لتشهد بنفس شهادتها التى خففت الحكم على "شحاتة" من الإعدام إلى السجن المؤبد.

وحينما تولى "سعد زغلول" رئاسة الحكومة سنة 1924، أفرج عن جميع المسجونين بتهم مقاومة الاحتلال، وكان منهم "عبد القادر شحاتة" الذى  خرج ليبحث عن المرأة التى ضحت بسمعتها وشرفها فى سبيل إنقاذ حياته، وسأل عنها كل من يعرفها بالقاهرة، لكن الكل أجمع أنهم لم يروها منذ يوم وقوفها فى المحكمة للشهادة معه.

كان "شحاتة " قد عقد العزم على الزواج بها، وقرر الذهاب إلى قريتها ليطلب يدها من عائلتها، لكنه فوجئ أن عائلتها قتلوها بعد شهادتها فى المحكمة، وذلك  ليغسلوا العار الذى وصمتهم به.

عندما سمع "شحاتة" ما حدث لها، حكى لعائلتها عن بطولتها وتضحيتها فى سبيل الوطن، فما كان من أفراد العائلة المحافظة إلا ان أقاموا لها العزاء بعد مرور خمس سنوات من وفاتها، ويومها وقف حبيبها يتلقى العزاء فيها مع العائلة وهو يجهش بالبكاء.

لم تحظ "دولت فهمى" بالتكريم اللائق لتضحيتها بسمعتها وشرفها فى سبيل وطنها، بل ظل اسمها فى طى الكتمان، إلا من صفحات قليلة فى كتب التاريخ ذكرتها ضمن نساء ثورة 1919، وإن كان لقب "فهمى" قد أخذ حظه من الذيوع والانتشار مثل "أسماء فهمى" صاحبة فكرة إنشاء كلية للبنات، أو "حكمت فهمى" الجاسوسة الشهيرة، و"عبد العزيز فهمى" الذى أطلق اسمه على محطة مترو فى منطقة مصر الجديدة، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يختار الكاتب الكبير "نجيب محفوظ" شخصية "فهمى" فى رواية بين القصرين ليكون شهيد ثورة 1919.

وربما يكون الكاتب "مصطفى أمين" هو الوحيد الذى خلد بطولات "دولت فهمى" من خلال روايته "دولت"، فضلا عن سهرة تليفزيونية بعنوان "دولت فهمى" عرضت سنة 1986 بالتليفزيون المصرى، وقامت بدور "دولت" فيها الفنانة "سوسن بدر" وقام بدور "عبد القادر شحاته" فيها الفنان الراحل "ممدوح عبد العليم".

تحية حب وتقدير لروح شهيدةحب الوطن.


 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد