رسم وتلوين وحكي وأفلام بالموبايل.. هكذا يبدع أطفال "أولاد علام"

لا يحتاج المرء إلى ليلةٍ أشد صخبًا وأكثر بهاءً من هذه التي احتضنتها إحدى قاعات مركز شباب عزبة "أولاد علام"، يوم السبت الماضي

لا يحتاج المرء إلى ليلةٍ أشد صخبًا وأكثر بهاءً من هذه التي احتضنتها إحدى قاعات مركز شباب عزبة "أولاد علام"، يوم السبت الماضي، لكي ينفض عنه كسل الكهولة ويعود يافعا تتماوج في، قلبه قبل عقله، ذكريات الصبا وأحلام الشباب، فها هي حكايات الأطفال مظهر سامح، يوسف أشرف، زياد عادل ومحمد بدر وغيرهم من المشاركين والمشاركات في "ورشة الحكي"، التي أشرف عليها بدأب مدرب التمثيل والحكي محمد عبد الفتاح الشهير بـ"كلابالا"، تعيدني من جديد إلى قصص طالما رواها لي، بقلب يسع العالم، منذ ما يربو على أربعين عاما، زميلي وصديقي المحامي والمناضل الحقوقي الراحل هشام مبارك، ربما في نفس البقعة الطاهرة من عزبته المنسية.

ولا تقتصر إبداعات أطفال عزبة "أولاد علام" على التعبير عن قضاياهم ومشاكلهم بالحكي، لكنها تمتد لتشمل الرسم والتلوين وصناعة اللوحات عبر فن "الكولاج" بل وصناعة الأفلام أيضا بالموبايل، حسب ما تؤكد مروة عبد المنعم، مدربة ورشة الفنون البصرية، لمجلة الإذاعة والتليفزيون، لافتة إلى أن "أنس" طفل موهوب في الرسم و"محمود" شاطر في القص والتلوين، فكان طبيعيا، والحالة هذه، أن ينجح أطفال العزبة الموهوبون في صناعة فيلم رسوم متحركة يستمر لمدة دقيقتين في مدة قصيرة لم تتجاوز 7 جلسات "علمتهم فيها كيف يحولون موبايلاتهم من أداة لعب ولهو إلى أداة إنتاج وإبداع فني، فيكتبوا تعليقا صوتيا لفيلم ويسجلوه بأصواتهم"، على حد تعبيرها.

لم تدهشني كلمات مروة عبد المنعم، فكل ما ساقته لي لم يكن سوى غيض من فيض إبداعات أبناء العزبة، التي سبق لها أن أنجبت المخرج السينمائي الكبير سميح منسي، المدير السابق للمركز القومي للسينما، والذي يعد علامة من علامات السينما التسجيلية، فضلا عن أفلامه الروائية القصيرة والطويلة، والذي أصر، رغم مرضه، على حضور فعاليات ورشتي الحكي والفنون البصرية، لم لا وهو الذي قضى أخصب فترات عمره في "أولاد علام"، قبل أن يرحل إلى بقعة غير بعيدة في حي الدقي نفسه.

سميح لم يعد منسيا

لا شيء هنا يمنعك من العودة لمعانقة سميح منسي، الذي يظهر الآن، في كل أرجاء القاعة، عقلاً فذًا وروحا مرحة وشغبا ذكيا وضحكا مجلجلاً، وهو يتماوج في أزياء وأوجه بل ومضامين روايات يحكيها بوجدان غاية في الإبداع ومفردات آية في العذوبة حكائون صغار يحمل بعضهم نفس ملامحه الدقيقة والجميلة.

أحلام سميح منسي في سينما مبدعة وكاشفة ترتقي بالفكر الإنساني والذوق العام وآمال هشام مبارك في ركن آمن لوليد ينام ومطامح المحامي الكبير والمناضل اليساري الراحل أحمد شرف وغيرهم من رموز العربة في مستقبل مشرق لملايين من البسطاء لم تغادر برحيل أصحابها الأفذاذ فها هي الطفلة ريتاج محمود "13 عاما" تواجه بالحكي شيئا مما وقع عليها وعلى غيرها من التلاميذ من مظاهر الظلم الاجتماعي حينما قرر أستاذ الرياضيات في مدرستها أن يجبرها على دخول حظيرة الدروس الخصوصية حتى لا ينكل بها، خصما من درجات أعمال السنة، قائلة "المستر كان بيعاملني وحش وأنا مش عارفة ليه.. بيطلب مني أني أحل مسائل رياضية مشرحهاش وبيضربني لما أعجز عن حلها بس أنا مسكتش قررت أواجهه فاعترف ليّ ببساطة أنه بيعمل كده علشان آخد عنده درس وقال إيه لمصلحتي!".

مواجهة ظاهرة "التنمر"

وها هي الطفلة هنا سيد "12 عاما" تندد بقيم مجتمع الفرجة الرأسمالي حيث يسيطر نموذج "الباترون" أو "المانيكان" على عقول وقلوب أغلب جيرانها في السكن وزملائها في المدرسة، قائلة "كنت نموذجا للخفة والرشاقة لحد ما جتني اللوز وشدت عليّ جامد لدرجة أني اضطريت آخد حقن تخنتني فكلبظت حبتين وهنا بدأت المشكلة لما بدأت نظرة زميلاتي وزملائي ليّ تتغير، حتى أصبحت هدفا لحفلات التنمر، فألاقي اللي تناديني (دبدوبة التخينة) وألاقي دي تسميني (كوريا) فلقيت نفسي بين يوم وليلة مسخة الفصل"، لكن "هنا" لم تنكسر وتلزم طائعةً بيت الهزيمة وغرف الارتعاش إنما بدأت رحلة المقاومة الخاصة بها عندما فهمت حقيقة ما جرى لجسمها وطلبت مساعدة والدها، الذي أنجح مسعاها في كسر شوكة المتنمرين والمتنمرات.

التمييز ضد البنات

المؤكد أن هناك احتمالا آخر لتتويج مساعي رموز العزبة بغير الهزيمة، وهو ما يتبدى جليا في مواجهة الطفلة الصغيرة سلمى شوقي لظاهرة التمييز على أساس النوع التي تنتشر في المجتمع، حيث تعاني البنات من التفرقة في المعاملة لصالح الذكور، قائلة "قابلت أم معها ولد وبنت.. الأم بتعامل الولد أحسن من البنت وعمالة تزعقلها وتتعامل مع الولد كويس، رحت سألتها هو أنتي ليه بتعاملي الولد حلو والبنت وحش، قالت لي ما هو طبعا البنت مش زي الولد، وتاني يوم قابلت البنت دي، ولاقيتها بتعيط فصممت أشوفها مالها، وجبت لها أكل وأدتها فلوس الدرس، فالمدرس زعق وعاقبني، بعد ما اتعاقبت رحت أواجه وأقوله: ممكن بعد كدا تسمعني قبل ما تعاقبني"، أي أن سلمى لم تكتف، رغم حداثة سنها، بمواجهة ظاهرة التفرقة في المعاملة بين الولد والبنت بل تعدت ذلك إلى حد مواجهة تسلط المدرس الذي يعاقب قبل أن يسمع.

ولا تقتصر مشاكل أطفال العزبة مع المدرسين على البنات فها هو محمود عبد الفتاح يؤكد، في حكايته المنتقاة، أن رفضه لأساليب بعض المدرسين تسبب له في علقة ساخنة، قائلا "كان في مدرس مستقصدني عشان مش باخد معاه درس، فاشتكيت لمدير المدرسة، اللي مكدبش خبر وهدد المدرس، لكن المدرس الشرس جه تاني يوم وقفل باب الفصل وذنبني وقال لي: افتح ايدك، قلت له أنا معملتش حاجة، قال لي يلا عشان تاخد 3 عصيان، وأداني فعلا 3 خرزانات جرحولي ايديا لدرجة أنها نزلت دم وعملت علامة موجودة لحد دلوقت".

 الصالح والطالح

غير أن الطفل أنس مصلح يحبذ التفرقة بين الصالح والطالح في المنظومة التعليمية، قائلا "كان عندي في نفس الفصل مدرس كويس ومدرس وحش، المدرس الكويس كان دايما بيشرح كويس جدا، ومالي الصبورة كتابة، وكانت تيجي اللجنة من الوزارة  تشوف جهده، والمدرس التاني يدخل في أيده كوباية شاي وينام باقي الحصة على المكتب، ومبيشرحش حاجة، وكانت برضه اللجنة بتيجي وتشوف أن ده بيحصل من غير أي رد فعل"، لكن أنس يأبى مع ذلك إلا أن ينتصر عاطفيا للمدرس "الكويس"، لافتا إلى أن حبه مازال حيا في قلبه رغم رحيله عن دنيانا منذ عدة أشهر.

مواجهة ظاهرة الغش

ولأن فساد المنظومة التعليمية لا يقتصر فقط على سوءات المدرسين بل يتعداها إلى حدود التقنين المجتمعي لـ"الغش" والقبول به واستمرائه، سواء من الطالب أو المدرس، ومن أولياء الأمور قبل المدرسة، فها هي التلميذة نادية عمرو تحكي أو بالأحرى تعترف بممارسة الغش وتتبرأ منه، قائلة "كان عندي 5 أيام امتحانات أول يوم حليت كويس قوي وتاني يوم كان عندي رياضة والامتحان كان صعب جدا دخل المدرس قال لي تعالي أغششك قلت له شكرا يا مستر، وفعلا غششني أول سؤال، قولت له طب يا مستر السؤال التاني فغششهوني برضه بس المرة دي عرفت أنه غششهوني غلط، وافتكرته عايز يسقطني، لكن طلع أنه فعلا مش عارف الإجابة، فجه مدرس تاني وغششني.. الحمد لله كان عارف حل السؤال".

البحث عن مواهب

لكن كيف بدأت مغامرة اكتشاف مواهب أطفال "عزبة أولاد علام" وتأسيس ورشتي الحكي والفنون البصرية؟! تؤكد جيهان عامر أن الفكرة جاءتهم خلال زيارة قامت بها مع عدد من زملائها في دبلومة "التنمية الثقافية" بكلية الآداب جامعة القاهرة، إلى العزبة في إطار الجزء العملي من مادة "التنشيط الثقافي"، التي تشرف عليها الدكتورة سلمى مبارك والمخرج أحمد السيد، حيث صدمت عندما أخبرها عدد من الأطفال أن أغلبهم لا يجيد القراءة أو الكتابة رغم أنهم وصلوا في التعليم إلى المرحلة الإعدادية.

وتعرب جيهان عامر عن دهشتها عندما اكتشفت أن أولياء الأمور يعتبرون أطفالهم "فشلة" وأنها تأكدت بنفسها أن بعض التلاميذ لا يعرفون حتى حروف الأبجدية، ما يجعلهم عرضة أكثر من غيرهم للسقوط في الامتحانات لأنهم لا يعرفون قراءة الأسئلة ولا كتابة أجوبتها، حتى لو كانوا يعرفونها.

15 حكاءً صغيرا

تقول أمينة عادل، طالبة الدبلومة التي شاركت أطفال العزبة بالغناء خلال فعاليات الورشة، إن فريق عمل الدبلومة زار عددا من المناطق المهمشة مثل اسطبل عنتر ومساكن عثمان والدرب الأحمر، لكنهم قرروا اختيار العزبة بعدما قابلوا شابا أخبرهم أنه لا يجد عملا لمجرد أن بطاقته الشخصية مكتوب فيها "أولاد علام".

ويضيف أحمد عبد الحليم، طالب الدبلومة، أن العزبة تعاني حالة شديدة من الإهمال الثقافي فلا تتحرك فيها إلا جمعية رسالة التي لا تقدم سوى مساعدات عينية ومادية للأهالي، مشيرا إلى أن 31 طفلا وطفلة شاركوا بشكل فعلي في ورشتي الحكي والفنون البصرية ونجح 15 منهم في أن يقدموا للجمهور حكايات حقيقية وبلغة شيقة.

مشكلة الاختلاط

أما سامية الخضري فتؤكد أن الورشتين نجحتا في تحقيق الكثير فقد أنهيتا مثلا مشكلة رفض الاختلاط بين البنين والبنات فقد "كانت الطفلة ريتاج مثلا ترفض في باديء الأمر المشاركة في أي من الورشتين لأن بهما أولادا".

زينب صديق، مديرة مكتبة الدقي المشاركة في الورشتين، ترى أن المشروع رائع والفكرة جيدة لأنها استهدفت أطفال العزبة البسطاء وتركت بصمة مميزة بداخل كل منهم، لدرجة أن بعضهم بكى من فرط التأثر مخافة أن ينتهي تفاعلهم مع طلاب وطالبات الدبلومة بانتهاء الورشة، مشيرة إلى أن المكتبة أشرفت على ورش للقراءة لكن ورشتي الحكي والفنون البصرية نجحتا في كشف المستور من إبداعات أطفال العزبة بل وتحويلهم إلى صانعي أفلام وحكائين صغار.

آية تواجه الأمية

ولأن المشروع بدأ بمشكلة ضعف مستوى القراءة والكتابة عند تلاميذ وتلميذات العزبة فقد أصر المشرفون على المشروع على استكمال جهدهم في تعليم الأبجدية العربية للأطفال فوجدوا ضالتهم في صديقتهم آية سيد عبد الرازق المتخصصة في تعليم اللغة العربية.

وتقول آية إنها تبرعت بيومين من وقتها لتعليم أطفال العزبة القراءة والكتابة بـ"الطريقة البغدادية" بواقع ساعتين في الحصة الواحدة، وكانت تتمنى أن تخصص خمسة أيام لكنها لم تستطع ذلك لأنها تأتي من قرية بعيدة في منطقة العياط.

وأعربت آية عن أملها في أن تجد مستقبلا عددا من المتبرعين لتعليم أبناء أولاد علام، مشيرة إلى أنها اختارت بالفعل عشرة أطفال لتبدأ معهم مهمتها بدون أي مقابل.   

 

 



علي سعيد

علي سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - أطفال النول

تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...

«ذلك هو البعد».. قصيدة نثر تغازل ماضيها «الصوفى».. وتُعاتبه

استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى

هند مختار: أكتب لمتعتى الشخصية

أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...

التأمل.. تجربة الصمت والهدوء الممتع

تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...