الرسام المصرى العالمى أمير وهيب:تجديد الخطاب الدينى يبدأ بتجميل ميادين

على عكس كل الطموحين من الرسامين، لم تكن باريس هى غاية أمله ولا أعظم حلمه، بل غامر بعبور المحيط إلى أمريكا، ليبدأ من نيويورك تلك الرحلة الطويلة والممتعة والمثيرة،

على عكس كل الطموحين من الرسامين، لم تكن باريس هى غاية أمله ولا أعظم حلمه، بل غامر بعبور المحيط إلى أمريكا، ليبدأ من نيويورك تلك الرحلة الطويلة والممتعة والمثيرة، محققا نجاحات لم تخطر بباله، ولتكتب عنه صحف العالم وفى مقدمتها "النيويورك تايمز". وخلال تلك المغامرة التى بدأت عقب تخرجه فى قسم العمارة بكلية الفنون الجميلة قبل أكثر من ربع قرن، أقام 9 معارض فردية وشارك فى 20 معرضا جماعيا فى أعرق عواصم العالم، وما زالت تجربته "ساعات فى المدينة" ملهمة لكل رسام يبحث عن التفرد.لا يكف أمير وهيب عن التمرد والحلم، مازال يحمل نفس تلك الروح الشابة المشاغبة المحلقة التى جعلت فنانا بقيمة حسين بيكار يصفق له ذات مساء ويتنبأ له بمستقبل باهر.. والتى جعلت البابا شنودة يتوقف عند لوحته "العشاء الأخير" ويناقشه فيها ويهنئه على خياله المبدع.

من معرضه الأول الذى شارك البابا شنودة وشيخ الأزهر الراحل د. سيد طنطاوى فى افتتاحه، وحتى المعرض القادم الذى يجهز له فإن أمير وهيب تجربته تستحق أن تروى، كنموذج لفنان مصرى شاب قرر أن يغزو العالم بموهبته، ويطوف الدنيا حاملا معه ثقافته المصرية، مفتخرا بأنه حفيد بانى الهرم الأكبر.

إلى أمير وهيب الرسام المصرى العالمى الموجود فى القاهرة هذه الأيام جلست أسمع منه واستمتع بحديثه وأشاركه أحلامه وحماسه لمشروعه بتجميل ميادين مصر، ويقينه بأن تجديد الخطاب الدينى يبدأ من الاهتمام بالفن التشكيلى وبنشر الجمال وإشاعة الذوق والتذوق.

(1)

كان الرسم قدرى، من وأنا تلميذ كنت "شاطر" فى الرسم، وكنت أنبهر بنموذج الرسام الواقف أمام لوحته أكثر من نجوم السينما، ومن حسن حظى أن النشاط الفنى فى مدرستى كان له وجود حقيقى ويحظى باهتمام ومتابعة، ولأنى كنت من المميزين فى الرسم فكانوا يعلقون رسوماتى مع بقية الموهوبين فى اللوحة الكبيرة فى "كوريدور" المدرسة، وساعات فى الفسحة أو فى نهاية اليوم الدراسى كنا نقف نتكلم عن رسوماتنا، كنت لحظتها أحس بسعادة لا توصف.

وتواصلت الأقدار السعيدة، ففى دراستى الثانوية بمدرسة "الفرير" بالضاهر كان من حسن حظى أن مدرس الرسم كان هو نفسه النحات المعروف سعد قدرى، والذى اضطر للعمل كمدرس للرسم بعد أن ثبت له بالتجربة أن النحت "لا يؤكل عيش".. هو الذى شجعنى على دخول كلية الفنون الجميلة، ووجهنى بدخول شعبة "علمي" لأتمكن من تحقيق حلمى بالالتحاق بقسم العمارة الداخلية "الديكور"، ووقتها كنت قرأت خبرا فى الجرائد بأن ابنة الملياردير العالمى الشهير أوناسيس ستتزوج من مهندس ديكور، فرحت جدا وقلت على  بركة الله أدخل ديكور يمكن تحبنى أنا الآخر ابنة ملياردير!

واختيارى لقسم العمارة كان عن قناعة واقتناع بأن فن العمارة هو أهم ما توصل له الإنسان، وهو الحكم والمقياس لحضارة الشعوب وثقافتها وتطورها وهويتها.. ولذلك لا أبالغ عندما أقول دوما إن ما حققه المصريون القدماء من إعجاز فى فن العمارة يدل ويثبت أنهم كانوا وما زالوا سابقين الدنيا كلها.

بعد تخرجى اشتغلت تحت التمرين فى مكتب مهندس شهير، وسألنى مرة عما إذا كان لديّ لوحات خاصة يمكننى المشاركة بها فى معرض قادم، وفعلا قدمت له لوحات قديمة عندى فأعجبته بشدة وقال فيها آراء علمية ونقدية لفتت انتباهى وحمستنى لعمل لوحات جديدة، وحتى يطمئن قلبى وأتأكد أن ما قيل فى لوحاتى حقيقة وليس مجاملة ذهبت إلى أتيليه القاهرة وسألت عن ناقد تشكيلى يتميز بالنزاهة والموضوعية فدلوتى على شيخ النقاد يومها وهو الأستاذ كمال الجويلى، ولما رأى الرجل لوحاتى قال رأيا أسعدنى جدا.

ومن حماس الرجل لشغلى وإيمانه بموهبتى توسط لى عند السيدة سلوى المغربى التى كانت قد افتتحت قبلها بشهور جاليرى "خان المغربي"، وذهبت لمقابلتها وأعجبتها أربع لوحات وقررت أن أشارك بها فى معرض جماعى لشباب الفنانين يستضيفه الجاليرى لمدة 6 أيام فى شهر يناير 1996، وبان لى أنه معرض يقام على سبيل استغلال الوقت أو صدقة على الفنانين الشبان، فقد تزامن موعده مع شهر رمضان وإجازة عيد الأقباط فى 7 يناير، ولذلك ترددت فى المشاركة خاصة وأنها كانت ستكلفنى مبلغا معتبرا لبروزة اللوحات وقلت لنفسى ما الداعى لتلك الغرامة إذا كانت اللوحات ستعود إليّ بنسبة 99%، لكن والدى الذى كان راعيا لمشروعى وأكبر المؤمنين بى هو الذى تحمس وأقنعنى بالمشاركة، وكان ذلك من حسن حظى.. بل كان أمرا فارقا فى حياتى.

ففى خلال أربعة أيام -صافى أيام المعرض- بيعت لى 3 لوحات من أصل أربع؛ منها لوحة أعجبت د. أحمد نوار رئيس المركز القومى للفنون التشكيلية وقتها واشتراها لصالح متحف الفن الحديث مقابل 1500 جنيه.. لكن الأهم من بيع لوحاتى، ومن الاحتفاء الإعلامى الواسع بى صحفيا وتليفزيونيا وإذاعيا، هو ذلك النيشان الذى حصلت عليه من الفنان الكبير حسين بيكار، فقد قابلته فى أول أيام المعرض، وتوقف عند لوحاتى وأشاد بها، بل صفق لها، وقال لى كلمة محفورة فى ذاكرتي: لو استمريت على المستوى ده ح يكون فى مصر فنان كبير.

ومن فرط حماسه لى طلب أن أعرض عليه أى مجموعة جديدة أعملها، وزرته مرتين فى بيته بالزمالك القريب من قاعة بيكاسو، ورسمت له لوحة فى مرسمه أخذتها منى سوسن سالم صاحبة قاعة دروب.

هذه هى بداياتى.. وبالطبع أنا فخور بها.

(2)

هناك حدث آخر فارق فى بداياتى لا أستطيع إغفاله، بل كان سابقا لمشاركتى فى هذا المعرض، فقد حدث عندما قابلت مدام سلوى المغربى وأعجبها شغلى، وقبل أن نتفق على مشاركتى فى معرضها فوجئت بها تتصل بواحدة اسمها ماجدة حجى مديرة قاعة بيكاسو، وقالت لها تليفونيا: عندى فنان شاب اسمه أمير وهيب وعامل لوحة اسمها "العشاء الأخير" ح أبعتهولك مع اللوحة لو عجبتك ممكن تضميها لمعرض "مشاهد قبطية".. و"مشاهد قبطية" معرض كانت تجهز له قاعة بيكاسو ويشارك فيه فنانون شبان بلوحات من وحى ثقافتنا القبطية، ولم يكن معرضا دينيا كما قد يوحى اسمه.. وأعجبتها اللوحة، بل ووضعتها فى صدارة القاعة، وجاء البابا شنودة وشيخ الأزهر سيد طنطاوى لافتتاح المعرض (سبتمبر 1996)، ويومها توقف البابا أمام لوحتى ودار بيننا حوارا حولها، وأذكر أنه قال لى لحظتها: برافو عليك.. خيالك ما شاء الله عليه.. صحيح خيال الفنان مالوش حدود لكن يبقى مجرد تجلى للفنان الأعظم خالق السماوات والأرض ومبدع الكون.

وصحيح أن مشهد العشاء الأخير للمسيح وتلاميذه كان محل اهتمام فنانين عالميين لعل أشهرهم لوحة الفنان ليوناردو دافنشى، لكن ملاحظتى أنه صور المسيح وتلاميذه كما لو كانوا فى صورة فوتوغرافية، فقام بـ"رصهم" ستة على الشمال وستة على اليمين فى لقطة شبه فوتوغرافية.. أما رؤيتى التى قدمتها فى لوحتى فكانت كأنها نظرة طائر، وكأننى دخلت عليهم بكاميرا من فوق، فبدت طبيعية أكثر، وهو ما أثار إعجاب من شاهدوها.

فالفن فى رأيى قادر على أن يجعل الإنسان أكثر قربا من الله ومعرفة به.. ولذلك لن أملّ من القول بأن تجديد الخطاب الدينى يبدأ من الاهتمام بالفن التشكيلى..

فإذا كانت غاية الدين هى الأخلاق، فإن أفضل ما يسمو بالأخلاق هو الذائقة الفنية، فأن تصنع مواطنا لديه إحساس بالجمال والذوق هى البداية الصحيحة لتجديد الخطاب الدينى، التجديد الذى بُح صوت الرئيس السيسى من الدعوة له والمطالبة به.. لكن يبدو أن هناك من يريد الإبقاء على الوضع الراهن بكل ما فيه من عشوائية وفوضى وتشدد وعبث.. يعنى فى مقابل تحريم فن النحت ومعاداة الفنون الجميلة تجد أن هؤلاء المتشددين والمتعنتين لا يجدون غضاضة مع فنون مبتذلة مثل الرقص الشرقى العارى..!

كيف تريد أن تقنعنى أن النحت هو فن شيطانى، ويمكن ونحن فى القرن الواحد والعشرين أن يتدافع الناس لصناعة تمثال وعبادته!.. ما هذا العبث؟!

إذا أردت أن تعيد للناس إنسانيتهم وأخلاقهم فيجب أن تبدأ بنشر الجمال فى حياتهم، ولذلك أحلم بمشروع قومى لتجميل ميادين مصر فى كل محافظاتها.. وأتصور أن لدينا ما لا يقل عن 2000 ميدان فى مصر، ففى حى مصر الجديدة حيث أقيم الآن أحصيت 20 ميدانا، والميدان كما أتصور هو البرواز أو الشاشة التى يمكنك أن تعرض من خلالها مادة فنية ترتقى بالناس، وتطوير كل ميدان يحتاج إلى فنان ومعمارى ونحات، هذا بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الفنيين من سباكين وكهربائية وعمال معمار، وكل ميدان هو مشروع فى حد ذاته لتشغيل الشباب، وأما عن التكلفة فهناك حلول كثيرة للتمويل الذاتى بحيث لا تتحمل الدولة أيه أعباء، فيمكن مثلا أن تحصل الشركات والبنوك الكبرى على حقوق انتفاع أو عرض إعلاناتها فى الميدان الذى ستتولى تجميله على نفقتها..أتصور أنه مشروع قومى يمكنه أن يغير شكل مصر.. وأخلاقها!

(3)

أعود إلى تجربتى الشخصية وطريقى إلى العالمية.

وأبدأ بتلك المصادفة السعيدة التى جعلت سيدة لبنانية تقيم فى مصر تقتنى لوحة من لوحاتى، ومن فرط إعجابها باللوحة وشغلى عرضت عليّ أن أرسم لوحات جدارية فى بيتها الفخم وفى مدرستين خاصتين تمتلكهما فى التجمع والمعادى، وشجعتنى على أن أشارك فى المعارض الفنية ببيروت، وفعلا كانت لبنان هى البلد الأول فى رحلاتى الخارجية، وبعدها كانت روما عن طريق سيدة إيطالية متزوجة من صديق مصرى، وفى المركز الثقافى المصرى فى روما (مارس 2001) كانت تلك النصيحة من مديرة المركز التى غيرت حياتى، فبحكم خبرتها وتجربتها نصحتنى إن أردت تحقيق نجاحات عالمية أن تكون وجهتى هى نيويورك، لا باريس ولا روما ولا أى عاصمة أوربية، فنيويورك هى مستقبل الفن التشكيلى وعاصمته الفعلية والحقيقية، وفعلا صدقتها واقتنعت بكلامها، ولما رجعت إلى مصر كان أول ما فعلته أن ذهبت لمقابلة المستشار الثقافى الأمريكى وطلبت منه مساعدتى فى عرض لوحاتى فى نيويورك، وكل ما فعله أن وجهنى للبحث فى الإنترنت ذلك الاختراع السحرى الجديد وقتها لجمع معلومات عن قاعات العرض فى نيويورك وشروط المشاركة فى معارضها، قعدت 3 شهور أقوم بالبحث عن قاعات العرض هناك ومراسلاتها، وفى الوقت الذى تلقيت فيه موافقة بالسفر والعرض حدثت كارثة ضرب البرجين فى 11 سبتمبر، المفاجأة أن الدعوة وصلتنى بعدها بأسبوع وتحديدا يوم 18 سبتمبر بعد ما كدت أفقد الأمل، بل فوجئت بحماس من الجهة الداعية، وكنت أول فنان مصرى يسافر أمريكا بعد ضرب البرجين، والحقيقة لما رحت مانهاتن شعرت بانبهار شديد، ولك أن تعرف أن هذه المدينة وحدها فيها ما يقرب من ألف قاعة عرض، والقاعة الواحدة فى اتساع الصالة المغطاة وبارتفاع 8 مترات، حاجة أذهلتنى وأشعرتنى بالضآلة من فارق الإمكانيات.

كان عندى خياران بعدها، إما الإحساس بالهزيمة والانسحاق والعودة إلى مصر، وإما قبول التحدى والبحث عن أفكار جديدة تدفعنى للمنافسة فى هذا المناخ الذى لا يعترف إلا بالتميز والإبداع والتفرد..

وقادتنى المصادفة السعيدة ذات يوم للمرور من أمام برج الساعة، وأدهشنى الاسم وعرفت أن سطح البرج به ساعة عملاقة وصممت على الصعود لمشاهدتها رغم تعنت الحارس، وفى تلك اللحظة ولدت فكرة أول معرض "ساعات فى المدينة"، وقعدت لمدة 10 أسابيع لمدة 10 ساعات يوميا أبحث فى شوارع مانهاتن عن ساعاتها المميزة، وقعدت 6 شهور رسمت فيهم 28 لوحة، كل لوحة كانت تستغرق بين 50 و 90 ساعة رسم..

كان هذا المعرض سبب شهرتى عالميا، وكتبت عنى أكبر صحف ومجلات العالم، وجعل اسمى يتردد فى كل مكان.. من أمريكا وإنجلترا إلى روسيا واليابان.

التفرد يبدأ من الفكرة، والفنان هو مزيج من المفكر والصنايعى، لكن يبقى الإبداع فى الفكرة.. ومعرضى القادم سيكون متفردا فى فكرته التى بدأت بمصادفة طريفة عندما تقلص طول القلم الرصاص الذى أرسم به اسكتشاتى فأصبح أقل من نصف سنتيمتر، فأحضرت حجرا وهرسته وظللت أضغط على الرصاص حتى خرجت بأشكال غير مسبوقة.!

مغامرة فنية جديدة أتمنى أن تنتهى نهاية سعيدة!

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد