فى مساء يوم جمعة من أيام شهر فبراير من عام 1976 كان الشاب الصغير محمود كمال الشنوانى الطالب بالفرقة الأولى بطب قصر العينى، والذى لا يتجاوز عمره التاسعة عشرة عاما يسير
فى مساء يوم جمعة من أيام شهر فبراير من عام 1976 كان الشاب الصغير محمود كمال الشنوانى الطالب بالفرقة الأولى بطب قصر العينى، والذى لا يتجاوز عمره التاسعة عشرة عاما يسير برفقة عدد من أصدقائه فى شوارع وسط البلد، وكانت مفاجأة مذهلة وسارة وسعيدة للشنوانى أن يجد أمامه الرجل الذى فتن بسحر رواياته وعاش فى رحابها وتجول معها فى شوارع وأزقة وحارات وبشر القاهرة.. الرجل الذى فتح أمامه دنيا جديدة لم يكن يعرفها وحياة تغص بالناس والأحداث وقصص الحب والبطولة والفتونة لم تخطر على باله يوما ما.. وجد أمامه الأستاذ نجيب محفوظ بكامل هيئته يقف على الرصيف أمام مقهى ريش لكى يوقف تاكسيا يوصله إلى شقته بالعجوزة.. وبمحبة كبيرة تقدم محمود ليصافح الأديب الكبير ويعرفه بنفسه.
لتبدأ صداقة وصحبة فى الأدب والإنسانية والحياة بين الأديب الكبير وطالب الطب الذى أصبح طبيب أطفال شهيرا.. صحبة استمرت ثلاثين عاما بالتمام والكمال ليصبح الدكتور محمود الشنوانى واحدا من أهم وأكبر مريدى وأصدقاء أديب نوبل.
يقول الدكتور محمود الشنوانى عن ذلك اللقاء الأول وتلك اللحظة السعيدة التى ظل ومازال ممتنا لها طوال الوقت: كنت قد قرأت عددا كبيرا من روايات الأستاذ وسحرنى عالمه الروائى الزاخم والاستثنائى، وحين فوجئت به يقف أمام مقهى ريش لم أتردد ولو لثانية واحدة فى أن أتقدم إليه وأمد له يدى قائلا بفرحة طفولية هائلة: ازيك يا أستاذنا أنا محمود الشنوانى طالب بكلية الطب ومن كبار المعجبين برواياتك.. قلت هذه الكلمات البسيطة سريعا ونظرت إلى وجه الأستاذ باحثا عن رد فعله ثم أصابنى الخوف والوجل للحظات، ولاحظ هو خوفى وارتباكى المفاجئ.. وبمنتهى الأبوة والإنسانية والود واللطف والتواضع قال لى: شكرا يا دكتور .. تحب تيجى تقعد معانا يوم الجمعة من كل أسبوع الساعة خمسة ونصف هنا فى مقهى ريش؟.. وأجبته سعيدا بعد أن أزال رهبتى: طبعا طبعا يا أستاذ.. ومنذ الجمعة التالية أصبحت "لازق" لأستاذنا نجيب محفوظ ولمدة ثلاثين عاما كاملة.
وش السعد
وهناك بالطبع لحظات سعادة وفخر كثيرة أخرى بعد صدفة اللقاء الأول الجميلة حازها الدكتور محمود الشنوانى طوال مشواره الممتد فى صحبة نجيب محفوظ.. وعن أهم هذه اللحظات يقول الدكتور محمود:
فى أغسطس عام 1988 وقبل حصول أديبنا الكبير على جائزة نوبل بشهرين فقط، وكنت وقتها قد أصبحت واحدا من أصفيائه، دخلت عش الزوجية وكان طبيعيا أن أوجه أول كارت دعوة لحضور حفل الزفاف إلى الأستاذ نجيب.. وبالطبع كنت أعلم تماما أنه لا يحضر هذه المناسبات على الإطلاق لا لى ولا لغيرى مهما بلغت درجة حبه لصاحب المناسبة لكنى أعطيته الدعوة، مدركا أنه لن يحضر، غير أن نجيب محفوظ فاجأنى بإرسال برقية تهنئة رقيقة فى يوم الزفاف.. وبعد الزواج بشهرين كاملين وفى يوم الخميس الموافق 13 أكتوبر عام 1988 طقت فى دماغى أن أصطحب زوجتى إلى مؤسسة الأهرام للسلام على الأستاذ وشكره على برقية التهنئة التى أرسلها لى بمناسبة زواجى، وذهبنا إلى الأستاذ فى مكتبه بالأهرام وجلسنا معه حوالى ساعة نتكلم وندردش فى أمور مختلفة ثم استأذناه وعدنا إلى بيتنا ونزل هو بعدنا مباشرة إلى بيته بالعجوزة، وبعد أن تركناه بساعتين فقط جاءنا الخبر التاريخى السعيد بفوزه بجائزة نوبل.. وفى اليوم التالى مباشرة يوم الجمعة حرص الأستاذ على حضور ندوته الأسبوعية التى كانت قد انتقلت من ريش إلى كازينو قصر النيل، وقد كنت وقتها من حضورها القدامى وطبعا اختلف الوضع تماما فى ذلك اليوم، إذ جاء الأستاذ محاصرا بالكاميرات والميكروفونات وبرجال الإعلام من كل حدب وصوب.. ورغم الزحام الشديد الذى لم يعهده الأستاذ من قبل وحين هممت بالسلام عليه وتهنئته نظر لى مبتسما ابتسامة عريضة، وقال: انت وش السعد، وأعتبر ذلك اليوم الذى قال لى فيه نجيب محفوظ هذه الجملة اليوم الأهم فى حياتى.
مع محبتى
هنا يترك محمود الشنوانى العنان لذكرياته الكثيرة عن نجيب محفوظ ومعه: من أسعده حظه مثلى بصحبة الأستاذ فالانطباع الأساسى الذى يترسخ لديه عنه هو البساطة والتواضع، وقبلهما الاهتمام الصادق بالآخرين، وهو كان يمارس هذا الاهتمام بالناس بصدق حقيقى وهو يفعل هذا تجاه الجميع بلا استثناء، فقد كان ينصت لنا ويسمع منا ويتفاعل مع كل أمورنا بهذا الاهتمام الكبير وهو هنا يتعامل بهذا المنطق مع كل الأجيال وتخيل مثلا أننى حين بدأت حضور ندواته فى سن التاسعة عشرة كان يسألنى عن دراستى وصعوبات دراسة الطب كأنه أب يريد أن يطمئن على ابنه.. وأظن ظنا فى محله تماما انه تولد لدى الاستاذ بمرور الزمن وطول العشرة إحساس شخصى لديه بالأبوة تجاهى.. وفى أواخر حياته اختارنى الأستاذ لأجلس لصيقا له حتى أنقل إليه ما يود الحاضرون فى ندواته قوله له، فكنت أقرب فمى تماما من أذنه اليسرى لأنقل له ما يقوله الآخرون، وأعتقد أنها دلالة قدرية أننى كنت الوحيد بالإضافة إلى أسرته الصغيرة الذى دخل القبر مع جثمان الأستاذ وكنت آخر من وارى جثمانه، ذلك أننى حضرت الجنازة فى مسجد سيدنا الحسين، ثم توجهت مباشرة لمدفنه على طريق الفيوم، ولم أحضر جنازته الرسمية التى حضرها مبارك بمدينة نصر، وجاء جثمان الراحل الكبير إلى حيث مكان الدفن، ولكن أسرة الأستاذ تأخرت فى المجىء نصف ساعة كاملة بسبب الزحام، ووقفت بجوار النعش حتى جاءت الأسرة وكنت ضمن من حملوا النعش ونزلت معه إلى مثواه الأخير.. ويواصل د. محمود: محفوظ كان يهتم بالإنسان كإنسان، وربما يتضح هذا الأمر جليا فى إبداعه ورواياته، فحتى الشخصيات الروائية التى تمثل جانب الشر فى أعماله كان يصبغها ويقدمها بشكل تبدو فيه الجوانب الإنسانية لهذه الشخصيات، مثل شخصية سعيد مهران على سبيل المثال فى رائعته "اللص والكلاب"، فما بالك بالبشر الحقيقيين فى الواقع.. إن من كان يدخل فى دائرة نجيب محفوظ ويصبح من رواد ندواته ربما يتعامل فى البداية مع الأمر بمنطق أنه يجلس فى حضرة أديب كبير وشهير ولكن بعد شوية ندوات قليلة سوف تتوارى لديه شخصية الأديب الشهير وتظهر العلاقة الإنسانية، فكأنه يجلس مع والده أو شقيقه الأكبر أو صديقه القريب أو شيخه المحب.
هنا يتذكر الشنوانى: فى أوقات كثيرة خاصة فى سنواته الأخيرة التى كانت دائرة أصدقاء الأستاذ هى دائرة اتصاله بالحياة كان نجيب محفوظ يقول لنا: مش عارف لولا وجودكم معى كانت الحياة هاتبقى ازاى.. سمعته يقول هذه الجملة كثيرا فى السنوات الأخيرة من حياته وكأنه يمتن لنا مع أن العكس بالطبع هو الصحيح تماما.
وهنا قلت للدكتور محمود الشنوانى: هل كان نجيب محفوظ يصطفى بعضكم بحكم العشرة الطويلة بدليل أنك مثلا كنت الوحيد الذى كان الأستاذ يهديه أعماله فى سنواته الأخيرة بجملة مع حبى أو مع محبتى؟، ويجيبنى الدكتور الشنوانى قائلا: فى بداية تعرفى على الأستاذ ومواظبتى المتواصلة على حضور ندواته ولسنوات طوال كان يهدينى أعماله بكلمات من قبيل تحياتى أو اعتزازى أو تقديرى، أما فى سنواته الأخيرة فقد أصبح الإهداء مصحوبا بجملتى مع حبى أو مع محبتى، وأرى أن الأستاذ ربما كان يصطفى البعض نسبيا لكن هذا الأمر لم يكن يظهر أثناء الندوات إطلاقا، فقد كان يعاملنا جميعا على قدر المساواة ولم يكن ينفرد بالحديث أو يطيل فى كلامه، وكان يحب أن يسألنا عن آرائنا فى القضايا المختلفة ودائما ما كان يحب أن يستمع، فهو يستمع بنسبة تسعة إلى عشرة ويتكلم بنسبة واحد إلى عشرة فقط ولكن المشاعر الإنسانية الحميمة ومشاعر الود والامتنان زادت عند الأستاذ تجاه أحبائه ومريديه فى سنواته الأخيرة عقب حادث الطعنة الغادرة الذى تعرض له الأستاذ فى الرابع عشر من أكتوبر عام 94 وقد أصبح عددنا أقل بعد هذا الحادث وصار محدودا لاعتبارات الحرص على صحة الأستاذ وعدم تحميله عبء الحوار والنقاش مع عدد أكبر.
الطعنة.. وأولاد حارتنا
هنا وبمناسبة سيرة حادث الطعنة يتحدث الدكتور محمود الشنوانى بكثير من الأسى: بعد هذا الحادث شعرت وكأن نجيب محفوظ جرح نفسيا وبشدة أنه تعرض لهذا الأذى.. الرجل كان محبا للناس جميعا، كان يمشى ويسير فى الشوارع بينهم يقف معهم يستمع منهم ويتحدث إليهم ويوافق على أن يلتقطوا صورا له معهم، ولم يكن أبدا يصدر منه ما يدل على أنه شخصية عامة واستثنائية أو محاطة بسياج يحجبها عنهم يتعرض لهجوم كهذا!! فما الذى حدث ولماذا حدث؟ هكذا كان يسأل نفسه، وقد حدثنا الأستاذ كثيرا عن الاضطرابات الاجتماعية التى تقود إلى التطرف الدينى التى أنتجت ذلك الشاب المتطرف الذى طعنه فى رقبته وكان يتفهم طرائق تعامل الناس مع الدين وكان يدرك أن الشاب الذى حاول قتله قد سلبت إرادته وشل تفكيره تماما وكان أول ما جاء فى ذهنه بعد هذه الطعنة الغادرة هو كيف وصل التطرف بشاب فى مقتبل عمره لكى يحاول اغتيال رجل كان التعبير عن المجتمع المصرى ومحبته هما شغله الشاغل طوال حياته.. قال لنا محفوظ إن تفكيره لم يصل أبدا إلى تصور أن يطاله التطرف ويتربص به المتطرفون بشكل مباشر، لذلك كان تأثير الحادث سلبيا جدا عليه من الناحية النفسية ربما بشكل أكبر عن الناحية الجسمانية.. وهنا ينتقل الحديث بشكل مباشر إلى رواية أولاد حارتنا التى كانت سببا فى أن يستل الشاب المتطرف سكينه ليطعن به صاحب نوبل، رغم أن هذا الشاب مستلب الإرادة والتفكير لم يقرأ الرواية وإنما سمع عنها من بعض أساتذته فى التطرف.. لأسال الدكتور محمود عن تعاطى الأستاذ مع الأسئلة الكثيرة التى كانت توجه إليه بخصوص "أولاد حارتنا".. ليجيب: الأستاذ مل من الأسئلة الكثيرة عن أولاد حارتنا، ومن المرات النادرة جدا التى رأيت فيها نجيب محفوظ منفعلا مرة سأله فيها صحفى أجنبى عن "أولاد حارتنا" وارتباطها بازدياد التطرف.. رأيته وقتها غضبانا جدا وهو يلمح إلى أن هذا الصحفى وغيره يريدون منه أن يتحدث مرارا وتكرارا عن الرواية وعن الإرهاب والتطرف بمناسبة وبدون مناسبة.
آراء جريئة وناقدة
ويواصل د. الشنوانى: أستطيع أن أقول إن نجيب محفوظ نادرا ما كان ينفعل، فقد كان يغلب عليه الهدوء وضبط انفعالاته واستيعاب انفعالات الآخرين، لكنه وعلى غير عادته وفى أحوال أخرى نادرة كان يبدو منفعلا جدا على غير عادته مثلما ذكرت آنفا بخصوص انفعاله على الصحفى الأجنبى الذى استفزه بالسؤال حول "أولاد حارتنا".. وأذكر هنا أن وقائع غرق بعض شبابنا الذين كانوا يغامرون بالهجرة إلى دول أوربية بطريقة غير شرعية عبر قوارب غير مهيأة للسير فى البحار مسافات طويلة كانت تستفزه جدا وتثير حنقه وسخطه وحزنه الشديد تماما كما كانت أية حوادث تتعلق بالفتنة الطائفية تثير انفعالاته الشديدة وهى أمور تكررت كثيرا فى عصرى السادات ومبارك، وكان الحزن "بيظهر جدا عليه" حينما كان يسمع تلك النوعية من الأخبار.
هنا أستطيع أن أقول بكل الصدق إن الأستاذ كان ينتقد مبارك ونظامة كثيرا وكان النقد الذى يوجهه لمبارك وعصره يظهر جليا فى تعليقات لاذعة يطلقها على خلفية الأحداث المختلفة، لكنه كان يقول رأيه دون أن يسمح لأحد أن يتاجر به، وهو فى حقيقة الأمر لم يرد أن يعبر عن آرائه فى الحياة والسياسة والمجتمع من خلال حزب سياسى أو إطلالة صحفية، وطرائق التعبير عن الرأى تختلف من شخص لآخر، فهناك من يعبر عن رأيه بأسلوب صارخ أسلوب من يقف فى الشارع ويرفع صوته، وهناك من يعبر أيضاًعن رأيه بهدوء وتعقل واتزان، وكان الأستاذ من النوع الثانى، غير أن نجيب محفوظ كان يعبر أيضا عن آرائه ومواقفه فيما أنتجه من إبداع، وكما ذكرت كان الرجل ينتقد بشدة فى ندواته معنا دون خوف أو وجل.. يكفى أن أقول إننى سمعت من الأستاذ نجيب شخصيا انه فى عصر عبد الناصر وبعد نشر رواية "ثرثرة فوق النيل" التى وجهت انتقادات عنيفة لنظام ناصر صدرت الأوامر باعتقاله دون علم عبد الناصر، وتحركت سيارة بوليس فعلا قاصدة منزله للقبض عليه، ولكن شخصا من مؤسسة الرئاسة عرف بالأمر وأخبر الرئيس بالموضوع، فأصدر أوامره والسيارة فى الطريق إلى منزل محفوظ بعودتها.. وقد سمعت هذه الرواية بنفسى من نجيب محفوظ.. أما القصة الشائعة بأن ثروت عكاشة أكد لعبد الناصر الذى طلب منه قراءة الرواية وإبداء رأيه فيها أن ما حملته الرواية من نقد يدخل فى حدود النقد المباح فربما كانت تالية لمسألة إيقاف ناصر اعتقال نجيب محفوظ، ولذلك أقول بكل تجرد أن كثيرين ظلموا محفوظ فيما يتعلق بآرائه ومواقفه السياسية، فهو لم ينافق أى نظام ولم يمالئ أية سلطة..
وبمناسبة الكلام فى السياسة أقول إن نجيب محفوظ كان معجبا إعجابا شديدا بسعد زغلول، وكان زغلول مع أم كلثوم هما العشق الأكبر فى حياته، وكان محفوظ يعتبر سعدا هو نموذج الزعيم السياسى وأبو الشعب، وكل زعيم آخر كانت نظرته إليه ورأيه فيه يتحددان طبقا لقياسه إلى سعد زغلول فى صفاته وطبيعة تحركاته السياسية ومواقفه الوطنية وزعامته الشعبية.
عن السلام والتطبيع
الكلام عن الزعماء وعن السياسة يقودنا كما يقول دكتور محمود إلى قضية أخرى مهمة، وهى تلك المتعلقة بموقف نجيب محفوظ من عملية السلام والتطبيع مع العدو الصهيونى، ذلك أن نجيب محفوظ واجه تعسفا غريبا ومريبا فى تصوير موقفه من عملية السلام ومن إسرائيل فالرجل كان مؤيدا لفكرة السلام على شكل يكاد أن يكون هدنة حربية، يعنى السلام هنا فى رأيه بمعنى عدم الحرب بسبب صعوبة تحقيق انتصار عسكرى حاسم "يبقى ليه ما تعملش هدنة تحت مسمى السلام وتهتم فى نفس الوقت بتطوير قدراتك، بحيث تصبح قويا جدا وقادرا على التعامل مع كافة الاحتمالات؟!" أتصور أن هذه الكلمات يمكن أن تعبر عن رأى محفوظ الحقيقى فى العلاقة مع إسرائيل، فهو لم يكن أبدا مع التطبيع والعلاقات العادية، لكن المغرضين حملوا الأمور أكثر مما تحتمل ومما هو حقيقى، وأقول هنا إنه رغم عظمة محفوظ وعبقريته وإنسانيته وتسامحه وحكمته لكن كان فيه ناس قليلة ما بتحبهوش وطبعا محفوظ كشخصية عامة كبيرة ليس فوق الانتقاد لكن هناك فارقا جوهريا بين النقد وبين الكراهية والتربص فى غير موضعه.
ولابد هنا أن أشير – يواصل دكتور محمود- إلى مسألة غضب يوسف إدريس وسخطه يوم فوز محفوظ بنوبل واعتقاده أن محفوظ فاز بها بسبب موقفه من السلام وأنه إدريس كان الأحق بالجائزة لأقول إن نجيب محفوظ كان حزينا وغاضبا من يوسف إدريس، وكان يرى أنه ازاى حد فى أهمية ومكانة يوسف إدريس يبقى ده رد فعله إزاء الجائزة، لكنه فى الوقت نفسه كان يدرك طبيعة النفس الإنسانية، وكان يرى أن انفعالات إدريس تسبقه، وعلى جانب آخر كان كان يقدره كمبدع تقديرا عاليا ويشيد بإبداعه وتوهجه، خاصة فى مجال القصة القصيرة، ولما توفى يوسف إدريس كان محفوظ حزينا ونعاه أمامنا وذهب للعزاء فيه.. وفى العزاء ظهر على وجهه الحزن والوجوم الشديد.
عاشق كلثومى
يواصل محمود الشنواني: بقدر ما كان الحزن يكسو وجه محفوظ حين تجىء سيرة موقف يوسف إدرييس يوم أن فاز هو بجائزة نوبل ويحاول ألا يتحدث كثيرا فى هذه المسألة كان على النقيض تماما يكتسى وجهه بالفرحة وتتهلل أساريره كلما جاءت سيرة الست أم كلثوم وكان يحب أن يعيد ويزيد فى الكلام عن تشريف أم كلثوم له فى عيد ميلاده الخمسين الذى أقامه له محمد حسنين هيكل بالأهرام عام 61 وكان هيكل يعرف حجم المحبة والتقدير اللذين يحتفظ بهما محفوظ لأم كلثوم، وجاءت الست وغنت فى عيد ميلاد محفوظ وكان اللقاء الأول والأخير الذى جمع بينهما على الرغم من أن محفوظ حضر عشرات الحفلات لسيدة الغناء العربى لكن بوصفه واحدا من كبار معجبيها لا بوصفه الأديب الكبير.
حدثنا الأستاذ كثيرا وحتى آخر عمره عن شغفه ومحبته لأم كلثوم وصوتها، وكلما جاء الحديث عن حفل عيد ميلاده الخمسين الذى أحيته الست كانت عين الأستاذ تلمع بالفرح، ويتذكر كل تفاصيلها كأن الحفلة كانت منذ ساعات، وكان محفوظ يحب كل أغانى أم كلثوم بلا استثناء، لكنه كان يرى أن "الأطلال" هى أعظم ما غنى فى تاريخ الغناء كله، ويكفى أن الأستاذ سمى ابنته الكبرى على اسم سيدة الغناء العربى "أم كلثوم".
وبالمناسبة كان محفوظ يحب كذلك موسيقار الأجيال، وكان يتذكر موقفا رأى فيه عبد الوهاب فى شبابه قبل أن يشتهر ويعرفه الناس، حين كان محفوظ صغيرا وكان يركب التروماى عائدا من مدينة ملاهى بالعجوزة، وكان يجلس فى مواجهته شاب تذكر ملامحه جيدا حين بدأت صور هذا الشاب تظهر على واجهات دور العرض السينمائى، وقد كان محمد عبد الوهاب -كما كان الأستاذ- صديقا قريبا جدا من الشيخ زكريا أحمد.
الحب الأول.. لقاء فريد
وبمناسبة الحديث عن أهل الفن وعلاقة محفوظ بهم يقول الدكتور الشنوانى: كان محفوظ يحفظ كثيرا من الطقاطيق والأغانى القديمة، وحين تقدم به العمر كان لا يزال يحفظ الكثير منها بكلماتها وألحانها.. أذكر أن سيدة أنيقة تعمل باحثة جاءت ذات يوم إلى ندوتنا فى حضرة الأستاذ لتقابله لأنها أرادت أن يحدثها الاستاذ نجيب عن مطربة قديمة كانت هذه السيدة حفيدة لها وتجرى بحثا عنها قالت له السيدة: أنا أجرى بحثا عن المطربة نعيمة المصرية وهى جدتى فأجابها الأستاذ بكثير من الثقة والتمكن: نعيمة المصرية كانت مطربة مشهورة جدا وهى التى غنت يا عزيز عينى ويا بلح زغلول ودى اللى استعنا بأغنيتها يا أبو البيريه الأحمر فى فيلم بين القصرين أول أفلام الثلاثية الشهيرة.. و كانت تدندن بها عيشة "هالة فاخر" ابنة أحمد عبد الجواد الصغرى وهى تقف فى البلكونة وهى تحلم بالزواج من الضابط حسن الذى يعمل بقسم الجمالية "رشوان توفيق"، ويومها ذكر لنا الأستاذ عددا هائلا من الأدوار والطقاطيق القديمة جدا، فقد كان نجيب محفوظ يتمتع بذاكرة جبارة ظلت حاضرة حتى آخر يوم فى عمره.. وقد كان لهذه الذاكرة التى حفظت تفاصيل الأماكن والأحداث والشخصيات الكثيرة دور كبير فى إبداع محفوظ الروائى.
وبمناسبة الثلاثية يقول الدكتور محمود الشنوانى: كلنا يعرف طبعا أن شخصية كمال الابن الأصغر للسيد أحمد عبد الجواد والتى جسدها نور الشريف على شاشة السينما هى نفس شخصية نجيب محفوظ فى الحقيقة، وفى الرواية كان كمال يحب فتاة تدعى عايدة شداد جسدتها ماجدة الخطيب على الشاشة.. هنا أذكر أنه فى أحد أعياد ميلاد الأستاذ فى سنواته الأخيرة ربما قبل رحيله بأربعة أعوام فقط أن جاء أحد أصدقاء الأستاذ القدامى وهو الأستاذ سامى البحيرى، وكان من أصدقاء محفوظ أثناء إقامته مع أسرته بالعباسية بصحبة شخص آخر، ومال الأستاذ بحيرى على الأستاذ وقال له: أنا جايب لحضرتك هدية معى، فقال له محفوظ: إيه، فأجابه البحيري: عباس شديد أخو عايدة.. وقد كان عباس هو الابن الأصغر لأسرة ثرية جاورت أسرة محفوظ فى العباسية هى أسرة عايدة التى أحبها محفوظ فى صباه الباكر، وقال بعضا من تفاصيلها لرجاء النقاش فى كتابه عنه، وهنا اكتست ملامح الاستاذ بالسعادة وبالدهشة فى الوقت نفسه وسلم على الأستاذ عباس سلاما حارا وسأله:
إيه الأخبار، هو انتم لسه فى العباسية، ومال عليه عباس وقال له: جايب لك هدية صورة للعيلة، وأخرج صورة قديمة باهتة ووضعها أمام الأستاذ قائلا له: عايدة اللى واقفة على اليمين.. وفى ذلك الوقت كان بصر الأستاذ ضعيفا جدا، فأخذ الصورة من عباس وقربها كثيرا من عينه وشعرنا أنه يحاول بأية طريقة أن يرى عايدة فى الصورة القديمة المتهالكة، وتابعت الأستاذ بتركيز شديد فأحسست أنه انفصل عن الواقع تماما وراح فى نوبة توهان وسرحان وهو ينظر للصورة ويقربها لعينه مرارا وتكرارا فى مشهد عظيم يليق بصاحب نوبل فى تفرده وعبقريته، وعرفنا أن عايدة هذه هى الشقيقة الكبرى لعباس وهى حب نجيب محفوظ القديم فى حى العباسية، وأنه كان يتذكرها دائما وأنه حين كتب الثلاثية جسد شخصيتها باسم عايدة شداد بينما اسمها الحقيقى عايدة شديد، أى أنه لم يغير فى الاسم سوى تغيير طفيف فى اسم الأب رغم أن نجيب محفوظ حين كان يتناول شخصيات حقيقية قابلها فى حياته فى أعماله الروائية كان يغير فى أسماء هذه الشخصيات تغييرا كاملا، لكنه فيما يخص عايدة أشار إليها بشكل يكاد يكون مباشرا ما يدل على أن عاطفته غلبته تماما فى تناوله لتلك الفتاة التى أحبها حبا عميقا بكل تأكيد وحتى فى آخر ما كتبه محفوظ "أحلام فترة النقاهة" وفى عدد من القصص كان يكتب دائما: قابلت السيدة عين أو رأيت السيدة عين تسير أمام البيت القديم، فى إشارة إلى اسمها "عايدة".. وظنى أن حبها ظل فى قلبه حتى النهاية.. انتهى الحوار ولا ينتهى الشغف عند الحديث عن نجيبنا المحفوظ.. فانتظرونا فى الأسبوع القادم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد