يبدو أن الشاعر ـ أى شاعر ـ قد يكون محظوظاً على نحو ما لو وهبه الله قبيلة من النساء تحرس تراثه وتحتفظ بأسراره، خصوصاً إذا أنجب عدداً من البنات والحفيدات، بحيث يأتى
يبدو أن الشاعر ـ أى شاعر ـ قد يكون محظوظاً على نحو ما لو وهبه الله قبيلة من النساء تحرس تراثه وتحتفظ بأسراره، خصوصاً إذا أنجب عدداً من البنات والحفيدات، بحيث يأتى رزقه بشكل ما من خلفة البنات، فإذا كنت شاعراً محظوظاً من مواليد أوائل القرن العشرين ووهبك الله حفيدة ولدت بعد موتك بعامين، درست وتعلمت فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة وفى عدة جامعات فى العالم الغربى وأصبحت رائدة فى مجال دراسات الترجمة، ثم تترك كل ذلك لكى تتفرغ وتنبش فى سيرتك وتفاصيل مشاريعك الثقافية وترجماتك ورواياتك، فأنت لا شك شاعر محظوظ، اسمه إبراهيم ناجى، المعروف اختزالاً بصاحب "قصيدة الأطلال"، وهذه الحفيدة هى ولا شك الباحثة المرموقة الدكتورة سامية محرز، أستاذة الأدب العربى ومديرة مركز دراسات الترجمة فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة.
لقد كان إبراهيم ناجى صاحب دواوين "وراء الغمام" و"ليالى القاهرة" و"فى معبد الليل" و"الطائر الجريح" والذى كدنا أن ننساه بسبب تطورات القصيدة المعاصرة شاعراً محظوظاً بلا شك، لأنَّ الحفيدة أعادت بعثه بالنبش فى سيرته الذاتية، لتقدم جوانب من يوميات مثقف مصرى أواخر عقد الأربعينيات من القرن العشرين، وعرضت صورة جريئة جداً لطبيب وشاعر أراد أن يدون "الجرائم الصغيرة" فى مفكرته الشخصية، فبدت لنا اليوم كأن سامية محرز تحاول "تنظيف مدخنة العائلة"، الأمر الذى يُسبب ـ بلا شك ـ الكثير من المرارة.
نعم، لقد فعلتها الباحثة حفيدة الشاعر، حين قررت أن تزور بيت جدها إبراهيم ناجى، وأن تفتِّش فى قلبه وعقله ومطبخه وسرير نومه عن الحكايات، لتصدر كتابها المهم: "إبراهيم ناجى زيارة حميمة تأخَّرت كثيراً"، عن دار الشروق، حيث أنجب الشاعر إبراهيم ناجى أمها أميرة ناجى من زوجته صاحبة الخُصلة البيضاء "سامية سامى"، سليلة الحسب والنسب، والتى كان تزوجها مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين، فأعادت "سامية ـ الحفيدة" تركيب صورة جدها الشاعر الرومانسى الذى عُرف عنه الاهتمام بالنساء والسقوط فى حبائلهن بسهولة.
لقد تمكنت الباحثة بذكاء أن تنال من السردية النمطية حول الشاعر، وأن تضع الكثير من قصص الحب الملفقة فى موقعها الطبيعى من حياته، حيث حمل ناجى خلال رحلة حياته القصيرة (1898 ـ 1953) أكثر من وجه، من وجه الشاعر الصعلوك المؤمن بالحرية ويؤسس "رابطة الأدباء" لينفق عليها من جيبه، إلى وجه الطبيب الذى يعطف على الجميع لكنه لا يتحدث أبداً فى السياسة، إلى وجه الشاعر الذى أمضى حياته يأكل "المفتَّقة" بنهم لعلاج النحافة، ويعمل أسيراً للوظيفة الحكومية على حساب الاهتمام بالشعر، متمَّنياً أن تغنى سيدة الغناء العربى قصيدةً واحدةً من تأليفه، الأمر الذى حدث بالفعل لكن ـ ويا للأسف ـ بعد 13 عاماً من رحيله.
الجميل حقاً فى هذا الكتاب أنك لا تقرأ فيه سردية حفيدة مجذوبة إلى جدها المشهور أو مغرمة به، بل أنت بالأحرى ـ على العكس ـ تتبع رحلة بدأت بالنفور من أشعار الجد والشعر العربى التقليدى عموماً، ووصلت إلى حد الفهم والدراسة ثم المحبة بعد سنوات طويلة، بدءاً من الفتاة التى تعانى صعوبات فى تعلم اللغة العربية، كونها نشأت على الإعجاب بالأدب الغربى، وحين عادت إلى جدها كانت مضطرة إلى العودة إلى اللغة العربية فى ذلك الزمان، وإلى واقعها الاجتماعى خلال النصف الأول من القرن العشرين، لا أقول إنها عين استشراقية نوعاً ما، بل هى عين تجولت عبر العالم واكتشفت موقعها فيه بدقة.
بهذه العين المستعارة إذن، تتبَّعت الباحثة بشغفٍ وإلمام سيرة عدة عائلات مصرية كبرى، أغفل التاريخ ذكرها لسبب ما، وآن لها أن تظهر فى تلك الصورة التى جمعت عائلات سبع من كبار الشخصيات ممن كانوا يعيشون فى أحياء "الغورية" و"الصنادقية" وجوار "الحسين"، حين قرروا الانتقال للعيش فى الخلاء أى فى "شبرا" وأسس زعماء هذه العائلات السبع سبعة قصور، أولها بيت الزعيم محمد فريد، يليه بيت حسونة الطويِّر وبيت المرجوشى التاجر بالغورية، وبعده بيت صبحى العطار التاجر بالصنادقية وبيت أحمد ناجى وبيت الشيخ إبراهيم الشرقاوى حفيد الشيخ الشرقاوى شيخ الأزهر زمن الحملة الفرنسية على مصر، والجد الأكبر لإبراهيم ناجى نفسه.
كنز ثمين
لا تنسى الدكتورة سامية محرز أن تذكرنا من أول سطر أنها لم تكن فى بداية الأمر من المتعاطفين مع أشعار جدّها، بمعنى أنها قطعت رحلة طويلة وشاقة لاستعادة الاهتمام بأشعار جدها، فقد كانت دائماً مضطرة إلى دراسة قصائده فى المرحلة الثانوية، وارتبطت قصائده بنفورها من قاعدة أساسية فى تعلم العربية هى قاعدة "الحفظ أكثر أهمية من الفهم"، لكن حين وصلت إلى سن النضج اكتشفت جدها، حيث استطاعت أن تستعيد علاقتها به، خصوصاً حينما وضع "القدر العائلى" بين يديها كنزاً ثميناً لم يفتحه أحد قبلها، يتضمن مذكرات ودفتر يوميات ومسودات وخطابات وقصائد وترجمات مهمة جداً تركها الشاعر الذى رحل فجأة، حيث سقط ميتاً فى عيادته بينما كان يكشف على أحد مرضاه، مارس 1953، الرجل الذى مات تاركاً إرثاً ثقافياً عظيماً لم يكن يعلم أنه سيبقى مطموراً سبعين عاماً ليظهر بعدها على يد حفيدة مخلصة، تعتبر هدية السماء له بعد الممات بسبعين عاماً.
ظلت العائلة تشعر أن الجد الشاعر مات فجأة دون أن يحصل على الكثير من التقدير الأدبى الذى يستحق، وتوارثت بناته "أميرة" و"ضوحية" و"محاسن" إرثه الثقافى العظيم المتمثل فى أوراقه وأشعاره ودفاتره وكتبه ويومياته وترجماته، مثل ترجمته قصائد من "أغانى شكسبير" وبعض قصائد "أزهار الشر" للفرنسى شارل بودلير، دون أن يجرؤن على تقديمها للناس، وهو الإرث الذى انتقل من ثم إلى حفيداته، حيث سافرت تلك الأوراق مع بعضهن إلى الولايات المتحدة مرات، ثم عادت لتستقر فى يد الحفيدة التى استعانت بحكايات أمها التى لاتزال على قيد الحياة، والتى أمدّتها بالكثير من التفاصيل والأسرار، ومنها أن هذه الأم أميرة ناجى حينما كانت صغيرة، كونت انطباعاً لا ينسى عن والدها إبراهيم ناجى، تقول الحفيدة: "تصف أمى أباها فى صومعته: يجلس مُحاطاً بجثث الذباب على مكتبه، وقد تصيده ببراعة وهو ينظم الشعر".
تكتب الباحثة بوعى جاد سيرة جدها من دون أى تدخل من جانبها، رافضة ممارسة أين نوع من الرقابة على نشر مذكراته التى تركها بخط يده ويتم نشرها هنا لأول مرة، رافضة نصائح أمها بالتخفيف من بعض الحكايات أو حذف بعضها الآخر وفق نصيحة خالتها "ضوحية"، تقول:
"إن مذكرات ناجى التى اعتبرتها "دو" سراً، هى هامش من هوامش حياته العامة، فإذا حذفنا منها "الأجزاء الشخصية" على حد تعبير خالتى، فسنخرج بمسخٍ يضافُ إلى كل المسخ الذى ابتدعناه لرموزنا السياسية والثقافية والفنية والغنائية والسينمائية، محولين كل هؤلاء إلى آلهةٍ معصومة".
الجرائم الصغيرة
بمثلِ هذه الجرأة قررت الحفيدة أن تتخلص من هذا الإرث الكبير بتقديمه إلى الناس على نحو ما وجدته يداها، تكتفى بتقديمه كما هو ولا تحاول تجميله أو تخفيفه، بل تستعيد عالم الشاعر إبراهيم ناجى من ماضيه وتجعله حاضراً معنا، بعدما أسقطت الكثير من المسلمات والأقنعة عن تلك الهالة "المسخ" المرسومة له، والتى حاول تثبيتها وتنميطها كثيرون ممن اهتموا بدراسته ومنهم الشاعران صالح جودت وحسن توفيق، لكن الدكتورة سامية محرز استطاعت أن تُثبت أن بعضها محض افتراءات تنافى العقل ولا يصدِّقها المنطق، مثلما حاول جودت أن يقنعنا أن الشخصية النسائية التى يتحدث عنها ناجى فى مذكراته برمز (ع.م) كانت واحدة من غراميات ناجى، وأنها كانت تدعى "عفت"، فقد ثبت عدم دقة هذا الكلام، واتضح أنها "علية محمود الطوير"، ابنة الجيران فى حى شبرا التى أحبها صغيراً لكنها تزوجت وسافرت إلى أوروبا لسنوات، لكنهما حين عادت ظلا أصدقاء بسبب صلات القربى بين العائلتين.
من بين الحقائق الدامغة التى حطمتها ـ صاحبة هذه الزيارة الحميمة التى تأخرت كثيراً ـ ما جاء مثلاً فى مسلسل "أم كلثوم" بخصوص ظروف اختيار قصيدة "الأطلال" للشاعر إبراهيم ناجى لكى تغنيها سيدة الغناء العربى، يقول المسلسل على لسان أحمد رامى (أداء الفنان كمال أبوريه): أنه وجدها عنده فى "الشكمجية"، وهى إشارة منافية للعقل والمنطق، إذ أن القصيدة التى تحمل اسم "الأطلال" نفسها نُشرت فى أكثر من مجلة أدبية ذائعة، وكانت فى ديوانه المنشور عام 1950، ولابد أن يكون رامى قرأها، حيث اعتمد ـ كما هو معروف ـ فى إعداد النسخة المغناة بصوت "السيدة أم كلثوم" على جزء من قصيدة أخرى لإبراهيم ناجى هى قصيدة "الوداع"، ولم يكن المؤلف بحاجة إلى قصة "الشكمجية" مطلقاً، فقد كان إبراهيم ناجى اسماً شعرياً معروفاً فى الأوساط الثقافية فى مصر وفى بعض بلدان العالم العربى، وكان فى الوقت نفسه صديقاً مقرباً من الشاعر أحمد رامى، لدرجة أن بنات إبراهيم ناجى كن ينادين الشاعر الكبير بـ "عمو رامى".
تقول الكاتبة: "عاش ناجى يتمنى أن تغنى له أم كلثوم، لكنها حسب رواية أمى كانت دائماً تقول له: إنت شعرك ما يتغناش يا ناجى" وهى محقة فى ذلك إلى حد بعيد..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية
بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية