سمعت لأول مرة عن "الحاجة زكية" من تلك الإشارة العابرة عنها، والتى وردت فى كتاب "سر المعبد" (الصادر عام 2012) للقيادى الإخوانى التائب ثروت الخرباوي، ففى سياق حديث مطول
سمعت لأول مرة عن "الحاجة زكية" من تلك الإشارة العابرة عنها، والتى وردت فى كتاب "سر المعبد" (الصادر عام 2012) للقيادى الإخوانى التائب ثروت الخرباوي، ففى سياق حديث مطول عن تلك القضايا التى كان محاميا فيها أمام القضاء العسكري، ووسط حكاياته عن تفاصيلها وإجراءاتها، فوجئ مرة بصديقه المسئول السابق المهم يحدثه عن "الحاجة زكية".
أنقل عن الخرباوى نص كلماته: "وقال إنها العارفة سليلة العترة النبوية المطهرة حضرة سيدنا الحسين، وقال لى إنه كان يحضر مجلسها الذى ينعقد بساحتها فى حى الجمالية إلى أن توفاها الله، وكان مما قاله إنها تنبأت بوفاتها قبل عدة أشهر من حدوثها، وأنها ذهبت إلى مقام جدها أبى الحسن الشاذلى بالحميثرة قبل وفاتها، حيث كانت لها استراحة هناك لتُدفن فى مقام بجواره، وقد قربنى ذكر الحاجة زكية من "العميد حسنين" إذ كنت أعرفها منذ سنوات بعيدة، فقد كان الأستاذ محمد علوان المحامى عليه رحمة الله الذى تربيت فى مكتبه أحد مريديها هو وزوجته الحاجة وداد الديب".
(1)
وبعدها سمعت عن هذه "العارفة" من الداعية الشهيرة د.عبلة الكحلاوى رحمها الله، حيث حكت عنها بتفاصيل موسعة وبوقائع كانت طرفا فيها، حيث أتيح لها أن تعرفها عن قرب وتنال من فيض "كراماتها".
وأنقل عن د.عبلة الكحلاوى ما سمعته منها عن الحاجة زكية:
"كانت سيدة شريفة من آل البيت، وكانت كفيفة وممتلئة الجسم، لكن كان عندها بصيرة عجيبة، وكان والدى رحمه الله (الفنان والمداح الشهير محمد الكحلاوي) يزورها باستمرار، وكانت تحبه وتقدره وكلما ذهب لزيارتها تقول له بود: تعالى يا أخويا.. ومرة أخذنى والدى معه لزيارتها، كان عندها "زحمة" وشخصيات مرموقة بينهم وزراء من العارفين بفضلها، فتركت الجميع وأشارت حيث أجلس أنا: تعالى يا بنت جنبى هنا.. أنتى بتاعتنا!.. لم أفهم كلمتها، وفوجئت بها تضع "حفنة" من الفلوس "الفكة" فى يدى وتقول بثقة :"خلى دول معاكي.. ح يبقوا كتير قوي"!
وتواصل عبلة الكحلاوي: "وتعددت زياراتى لها، وفى كل مرة كانت تكرر نفس الجملة الغريبة : أنتى بتاعتنا، ثم تمنحنى بعض القروش، والتى كنت أحتفظ بها ولا أنفقها أبدا، وتحققت بشراها وتحولت فيما بعد إلى ثروة طائلة.. المهم أن هذه السيدة الصالحة كانت تتلقى كل عام دعوة لأداء العمرة فى ضيافة الأمير محمد الفيصل، فكانت تنزل عليه فى "جدة" ثم يرسل معها سيارة ومرافق إلى مكة المكرمة.. وذات مرة بعد أن وصلت إلى مكة وقبل أن تؤدى العمرة قالت لمرافقها: عايزة أروح لعبلة، ولم تكن تعرف عنواني، وكنت حينها أقوم بالتدريس فى جامعة "أم القرى"، وكلما دخلت شارعا قالت لمرافقها: مش ده، وفى شارع المنصور قالت له: اسأل هنا، وبالفعل وجدت من يعرفنى ودلها على عنواني، وجاء من يخبرنى بقدومها، فاستغربت واتصلت بوالدى فى مصر لأخبره، فسألنى فى فرح: اختارتك إزاى يا بنتي..؟، ثم شدّد عليّ فى إكرامها والحفاوة بها، وتركت لها غرفتي، ولما جلست على سريرى فوجئت بها تقول لى فى بهجة: فرشتك حلوة قوى يا بت.. وألوانها جميلة! .. واستغربت من ملاحظاتها لأنها كفيفة!
ولثلاثة أيام بعدها لم أذق طعم النوم من كثرة زوارها ومحبيها الذين لم ينقطعوا ساعة واحدة، وكان عليّ أن أستقبلهم وأكرمهم، ولما قررت الحاجة زكية أن تنزل لأداء العمرة فجر اليوم الثالث أصر زوجى أن يحملها على ظهره رغم بدانتها لينزل بها السلم، كنت قد وصلت إلى مرحلة بالغة من الإنهاك والإرهاق فدخلت لأنام فى حجرتي، ففوجئت بالغرفة مضيئة بشكل لافت، وتصورت أن زوجى لم يسدل الستارة جيدا على الشباك، لكن ابنتى نبهتنى أن هناك "كوفرتة" فوق الستارة، واكتشفت أن النور ليس من ضوء النهار، وحاولت النوم فلم أستطع من فرط الأنوار التى تركتها الحاجة زكية فى حجرتي، وكدت أطير من السعادة عندما عرفت أنها دعت لى فى الكعبة.. رحمها الله".
فمن تكون هذه العارفة، الصالحة..التى سطعت أنوار بركتها فى مكة المكرمة؟!
(2)
اسمها زكية عبد المطلب بدوي، يمتد نسبها الطاهر من جهة الأب والأم إلى الإمام الحسين، فهى حُسينية النور، كان مولدها فى قرية "ميت سلسيل" التابعة لمركز المنزلة بمحافظة الدقهلية فى العام 1900 ميلادية على أصح الأقوال، ولما كان والدها من علماء الأزهر الشريف فقد وهب طفلته الصغيرة "الكفيفة" لحفظ القرآن الكريم، فحفظته وأتمته وهى ابنة الخامسة عشر من عمرها، وكانت مكافأتها أن ترافق والدها فى رحلته إلى الحج.
ولما كان الطريق البرى إلى الأراضى الحجازية وقتها يقتضى الوصول إلى ميناء "عيذاب" (القصير حاليا)، عبر طرق صحراوية شاسعة ووعرة، ولما كانت صحراء "عيذاب" تضم مقام القطب الصوفى "أبى الحسن الشاذلي"، ولما كان الأب "شاذلي" الطريقة والهوى فإنه كان يُحدّث ابنته كثيرا عن صاحب الطريقة، ومن حينها وقعت "زكية" فى هوى الشاذلي، ولم تكن تدرك حينها أنه مكتوب عليها أن تتبعه وتجاوره، وأن تلك الصحراء الشاسعة الوعرة التى كان قد اختارها – أو أُخُتيرت له – ستكون مرقدها الأخير.
وربما كان حبها للشاذلى سببا قويا فى قبولها للرجل الذى أختاره لها والدها زوجا، فقد كان ابن خالها الشيخ محمد المهدى شاذلى الطريقة والهوى، وقبِل أن تصحبه فى زيارته الأسبوعية إلى القاهرة لتحضر معه الحضرة التى تقيمها الطريقة يوم الجمعة.
أفاض الله عليها من محبته، لكنه شاء أن يحرمها من الإنجاب لمدة 18 سنة، إلى أن زارتها "السيدة نفيسة" فى رؤية حق، وبشرتها بأنها ستُرزق ببنت وحيدة، اسمها "نفيسة".. وقد كان.
زيارات زكية لمقامات الأولياء جعل قلبها شديدة التعلق بهم، فكانت تقضى بجوارهم أوقاتا طويلة، فى "وجد" لا يدريه إلا من يسكن فيه، وهو أمر لم يتحمله زوجها، بعد أن شغلها "الوجد" عن كل شيء بما فيها واجبات بيتها، فاستشار الزوج شيخه، وكان من أكابر الصالحين، فجاءه الرد: الشمس والقمر لا يجتمعان، ففهم الرسالة وعرف أن لها "مهمة" فى "الطريق" فطلقها.
كانت تجربتها الروحية قد نضجت، فقررت أن توقف نفسها وعمرها ومالها الذى ورثته عن والدها فى محبة الله، وبعد رحلات وخلوات استقر بها المقام بجوار جدها الإمام الحسين، وأقامت فى "زاوية" شيخها عبد الرحيم، وقصدها المريدون وأصحاب الحاجات، فلم تكن ترد سائلا ولا جائعا، وسارت على سُنة آل البيت فى إطعام الطعام، وكان دعاؤها الدائم: اللهم اجعل طعامى شفاء.
وذاع صيت السيدة زكية، ووقف الكبراء والفقراء على بابها، ورفعها العارفون إلى مراتب الأولياء، وقالوا فيها شعرا يعددون فيه فضلها ومناقبها وحسبها، وربما كان أشهره ما كتبه الشاعر الصوفى أحمد أبو الحسن، ومما قاله فيها:
حسين جدها سبط النبى / كرام الحى أعلام العشيرة
حباها المصطفى فضلا وعلما / لآلئ بها العين قريرة
عيون فى القلب بها تراكا / فحاذر عندها نور البصيرة
إذا صمتت يصافح نداها / وإذا نطقت فعن طيب سريرة
وكان العارفون بفضلها يقولون: من أراد أن يتعلم الأدب مع الله فليذهب إلى الحاجة زكية!
(3)
كانت عابدة زاهدة، مخلصة عارفة عالمة، لديها يقين فى الله، فمنحها الستر والتيسير والقبول، وصلت إلى كمال الاستقامة فرزقها بالكرامة.
حدث أن ذهبت لأداء العمرة فى العام 1979 وكانت على مشارف الثمانين من عمرها، وعندما كانت فى روضة جدها النبى عليه الصلاة والسلام رأت رؤية، كتمتها وعادت إلى مصر لتنفذها بحذافيرها، فقد أمرت بالانتقال إلى "حُميّثرة"، وما أدراك ما "حُميثرة"؟
إنها الأرض التى لا ينبت فيها الزرع.. وينبت فيها الأولياء..
إنها تلك الصحراء القاحلة فى جنوب مصر، والتى يطل منها جبل حُميّثرة بشموخه ووعورته، والتى شرفها مقام القطب الربانى أبى الحسن الشاذلي، ففى رحلته الأخيرة إلى الأراضى الحجازية دعا الله أن يموت ويُدفن فى أرض لم يُعص فيها الله، أرض بكر طاهرة من آثام البشر، فجاءته الإشارة الإلهية بأن يتجه إلى حُميّثرة، كان يعرف أنها أرض الموعد والمعاد، فطلب من مرافقه أن يحمل معه فأسا و"مقطف" و"كفن"، فلما بان على الصبى الفضول والذهول قال له أبو الحسن تلك العبارة التى ذاعت وشاعت: فى حُميّثرة سوف ترى!
ومنذ أن استقر بها أبو الحسن الشاذلى صارت حُميّثرة مقصدا للمحبين والعارفين، وجاءت الحاجة زكية لتبنى بيتا صغيرا فى تلك الصحراء الوعرة، وسط استغراب وتعجب الكثيرين الذين أشفقوا على تلك السيدة الكفيفة التى وهن العظم منها واشتعل الرأس شيبا من قسوة الطبيعة وصعوبة المعيشة، وبيقين الأولياء أصرت الحاجة زكية على البقاء، وحدث أن جاءها محافظ البحر الأحمر اللواء يوسف عفيفى ليعرض عليها أن يمنحها بيتا فى قرية "مجاويش" المجاورة للغردقة، وبلغة بليغة يحكى الأديب والباحث القدير أحمد أبو خنيجر ما حدث فى ذلك الموقف:
كانت الشيخة "زكية عبد المطلب" واحدة من مريدات الشاذلي، جاءت حسب رؤية رأتها، وقررت الإقامة بصورة دائمة بجوار المقام، وكانت سيدة صاحبة كرامات، ولما سمع بذلك محافظ البحر الأحمر، وكان محباً للدراويش ورجلاً طيباً، جاء لزيارتها، عندما قابلها أخبرته بأن المقام فى احتياج إلى طريق أسفلتى يربطه بالعمار، وعددت الأسباب التى منها بالضرورة: خدمة المقام، والحد من حالات التيه والموت فى الصحراء. ضحك المحافظ، ثم تعلل بقلة الاعتمادات وأن الخزانة ليس بها مليم واحد، ولكن الشيخة زكية وضعت يدها فى جيبها وأخرجت ثلاث قطع معدنية، ثلاث شلنات صفراء وجديدة، وأعطتها للمحافظ، هكذا كانت عادتها، وقالت له: ابدأ بهذه. لم يستغرب المحافظ الطيب، وإنما تقبل الشلنات برضى وتسليم كامل، وحين عاد إلى مبنى المحافظة، وجد فى انتظاره شيكاً بمبلغ ثلاثة ملايين جنيه، وذلك للبدء فى مد الطريق إلى المقام ورصفه.
كان ذلك قبل سبعة شهور فقط من وفاتها، فرغم أنها كانت قد جهزت كل شيء لتُدفن بجوار جدها الإمام الحسين، إلا أنها بعد تلك الرؤية عرفت أنها مُختارة لإعمار صحراء حُميّثرة، ومقامها سيكون بجوار شيخها الشاذلي، وفى ذلك البيت البسيط بتلك الصحراء القاحلة، وفى خلوتها راحت تستعد للسفر الأخير..
ومثلما فتح الله على شيخها ووليها الشاذلي، فكوشف بمكان وموعد انتقاله، فإن مريدته التى أختيرت لتكون جارته ومعمرة أرضه كوشفت هى الأخرى، وأوتيت من الثبات واليقين أن اختارت من يشيعونها، ففى صبيحة يوم انتقالها (28 سبتمبر 1982) استدعت خادمها محمد عبد اللطيف (إمام مسجد القصير فيما بعد) وأخبرته أنها ستلاقى ربها اليوم، فجاءها بالشيخ سيد جعفر إمام مسجد "الفران" أقرب المساجد للمكان، وأوصته أن يقرأ على قبرها سورة الإخلاص ويهديها لروحها بمجرد الدفن، وجرى تشييعها بهدوء تام، وفى حقيقة الأمر – كما يقول العارفون - كان هذا خير تعبير عن حال الفناء والبعد عن أى ظهور رضاءً وأنساً بخالقها ورسوله وآل بيت رسوله، الذين طالما أفنت أوقات حياتها فى السير على دربهم ذكراً وفكراً وهداية للخلق.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شروق أول أيام العيد، تخرج المرأة المكافحة.. لم تتناول حتى إفطارها فى البيت، فاصطحبت معها لقمة سريعة للإفطار،
"الطريق إلى الله" ليس مجرد سطور بل هو رحلة روحية تهدف إلى استكشاف معنى القرب من الله، وفهم غاية وجودنا،...
رجال حول الرسول«6» كان أول من أسلم من الرجال الأحرار وأسلمت أمه ثم أسلم أبوه وأنفق فى سبيل الله وجاهد...
تحدى العجز وصنع لنفسه قيمة ومكانة و دور «2-2» الخلاف مع السادات بدأ فى 76 بسبب استثمار الحرب والتحالف مع...