السيدة «كلثم».. حفيدة الحسيـن وسـيدة العابدات

يحظى اسم "أم كلثوم" (ويعنى فى اللغة الفتاة متوردة الخد) بمكانة خاصة وتقدير معتبر فى التاريخ الإسلامى بصفة عامة وتاريخ آل البيت بصفة خاصة، وذلك بعد أن اختاره النبى

يحظى اسم "أم كلثوم" (ويعنى فى اللغة الفتاة متوردة الخد) بمكانة خاصة وتقدير معتبر فى التاريخ الإسلامى بصفة عامة وتاريخ آل البيت بصفة خاصة، وذلك بعد أن اختاره النبى ليُطلقه على ابنته الثالثة، التى رزقها الله بها من خديجة بعد شقيقتيها "زينب" و"رُقيّة".

وكانت أم كلثوم بنت النبى قد ولدت قبل بعثته بست سنوات، وتزوجت من ابن عمها "عُتيبة" بن أبى لهب، فلما بُعث النبى وجاهر بدعوته طلقها عُتيبة، وهاجرت مع أبيها إلى المدينة المنورة، ولما ماتت شقيقتها "رُقيّة" زوجة عثمان بن عفان يوم معركة بدر، زوجه النبى من أم كلثوم، وعاشت مع "ذى النورين" نحو سبع سنوات ولم تنجب منه، وسرعان ما رحلت وعمرها لم يتجاوز 27 عاما، وبكى النبى لفراقها وكفّنها فى عباءته ودفنها فى البقيع.

وتيمنا بأم كلثوم بنت النبى تعددت "الكلثومات" فى أهل البيت، ولعل أشهرهن أم كلثوم بنت الإمام على عليه السلام، والتى كان عمر بن الخطاب أول أزواجها، وأنجبت له "زيد" و "رُقيّة"، ولما استشهد عمر تزوجت من ثلاثة من أبناء عمها جعفر بن أبى طالب، هم على الترتيب: عون ومحمد وعبدالله، استشهدوا جميعا، فكانت أرملة الشهداء.

ويمكننا أن نشير كذلك إلى أم كلثوم بنت الفضل بن العباس عم النبى، وكانت من زوجات الإمام الحسن بن على.

ورزق الله مصر بواحدة من "كلثومات" آل بيت النبى، وهى أم كلثوم بنت القاسم الطيب بن محمد المأمون بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الإمام الحسين، أى أنها من الفرع الحسينى فى آل البيت، ومن فرط عشق المصريين لها فإنهم دللوها فاشتهرت بينهم باسم "السيدة كلثم"، وأحيانا "كلثوم". 

(1)

ولم تتشرف أرض مصر بالسيدة "كلثم" وحدها، بل كان الشرف مضاعفا بوجود أسرتها: والدها ووالدتها وأخويها وأختها، ومشاهدهم فى تلك البقعة المباركة التى تقع بين مسجدى الإمامين الشافعى والليث بن سعد.

والراجح فى كتب المؤرخين الثقات أن هذه الأسرة الحسيبة الشريفة جاءت إلى مصر فى زمن حاكمها أحمد بن طولون (مؤسس الدولة الطولونية وحاكمها الأول بين 868 / 884 ميلادية)، فقد سمع ابن طولون عن كرامات وبركات "يحيى بن القاسم، الذى اشتهر بلقب "الشبيه" لشدة شبهه بجده النبى صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه يستقدمه إلى مصر.

وقد ذكره السيد محمد زكى الدين إبراهيم فى كتابه "مراقد أهل البيت فى القاهرة" هو: السيد يحيى بن القاسم الطيب بن محمد المأمون بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين، وقد لقب بالشبيه بالنبى؛ لأنه كان يُشْبِهُ جده المصطفى ﷺ صورة وسمتًا، وجلالًا و وقارًا وكرمًا وشجاعة. وقد اشتهر بالعلم والبركة، فاستقدمه إلى مصر (أحمد بن طولون)، تطييبًا لقلوب المصريين؛ لما هو عليه من الخير، ولما هو معروف عن المصريين من صِدْقِ حُبِّ أهل البيت النبوى، وصفاء الولاء لهم، وقد كان يوم دخوله مصر ومن معه من الأشراف عيدًا من أكبر الأعياد. ولَمَّا تُوُفِّىَ دفن بمشهده المعروف قريبًا من مسجد الإمام الليث بن سعد، وقد دفن معه أخوه عبد الله بن القاسم وطائفة من الأشراف.

وقد ذكره السخاوى فى كتابه "تحفة الأحباب وبغية الطلاب": هو يحيى بن القاسم الطيب الموصول إلى الحسين بن على..قيل كان شبيها برسول الله ﷺ وكان له خاتم بين كتفيه كخاتم النبوة وكان الناس إذا شاهدوه أكثروا من الصلاة على رسول الله ﷺ ".

ويقول المؤرخون عن سبب قدومه إلى مصر:

أراد ابن طولون أن يكون لمصر شرف التطلع إليه فبادر بإرسال وفد محمل بالهدايا والتحف إلى الحجاز حيث يقيم يحيى وأسرته مع رجاء تشريفه وأسرته بزيارة مصر، وقبل يحيى الدعوة ولـبى الرجـاء.. و لما سمع أهل مصر بقدومه خرجوا يلتقونه، وكان يوم قدومه يومًا مشهودًا، وقد جاء معه والده السيد الشريف الإمام العالم القاسم الطيب بن محمد، و كان من أحفظ الناس لحديث سيدنا رسول الله، كما اشتهر ببره لوالدته، وسئل مرة: كيف تكون أبّر الناس بأمك ولم نراك تأكل معها فى طبق واحد؟، فرد: أخاف أن تسبق يدى إلى ما تسبق إليها عينها فأكون قد عققتها، وكذلك جاء برفقة الشبيه والدته وأختيه.

وعاشت تلك الأسرة الطاهرة فى مصر محاطة بمحبة المصريين، واختارتها وطنا وقبرا، ومشهدهم معروف ومعلوم، ومشهور بإجابة الدعاء، وكانت وفاة يحيى الشبيه يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة 261هـ، ودفن بجواره أخيه عبدالله بن القاسم الطيب، وكذلك أمهما السيدة زوجة القاسم، وكانت من العابدات الزاهدات ومذكورة فى طبقات الأشراف، ومعهم السيد يحيى بن الحسن الأنور شقيق السيدة نفيسة رضى الله عنها.

ومن كرامات سيدى يحيى الشبيه، ما شاع أنه: «كان يُرى على قبره نور»، وأن أحد زواره دخل إلى ضريحه فلم يُحسن الأدب، فسمع من قبره صوتا يقول: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا».

وبالقرب من مشهده كذلك يوجد ضريح أخته فاطمة بنت القاسم التى ذاع صيتها هى الأخرى بين العارفين ومحبى آل البيت فى مصر، وهى التى تُعرف بلقب "العيناء"، حيث كانت عيناها نسخة من عيون جدتها السيدة فاطمة بنت النبى، كما اشتهرت بكراماتها، وبينها أن أحد زوار ضريحها كان يقرأ القرآن فأخطأ فى آية، فردت عليه تصححها له.

ومقام "العيناء" بشارع عقبة بن نافع بمنطقة الإمام الشافعى، يعلو واجهته لوح رخامى كُتب عليه نسبها الشريف وتلك الأبيات الرائعة فى مديحها:

هذا مقام كريمة الآباء * من لقبت يا صاح بالعيناء/ تدعى بفاطمة غدت منسوبة * للمصطفى المخصوص بالإسراء/قد سُميت عيناء لما أن بدا * فى عينها شبه من الزهراء/ بشرى لزائر قبرها فلقد سما * بمودة القربى إلى العلياء/ فانزل بساحتها وقف متضرعاً * واطلب من المولى قبول دعاء.

 (2)

إلى تلك الأسرة الشريفة الكريمة من نسل الحسين تنتسب السيدة "كلثم". ورغم ما تتمتع به من مكانة وفضل إلا أن المعلومات عنها شحيحة، لا تروى ظمأ المحبين وشغفهم بسيرة تلك السيدة التى يقصدون مقامها  للتبرك والدعاء.

وحتى المعلومات الموثوقة  المُجمع  على صحتها تجدها مقتضبة، مجرد إشارات عابرة لا تفصيل فيها ولا توضيح، من قبيل:

-أنها تزوجت فى مصر وأنجبت عددا من الأولاد، أما زوجها فهو من أبناء عمومتها، السيد موسى بن إسماعيل بن موسى الكاظم، وأما أولادها فلا يُعرف عددهم ولا أسماؤهم، والإشارة الوحيدة أن ابنها الأكبر اسمه "جعفر" وبه تُكنى، فتجد من يسميها " أم جعفر".

-أن كل أولادها ماتوا فى حياتها، فلم يخلف أحد منهم ذرية، ويقال إن بعض أولادها مدفون معها فى ضريحها.

-وأنها كانت من الزاهدات العابدات، الصالحات الراجحات، وكانت صوامة قوامة، لا تلتفت لأهل الدنيا، وقبرها يستجاب فيه الدعاء.

-وأنها حجت ثلاثين حجة إلى بيت الله الحرام سيرا على الأقدام، وكان لها قدم صدق حتى أطلقوا عليها سيدة العابدات.

والمدهش أن المؤرخين الذين كتبوا عن السيدة كلثم ساقوا مبررا عجيبا عن الأسباب التى دعتهم إلى هذا الاقتضاب فى تناول سيرتها بذلك الإيجاز الشديد والمخل، فقالوا "إن شهرتها تغنى عن الإطناب فى مناقبها"، بما يعنى أنها حازت شهرة ومكانة يعرفها ويقدرها أهل زمانها بما يغنيهم عن ترديدها أو تسجيلها فى كتبهم!

وربما كان مشهدها هو الدليل الأهم الباقى من سيرتها وأثرها، وسنحاول هنا أن نلخص تاريخه اعتمادا على مرجعين مهمين هما: الجزء الثانى من موسوعة "مساجد مصر وأولياؤها الصالحون"  للدكتورة سعاد ماهر، و"التراث المعمارى الفاطمى والأيوبى فى مصر" للدكتور محمود درويش، وفى نقاط موجزة عن مشهد السيدة كلثم نقول:

-لا يوجد تاريخ محدد لوفاة السيدة كلثم، والراجح أنها انتقلت إلى رحاب الله بعد سنوات غير بعيدة من رحيل والدها القاسم الطيب فى العام 261 هجرية، ودُفنت فى مقبرة بسيطة بجوار أسرتها.

-أما ضريحها القائم فقد أنُشئ فى زمن الخليفة الفاطمى الآمر بأحكام الله فى سنة 516 هجرية على أرجح الأقوال، حيث كلف الخليفة وزيره المأمون البطائحى بتجديد وترميم المشاهد التسعة الواقعة بين جبل المقطم والقرافة، وأولها مشهد السيدة زينب وآخرها مشهد السيدة كلثم، على أن يوضع على كل مشهد منها لوحا من الرخام عليه اسم صاحب الضريح وتاريخ تجديده.

-يتكون المشهد من حجرة بسيطة مغطاه بسقف خشبى يتوسطها الضريح، ويعلو المحراب الرئيسى "طاقية" على شكل محارة تعتبر الاولى من نوعها فى مصر، وتشمل إلى جانب الضريح مساحة مستطيلة يتوسطها أربعة أعمدة يعلوها كمر خشبى يحمل السقف المبنى حديثا، ويتوسط هذه الأعمدة مقصورة خشبية تحيط بالتركيبة التى تعلو قبرها.

-أما المحراب فهو مجوف من الحجر المنحوت وبه زخارف حجرية منحوتة أيضا، وعلى يسار هذا المحراب محرابان صغيران خاليان من الزخارف،

كما زخرف بتجويفه شريط عريض من الزخارف الهندسية البارزة على الجص، تشكل قوامها - أربعة نجوم ذات ثمانِ رؤوس، وبداخل كل نجمة من النجمات الأربعة يوجد اسم(على)، ويتبيّن المحراب الرئيسى؛ وهو عبارة عن حنية مجوفة (نصف دائرية) وعميقة من الجص، اتساعها(69سم) وعمقها (50سم) وارتفاعها (2.32م)، والقطاع الأوسط من زخرفة حنية المحراب من الأسفل بها شريط من الزخرفة الجصية, وتتكون من أشرطة متداخلة تم تركيبها كحبيبات زخرفية, وتجرى رأسيًا وأفقيًا بحيث تتقاطع مع بعضها البعض بزوايا معينة برؤية هندسية وإبداع زخرفى نادر، ومقسم إلى أربع مناطق بينها صفوف من المربعات.

-كما يوجد شاهد مثبت على الجدران فى موضع رأسى تحته مباشرة شاهد أخر مثبت أفقيا، وعلى الشاهد الأول تعريف بصاحبة المقام.

(3)

وهناك خطأ شائع تسببت فيه تلك اللوحة الخشبية المعلقة على الضريح والتى تشير إلى أن المقام هو للسيدة أم كلثوم بنت الإمام الحسين، وهو أمر يحتاج إلى تصحيح فورى، فلا يوجد لسيد الشهداء ابنة بهذا الاسم، وأما أخته أم كلثوم بنت الإمام على فهى مدفونة فى دمشق ولم تتشرف بها أرض مصر، أما أم كلثوم دفينة مصر وصاحبة المقام  فهى الحسيبة النسيبة بنت القاسم الطيب وشقيقة يحيى الشبيه وفاطمة العيناء، حُسينية من أحفاد سيد الشهداء، عُرفت بالزهد والصلاح والتقوى، وذاع صيتها فى زمانها حتى أن أسرتها نُسبت إليها، فيقال لهم "الكلثوميين"، وقصد المصريون مقامها تبركا بابنة آل البيت، أو على حد وصف المقريزى لمشهدها: " من المشاهد التى يتبرك الناس بزيارتها ".

ومع تقادم الزمن ضرب الإهمال هذا المقام الطاهر للسيدة كلثم، فكاد كما تقول الدكتورة سعاد ماهر بعد أن زارته وقرأت الفاتحة لصاحبته أن يندثر، وهو ما يتطلب تدخلا عاجلا لإعادة تجديده وإعماره بما يتناسب مع مكانة "سيدة العابدات".

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد