الدكتور سليمان حزين لمن لا يعرفه ، هو أحد أعمدة الثقافة والتنوير المجهولين فى مصر، وقد اختارته ثورة يوليو وزيرا للتعليم، وهو منشىء جامعة أسيوط ، ورئيس الجمعية
الدكتور سليمان حزين لمن لا يعرفه ، هو أحد أعمدة الثقافة والتنوير المجهولين فى مصر، وقد اختارته ثورة يوليو وزيرا للتعليم، وهو منشىء جامعة أسيوط ، ورئيس الجمعية الجغرافية المصرية، ورئيس المجمع العلمى المصرى، ومناصب أخرى أهلته كفايته لها، وبين أيدينا رسالة لم تنشر كتبها إلى طه حسين من لندن تكشف عن تأسيسه للمعهد العلمى المصرى هناك كمركز ثقافى لمصر لازال قائما فى وسط العاصمة البريطانية، وقبل الدخول فى تفاصيل الرسالة لابد أن نعرف المزيد عن الدكتور سليمان حزين كعلم من أعلام نهضتنا العلمية والثقافية، وما تمثله سيرته من قيم نحن بحاجه إلى تذكير أجيالنا الجديدة بها لبناء مصرنا القوية الجديدة الحديثة.
إذا كان "هيردوت" قد أطلق مقولته التاريخية الشهيرة التي ذهبت حكمة ومثلاً: "إن مصر هبة النيل"، فإن د.سليمان حزين كان أول من كشف عن نقص هذه المقولة وقصورها، حين قام بتصحيحها قائلاً: "فإن مصر أيضا هي هبة المصريين" – وأضاف موضحاً: "لأن حضارة مصر ليست هبة النيل، وإنما هي ثمرة جهاد الإنسان على الأرض الطيبة".
وقد كان د.سليمان حزين نفسه واحداً من المصريين الذين جاهدوا بالعلم على تلك الأرض الطيبة، كخير خلف لخير سلف، فقد كان والده أحد علماء الأزهر الذي أنجبه في الرابع والعشرين من مايو 1909 في إحدى قرى محافظة البحيرة، ليقضي سليمان طفولته بعد ذلك في وادي حلفا قرب حدود مصر الجنوبية حيث كان والده منتدبا للعمل هناك.
وكان سليمان حزين مرتبطا بالأرض الطيبة ارتباطا يفوق الوصف مهما اضطرته الظروف للابتعاد عنها، فقد رفض العمل بالأمم المتحدة إلا بشرط وهو أن يمارس عمله بها من داخل مصر التي أحبها وذاق طينها حقيقة لا مجازاً، بل إنه في إحدى الندوات التي أدارها بالمجمع العلمي المصري – ودعاني لحضورها بعد حواري معه – سمعته يقول أمام الحاضرين من علماء المجمع وضيوفه، إن الطمي في النيل كالكريمة، وقد أكلته بنفسي وذقت طعمه فوجدته مثل الكريمة – ولذلك – يرى أن النهر هو أصل النعم، ومع ذلك نخلطه بالروث والمجاري، مما يجعل المواطنين خارج القاهرة يشربون فضلات القاهرة.
وهو يطالب بتصحيح هذا الوضع، كما يطالب بعدم ترقية الدلتا على حساب الصعيد، ولذلك كان سليمان حزين هو أول من طالب – حين كان عضواً بمجلس الشورى – بتطوير الصعيد، وقال: إننا كشجرة "الزقوم" التي لا نفع فيها، نأخذ خير الصعيد للشمال.
ولم يأخذوا برأي سليمان حزين إلا بعد أن ارتفع صوت التطرف الذي كان إهمال الصعيد أحد أهم أسبابه، ولذلك يرى أن عقلية الحكم في مصر قد تغيرت بتغير النظام الاجتماعي، مما يبشر بتبني فكرة العدل والإنصاف لكل أبناء مصر، وإن كان ذلك لم يتحقق إلا قليلاً.
وقد كان تكليف سليمان حزين بإنشاء جامعة أسيوط 1955 هو أول اهتمام رسمي بصعيد مصر، لنشر العلم والثقافة في جنوب الوادي، فجاء إنشاء هذه الجامعة كبير المولد بعد أن وفرت حكومة الثورة كل الإمكانيات لنجاح أول جامعة يتم إنشاؤها خارج العاصمتين الكبيرتين: القاهرة والإسكندرية، وذلك عكس الجامعات الإقليمية الأخرى التي نشأت ناقصة التكوين والإمكانيات.
وخلال السنوات العشر التي قضاها سليمان حزين مديراً لجامعة أسيوط، لم يعمل على تأسيسها علميا فقط، بل أسسها أخلاقياً أيضاً، عندما وضع في حسبانه إلى جانب تربية العقل أن يربي الضمير ويؤدب النفس، وهي أركان لو توافرت في جامعاتنا لما ظهر فيها تطرف من أي نوع، ولصارت منارات إشعاع للحضارة والتنوير.
وكان نفاذ بصيرة سليمان حزين هي التي جعلته أول من أدخل دراسة الحكم المحلي إلى الجامعات المصرية، حين أنشأ بكلية التجارة – جامعة أسيوط – قسماً للإدارة العامة للحكم المحلي.
وإذا كان قد جعل للتعليم بُعداً أخلاقياً ضرورياً، فقد كان من الطبيعي أن يشارك في لجان تطوير الأزهر، وكان يرى أن المسلم المصري أقوى إيماناً من المسلم في أي بلد آخر.
كذلك اختير مقرراً للمجلس القومي للتعليم، ولم يطل به المقام وزيراً للتعليم لكي يضع بصماته التي لم يخلو منها موقع من المواقع التي تولاها كمؤسس لقسم الجغرافيا بجامعة الإسكندرية، وأحد المشاركين في تأسيس مجمع البحوث الإسلامية، ورئيسا للجمعية الجغرافية المصرية، والمجمع العلمي المصري، وظل يمارس نشاطه حتى آخر يوم في حياته، حتى إنه حضر اجتماع الجمعية الجغرافية التي رشحته لجائزة مبارك قبل وفاته بيومين، حيث أبى إلا أن يودعنا مع وداعنا للقرن العشرين الذي سيظل أحد نجومه ورموزه إلى جانب أستاذيه لطفي السيد وطه حسين اللذين تعلم منهما قوة الشخصية واستقلالها، حتى إنه قد اصدر كتاباً بعنوان "مستقبل الثقافة بمصر العربية"، مؤكدا فيه عروبة مصر، ردا على أستاذه طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" والذي رأى فيه أن مصر أقرب إلى البحر المتوسط، ومن ثم فهي في اتجاهها إلى أوروبا أقرب من اتجاهها إلى الشرق.
ولكن سليمان حزين كان يرى أن مصر لا تُفهم بغير العروبة، والعروبة لا تُفهم بغير مصر، مؤكداً أن ثقافة مصر تقوم على أضلاع مثلث واحد، فهي أفريقية نيلية، وهي عربية إسلامية، وهي بحر متوسطية يونانية – لذلك يرى أن مصر تجمع بين التنوع الثقافي ووحدة الشخصية، وذلك – كما يرى – هو مصدر قوة مصر على مدى التاريخ.
ففي البدء كانت مصر، وفي المنتهى كانت مصر في قلب وعقل سليمان حزين الذي كان يرى أن المصريين أكثر إنسانية، وأنهم لا يُخرّجون طغاة، بل يُخرّجون أفكاراً وعلماء، وأنهم يغامرون بأفكارهم ولا يغامرون بأجسادهم، وأنه لا يوجد بلد يعطي كمصر.
وقد كان سليمان حزين من هؤلاء العلماء الكبار الذين أعطوا مصر، ولذلك لم يكن غريبا أن يردد في الندوة التي شهدتها بدعوة منه في المجمع العلمي المصري، قول أحد الفلاحين الذي أعجبه: "عشت هنا وأموت هنا وجسمي يدفن هنا.. أُسبخ به أرضي، أرض مصر الطيبة".
وقد جاءت مقابلتي للدكتور سليمان حزين لأستوضح منه بعض التفاصيل التي أوردها في خطاب له إلى د.طه حسين، كتبه في الخامس من فبراير 1945، حيث كان يقيم في "لندن" التي أسس بها "المعهد العلمي المصري"، وقد جرى الحوار معه قبل وفاته بعام واحد، على النحو التالي:
كرامة الأستاذية
تحدثتم عن قرار إعادتكم إلى الجامعة.. فما الذي سبق هذه العودة من أحداث حاولتم التهوين من آلامها بالنسبة لكم وبالنسبة لطه حسين حينما قلتم له: أرجو ألا يكون الدكتور قد أعار هذا القرار أكثر مما يستحق من أهمية؟
أنا بدأت في جامعة القاهرة 1925، وتخرجت منها 1929، ثم عُينت وأرسلت في بعثة لأعود مدرساً بالجامعة أول يناير 1936، ثم حدث أن أُنشئت جامعة الإسكندرية وكان ينظر إليها كاستكمال لجامعة القاهرة، فكنت أعمل بالجامعتين كأنهما جامعة واحدة، رغم استقلال جامعة الإسكندرية دون أي اعتبارات خاصة بالمكافآت، ثم حدث أن سافرت إلى لندن سنة 1943، فصار مكاني بجامعة الإسكندرية مطمعاً لمن يعمل بالقاهرة، خاصة أحد الزملاء ولم يكن يحمل الدكتوراه، وإنما دبلومة من انجلترا، ولم تكن ترقيته بجامعة القاهرة ممكنة لأنه لا يحمل درجة علمية، فساعده أحد الأساتذة وعمل على نقله إلى جامعة الإسكندرية ليحل مكاني هناك ويصبح رئيساً للقسم، ولم أكن أُعير الأمر اهتماماً، باعتبار أن في الأمر خير أتى لزميل لم تتيسر ترقيته إلا بجامعة الإسكندرية.
ولما عُدت وجدتني مرؤوسا لرجل لا يحمل درجات علمية، فلم أجد في ذلك بأساً ولا حرجاً، رغم أن ذلك الوضع قد أخر ترقيتي لمدة سنتين ونصف، بعد أن أنشئت درجة جديدة.
ولم أجد أن حياتي قد تأثرت، فما دامت فرصة قد فاتتني، فلأنتظر فرصة أخرى، وكنت ولا أزال مؤمنا بمقولة حكيمة هي: "لا تدع سلوك غيرك يملي عليك سلوكك". وهذا يتفق مع الروح الجامعية الحقة. ونتيجة لهذا المنهج الذي اتبعته في حياتي صرت صديقاً للجميع بمن فيهم الذين أخذوا حقوقي، وقد حاول طه حسين أن يدافع عني، وعمل على نقلي من قسم الجغرافيا إلى قسم اللغة العربية لأحصل على ترقيتي المتأخرة، ولكنني اعتذرت له، وكلما كان يراني يقول لي: هل الجغرافيا ثابتة عند رأيها؟، فأقول له: نعم.. الجغرافيا ثابتة عند رأيها، وأنا لازلت تلميذك في غير مجال الأدب العربي.
وكنت أرى دائماً نفسي أعفو عمن ظلمني، راضياً بما قسم الله لي، ومتأكداً أن عملي هو الذي يحدد مستقبلي لا عمل الآخرين، وقد رُقيت إلى رئيس قسم، ثم أراد طه حسين أن يستعين بي في وزارة المعارف، فطلبت منه الانتقال بدرجتي الجامعية، وألا أُرقى إلى أي درجة أخرى طالما ظللت بوزارة المعارف، حتى لا أحجب الترقية عن الزملاء بالوزارة، وظللت بدرجة "مدير عام أ" وهي درجة كانت موجودة بهذا الاسم آنذاك، ومرتبها 1300 جنيه في السنة.
وعندما توفرت الدرجات ولم يعد هناك صاحب حق لم ينل حقه، رضيت بالترقية إلى درجة وكيل وزارة، وكنت منذ البداية متفقاً مع طه حسين أن يكون اتصالي به مباشراً كوزير.
وهكذا كنت قبل أن أُرقى، أحصل على التقدير الأدبي الذي أستحقه، بالتصالي بالوزير مباشرة دون أن يكون وكيل الوزارة هو واسطتي في ذلك الاتصال.
تلك كانت طريقتي في الحياة، ألا أزاحم الآخرين أو أتعدى على حقوقهم وترقياتهم، وألا يلجئني السلوك المعيب للبعض إلى أن أسلك سلوكهم المعيب الذي لا يتفق مع قيمة وكرامة الأستاذية.
صحيح أن حقوقي المادية كانت تتأخر بضع سنوات، ولكن في النهاية كنت أحصل عليها، وقد عملت مديراً لجامعة أسيوط، ثم صرت وزيراً ثم صرت موظفاً بالأمم المتحدة، فقد كنت مصمماً على خدمة بلادي من داخلها لا من خارجها، وأنشأت في القاهرة أول مركز ديمغرافي للسكان – خارج نطاق الدول الأوروبية – وحصلت على مرتبي بالدولار، ولازلت أتقاضى معاشي من الأمم المتحدة بالدولار، فالله يعوضنا عما فاتنا طالما كانت نوايانا طيبة وسلوكنا لا يسيء إلى أحد، وهكذاعودت نفسي دائماً طوال حياتي.
لست أرضى بغيرك عميداً
- ويضيف – وأذكر أنني عندما أرسلت لطه تلغرافاً بعد إقالته من العمادة قلت له فيه: لست أرضى بغيرك عميداً. وحين قابلته بعد ذلك، فقال لي: ألم تخف من العقاب وأنت ترسل هذا التلغراف؟ قلت له: أنا لا أخاف شيئا، إنني أفعل مثلك، ولا أخشى شيئاً مهما كلفني ذلك من ثمن.
مواجهة مع السفير المصري
ما هي أنضج الثمار التي نتجت عن تعاونك مع طه حسين؟
أرسلني إلى لندن لإنشاء "المعهد المصري" على غرار "المجلس البريطاني" في القاهرة، والذي يعنى بالشئون الثقافية أيضاً، فاستهوتني الفكرة، شريطة ألا أُرقى، هكذا كان مطلبي من طه حسين.
وأراد سفيرنا في لندن حسن نشأت أن يأخذني تحت جناحه ويضغط عليّ لكي يكون المعهد من أجل الدعاية للملك – ولكنني رفضت وقلت له: الملك ملكنا جميعاً، ولكن لا شأن لي بالسياسة، وإنما المعهد علمي فقط، وقلت للسفير أيضاً أنا ابن طه حسين وابن لطفي السيد، أي ابن الجامعة، ومركزي مستقل عن السفارة.
وذهبت لاستئجار المنزل رقم (4) القريب من السفارة لإنشاء المعهد، نظير 1500 في السنة، ولكن محامي السيدة صاحبة المنزل استقلها لأنه سيخصم منها مائتي جنيه ضرائب، فأعلنت استعدادي لشراء البيت نظير خمسون ألف جنيه، وأرسلت تلغرافاً لطه حسين بهذا المعنى، فجاء رده بالموافقة فوراً، وانتهينا بعد المفاوضات مع محامي السيدة الإنجليزية إلى شراء المنزل بواحد وخمسين ألفاً من الجنيهات، وقد وصل سعره اليوم إلى عشرين مليون جنيه.
وقد أنشأت بالمعهد مكتبة للتعريف بمصر، وسط لندن، وأقمت علاقات مع الجامعات البريطانية، كما أقمت مركزاً للدراسات العربية بالمعهد، وأصبح لمصر مركز علمي قوي في العاصمة البريطانية.
لا أنتعل حذاء غيري
ماذا يقصد طه حسين بتوجيهاته التي – قلت – إنك لا تنساها: "لا تقل شيئاً ولا تسأل عن شيء"؟
يقصد ألا أُخرج أسراري للناس، وأن أكون أنا برأيي، غير متأثر برأي غيري، وهو نفس المعنى الذي ذكرته لك سابقاً: "لا تدع سلوك غيرك يملي عليك سلوكك" وهي حكمة تعلمتها من طه حسين ولطفي السيد، واتخذتها دستوراً لحياتي.
قلت لطه حسين في رسالتك إليه أنكم كنتم تفاخرون بأنكم تعلمتم عليه وتربيتم على يديه خلال سنوات كثيرة تقارب العشرين.. ذلك رغم أنك كنت في قسم آخر لا يقوم فيه طه حسين بالتدريس لك؟
هذا صحيح، ولكنني كنت أحضر كل محاضرات طه حسين، حبا في طه حسين، وتقديراً لدروس طه حسين، وحرية طه حسين واستقلال طه حسين.
وكنت أُقلد طه حسين في إلقاء المحاضرات دون أن يكون أمامي كتاب أقرأ منه، وكذلك محاضراتي باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وكنت أفعل مثلما يفعل طه حسين، فلا أسمح لأحد أن يتحدث مع زميله أثناء إلقاء محاضراتي، حتى لاحظت أن اثنين من الأساتذة يتحدثان، فطلبت من السكرتارية مطالبتهما بالصمت وإلا فإن عليهما مغادرة الجلسة.
ما الجديد الذي اختارك له طه حسين وقلت إنه في اختياره لك لم يكن مغرضاً ولا متميزاً؟
اختارني لكي أكون مديراً عاماً للثقافة بوزارة المعارف، في المكان الذي كان يشغله أستاذي محمد عوض محمد، واشترطت عليه شرطان، أولهما: ألا أُرقى – كما ذكرت لك – وثانيهما أن أستوثق من عوض نفسه أنه لم يترك مكانه لأنني جئت، وبالفعل قال لي عوض إنه سيترك مكانه في الوزارة طواعية، وأن عليّ أن أحل مكانه، وإلا خربت الإدارة الثقافية – وأضاف لطمأنتي أنه هو الذي اقترح اسمي على طه حسين لشغل هذا المنصب.
وحينما أراد طه حسين ترقيتي بعد خروج شفيق غربال من الوزارة إثر اختلافه معه، وأراد أن يعطيني درجته، فرفضت وقلت له: أنا لا أريد أن أنتعل حذاء غيري – وهو مثل إنجليزي ذكرته لطه حسين باللغة العربية.
يكتم إيمانه
من هي عزيزة التي ورد ذكرها في خطابك إلى طه حسين؟
هي زوجتي، وكانت تلميذة لطه حسين، وهو الوحيد الذي استشرته في الزواج منها، وكنت أول أستاذ يتزوج من تلميذته، ثم قلدني الأساتذة بعد ذلك مثل أمين الخولي ومندور.
وأحب أن أذكر لك أن زوجتي عزيزة هي المرأة الأولى والأخيرة في حياتي، فلم أعرف أحداً قبلها ولا بعدها.
ذكرتم في رسالتكم لطه حسين: لعل خير ما أرد به جميل أستاذي أن أسعى لتحقيق أمانيه، فما هي تلك الأماني؟
أمانيه تتمثل في أن أكون حراً وذو شخصية مستقلة، وأن أحقق للجامعة أكثر ما يمكن من الإنجازات، وقد تحقق كل ذلك في حياته.
رسالة سليمان لطه
وقد كتب د. سليمان حزين رسالته على العنوان التالي: حضرة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك – 3 شارع السير مونجفريد بجوار الفنون الجميلة العليا – الزمالك – القاهرة، أما الرسالة فنصها:
لندن 5/2/1945
سيدي الدكتور
تحياتي الخالصة وأشواقي.. بل تحياتنا الخالصة وأشواقنا نبعث بها إليكم من انجلترا مرة أخرى في انتظار العودة واللقاء ، وأنتم جميعاً من الخير والإسعاد بكل الحب.
لابد وأن الدكتور ينتظر مني خطاباً هذه الأيام. وقد كان ما كنا من قرار إعادتي إلى الجامعة، وأرجو ألا يكون الدكتور قد أعار هذا القرار أكثر مما يستحق من أهمية أو شأن، وألا يكون قد خشي أنه ضايقني بما لا طاقة لي به أو حتى أنه نغص عليّ بما لم أكن أنتظره. فالحق أنى كنت قد أعددت نفسي لمثل هذا القرار من يوم أن قبلت أن أكون عند رأيكم وحسن ظنكم في المجىء إلى لندن. وقد كانت لي في هذا العام ونصف العام تجاريب كثيرة أعتقد أنني أفدت منها في تكويني الخاص وفي فرصة العمل والخدمة العامة بما لم يكن ليتاح لي مطلقا لو أنني بقيت بالإسكندرية، ولن أندم في يوم ما على أنني كنت عند توجيه أستاذي أو أنني ثبتُ على هذا التوجيه، فترتب على ذلك ما قد ألقاه من عنت في الحاضر أو المستقبل. ولكن أنا اخترت لنفسي أن أكون في مدرسة الدكتور حتى شعر من ناحيته عندما حانت الفرصة أن يملك أن يوجهني بكلماته التي لا أنساها "لا تقل شيئا ولا تسأل عن شيء" فإنني أرجو من كل قلبي أن يجدني أستاذي في مدرسته وعند حسن توجيهه مهما تغيرت الظروف والأحوال.
أظن أنني ذكرت للدكتور في خطاب سابق أنني أفاخر بأنني تعلمت عنه وتربيت على يديه خلال سنوات كثيرة تقارب العشرين.. وأود أن أضيف إلى هذا أمراً آخر.. ذلك أنني أعتقد أن ما تعلمت عن أستاذي خلال هذه الفترة الأخيرة سيبقى معي دائماً وسأعتز به دائماً ،على أن فيه تزكية للنفس وامتحاناً لي فيما تعلمت عنكم من قبل.. ولئن أنا كنت قد وفقت فيما ذهبت إليه خلال هذه الأشهر الأخيرة فإنني أرجو أن يراني أستاذي عند حُسن ظنه فيما قد أكون قادماً عليه من امتحان.
لست أدري كيف تم قرار إعادتي إلى الإسكندرية، ولا ظروف تلك الإعادة.. ولا ما حدا بالوزارة إلى تغيير إدارة المعهد في هذا الطور الدقيق من حياته، ولما يمض على افتتاح موسم المحاضرات العامة فيه غير شهر واحد.. أهو أمر سياسي؟ أم أن الوزارة رأت أن المعهد كان يعمل على هامش السياسة، أم أن رجال الوزارة لم يعودوا يطيقون أن يوكل أمر المعهد في إنشائه وإدارته إلى شخص غير وزاري؟ أم أن من اختاره طه حسين لابد أن يذهب ما دام طه حسين قد ذهب؟ أم أن أطماعاً شخصية ودسائس فردية قد لعبت في الموضوع؟ أم أن جامعة فاروق – الإسكندرية – ورجال جامعة فاروق أنكروا التصرف السابق مهما كان فيه من خير يفهمونه أو لا يفهمونه؟ أم غير ذلك من سبب أو أسباب ليس لي بها علم وإن كنت أرجح بعضها على بعض؟
على كل حال ليس هذا كله من الأهمية أو الخطر في كثير أو قليل.. وقد يُسر الدكتور أن يعلم أنني لم أكلف نفسي مشقة التفكير أكثر مما يلزم في هذه الاحتمالات، وفضلت أن أفسر المسألة على أنها خليط من كل هذه العوامل متضافرة متكاثرة متكالبة في هذا التضافر والتكاثر تكالبا لابد أن يكشف عن حقيقتها جميعاً يوماً ما.
إن طه حسين عندما اختار تلميذه لهذا العمل الجديد لم يكن في الحقيقة مغرضاً ولا متميزاً، وأن التلميذ عندما بذل من الجهد والنفس كل ما يستطيع لم يكن ساعياً لمجرد إرضاء أستاذه.. وإنما قصد الأستاذ إلى ما توسم أنه الخير أو بعض الخير، وتبعه التلميذ فيما اعتقد أنه طريق الحق وجادة الصواب . ولئن كنت أنا أعرف من الدكتور أنه يكفيه دائما من الحياة ومن الناس والأشياء أنه يسعى إلى الخير، وأنه مهما أنكر الناس ومهما قابلوا الجميل بالجحود مرة ومرة فإنه يسعى إلى الخير من جديد ومن جديد ومن جديد.. إن كنت أعرف ذلك من الدكتور حق المعرفة فإنني أرجو أن يكون لنفر من تلاميذه بعض ذلك الخلق الذي انفرد به الأستاذ والذي ارتفع به في أعينهم وسيرتفع على الزمن فوق هامات كثير من الناس.
ليطمئن أستاذي إذن إلى أن ما انطوى عليه تصرف الوزارة من عدم لياقة في المعاملة عندما قررت إعادتي بعد أن فرغت من إعداد المعهد وتبويب مكتبته وتمكين اتصالاته بالهيئات العلمية والجامعية.. بل بعد أن افتتحت موسم الدروس والمحاضرات العامة وأعلنت عن مواعيدها.. بل بعد أن ارتبطت لإلقاء عدد غير قليل من المحاضرات في بعض الجامعات والهيئات العلمية خارج لندن – مما اضطررت إلى إلغائه جميعاً في غير قليل من الخجل والكسوف.. ودون أن أجد لنفسي عذراً مقبولاً غير هذه الإعادة التي انتظرتها في أكتوبر أو نوفمبر، ولكنها وللأسف لم تجئ إلا مع العام الجديد!!
ليطمئن أستاذي إلى أنه مهما انطوى عليه تصرف الوزارة معي قبيل الإعادة وبعدها من جحود قد يعرف الدكتور بعض تفاصيله أو لا يعرف، فإن ذلك كله لن يحيد بي عما أخذت عنك من إخلاص للعمل وتفرغ للخدمة سواء في مصر أو في الخارج.. وسأجد طريقي إلى العمل والخدمة والإنتاج إن شاء الله في أي مكان أكون.
نحن الآن نستعد للسفر ولازلت أسعى لأن يكون ذلك بالطائرة على الرغم من صعوبة حجز الأماكن وعدم التصريح عادة بسفر الأطفال بالطائرات.. ويرجع السبب في رغبتنا في السفر بالطائرة إلى أن المسافرين بالبحر يجب عليهم القيام بتمرينات للتعود على استخدام قوارب النجاة، فيصعدون إلى سطح الباخرة كلما طلب إليهم ذلك، ويتعرضون للهواء البارد في البحار الشمالية، وقد كان هذا هو السبب في إصابة عزيزة لدى حضورنا إلى إنجلترا بالتيمونيا في العام الماضي.. وما زالت عزيزة تعالج من بعض أعقاب التيمونيا حتى الآن، ولذلك إذا لم ننجح في حجز أماكن بالطائرة والعودة في فرصة قريبة، فإننا سنضطر – بأمر الطبيب – إلى تأجيل العودة بالبحر إلى حوالي منتصف مارس، أي حتى يدفأ الجو في البحار الشمالية نوعا ما.
لست أدري إذا ما كانت عودتي إلى جامعة فاروق أم إلى جامعة فؤاد (القاهرة).. فقد أبلغتني الوزارة ببرقية أن عودتي ستكون إلى جامعة فاروق.. ولكن انتهى إلى علمي من بعض الإخوان أن هناك مناورة صغيرة يرى أصحابها أن إعادتي إلى جامعة فاروق ورياسة قسم الجغرافيا هناك لا تعتبر جزاءً كافياً وإنما الواجب أن تكون إعادتي إلى جامعة فؤاد، وأن ينتقل الأستاذ العدوي إلى الإسكندرية ليكون رئيسا للقسم هناك وليحصل على الأستاذية التي لا يستطيع الحصول عليها في القاهرة.. مناورة صغيرة كما ذكرت.. ربما كان شفيق بك من أنصار هذا المشروع ، فهو خال حرم الأستاذ العدوي.. ولكنني على كل حال أعرف أني لابد وأن أنتظر مثل هذه المناورات الصغيرة التي لن تؤثر في حياتي العلمية بمعشار مايتصوره بعض الناس.
عزيزة مبتهجة بالعودة إلى الأهل والوطن وصحتها جيدة جداً والحمد لله، وأرجو ألا ينشغل الدكتور عليها بسبب ماذكرت عن سفرها، إذ أن ذلك كله في الحقيقة مجرد حذر واحتياط.
أما "كتكوت" – ابنه – ولا زلت مُصراً على اسمه كذلك!! ففي تقدم مستمر.. وهو الآن يفهم اللغتين ويتكلم بهما ويميز بينهما دون مبالغة!! فهو إذن يبشر بأن يكون "كتكوتاً فصيحاً"!!
ستكون لهذا الحديث بقية وبقية لدى وصولنا واجتماعنا بكم في أطيب الأوقات إن شاء الله.
مع أطيب تحيات عزيزة وتحياتي وكتكوت إليكم جميعاً.
وإلى اللقاء
المخلص سليمان حزين
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...
بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...
قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...
خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...