سيرة "بنى هلال" التى تحكى قصة الصراع بين قبائل الحلف الهلالى وقبائل البربر فى "تونس".. هى التاريخ الذى يعترف به العرب فى صعيد مصر، ويمنحونها هيبة وقداسة، لأنها تمثل
سيرة "بنى هلال" التى تحكى قصة الصراع بين قبائل الحلف الهلالى وقبائل البربر فى "تونس".. هى التاريخ الذى يعترف به العرب فى صعيد مصر، ويمنحونها هيبة وقداسة، لأنها تمثل كتاب الأخلاق العربية الأصيلة الذى يضم تاريخ الأجداد الفرسان البواسل، وهذه السيرة التى مضى على أحداثها مئات السنين ما زالت تحكم سلوك عرب الصعيد، وما زال هناك من يحفظ أجزاء منها، وتحولت السيرة من إبداع بشرى، إلى دستور يضبط حياة البشر ويفرض عليهم التمسك بمبادئ موروثة من عصور البداوة رغم أنهم يعيشون عيشة الاستقرار فى وادى النيل.
مما رواه لى الأجداد عن طقوس الاستماع إلى "الشاعر" راوى سيرة "بنى هلال"، أن "جابر أبوحسين" وهو من "سوهاج" بالتحديد من قرية "آبار الوقف" مركز "أخميم"، كان يأتى إلى قريتنا "كوم العرب" التى تبعد عن ـ أخميم ـ حوالى 60 كيلومترا، فى موسم فيضان نهر النيل، وهو الوقت الذى تغرق فيه الأراضى الزراعية بمياه الفيضان، ويتوقف العمل فى الغيطان، ويصبح الوقت متسعا للجلوس فى المقاهى الريفية "يسمونها الدكاكين"، وسماع أخبار "بنى هلال" وتفاصيل المعارك والغزوات، التى جرت بين "بنى هلال" و"زناته" على أرض "تونس الخضرا"، وكان شاعر السيرة الهلالية "جابر أبوحسين" يختار مقهى من مقاهى القرية "الدكان"، ويفرش له صاحب المقهى فرشا بدائيا بسيطا، ويظل مقيما لمدة ثلاثة شهورـ شهور الفيضان ـ يتغنى بالسيرة كل ليلة، وينام فى المقهى، ويأكل ويشرب وينفق من عوائد ما يجمعه له زبائن المقهى، كل ليلة، وبمرور السنوات تخلقت أجيال تحفظ السيرة الهلالية، وتكونت أحزاب، منها حزب "أبوزيد"، و"حزب خليفة الزناتى"، وانقسمت القرى، قرى تدعم مواقف "أبوزيد" وتعتبره البطل الغازى، وقرى تؤيد "خليفة الزناتى"، وترى فيه الشيخ الحكيم الذى يدافع عن أرض تونس ضد جيوش الأعداء القادمين من الجزيرة العربية لاحتلال بلاده الثرية الغنية، وفى سبعينيات القرن الماضى كان قد مضى وقت طويل على انقطاع فيضان النيل بعد بناء السد العالى وتحويل مجرى النهر كان الفيضان الأخير الذى عاشه الصعيد فى العام 1964، لكن "جابر أبوحسين" لم يتوقف عن التغنى بالسيرة، رغم اختلاف المسرح، فبدلا عن الغناء فى "الدكان" أصبح الغناء فى الليالى السعيدة، المخصصة للزفاف، وختان الذكور، وهى مناسبات سعيدة بما لها من علاقة بالعزوة والإنجاب وزيادة أعداد الرجال فى العائلة أوالقبيلة، ومناسب لها الاستماع إلى تفاصيل بطولات الأجداد الفرسان الذين يعتبرهم الناس قدوة طيبة يتمنون بلوغ ما بلغته من مجد وخلود عبر التاريخ، وفى الفترة ذاتها بدأت إذاعة الشعب الحكومية تذيع الحلقات المسجلة للسيرة الهلالية، بشرح "الأبنودى"وغناء "جابر أبوحسين" فتحول ـ المسرح ـ إلى صورة أخرى، وأصبح الناس يجتمعون كل ليلة فى حلقات فى "المناضر" ومع الساعة العاشرة مساء تبدأ طقوس الاحتفال، يبدأ "الأبنودى" فى تلاوة المقدمة المتضمنة الحدث الذى سيرويه الشاعر، وبعدها يقول عبارته المشهورة "قول ياعم جابر"، ويقول "العم جابر" حكاية أو موقفا من مواقف "الهلايل فى بلاد الغرب" التى يعرف ـ الجالسون حول جهاز الراديو ـ أن هذه البلاد، عاش فيها أجدادهم ضمن قبائل الحلف الهلالى، ثم حكمت عليهم الطبيعة القاسية بالعودة مرة أخرى إلى "وادى النيل" والتحول من التجوال فى الصحارى إلى الاستقرار فى البيوت المبنية بالطوب الأحمر والطين، واحتراف الزراعة، وكانت "هوجة " سفر أهل الصعيد إلى دول الخليج العربى قد أحدثت طفرة مالية، سمحت لكل الناس ـ تقريباـ بامتلاك أجهزة "راديو كاسيت" يابانية الصنع، قادرة على التقاط موجات "إذاعة الشعب" الضعيفة، وكان الاحتشاد لسماع "السيرة" كل ليلة تبدأ خطته من بعد صلاة العشاء، بتجهيز المجلس أو المكان الذى يجلس فيه عشاق السيرة، وتجهيز "الراديو" وضبط "الموجة" وإعداد "أكواب الشاى" وغير ذلك من أدوات الترفيه الحلال المتاح، وتنتهى الحلقة وتنفجر الحكايات ويعرض كل واحد من المستمعين ما لديه من أخبار وحكايات، ويسوق للحضور ما سيحدث فى الحلقات القادمة، وما سيقع من معارك وأحداث ،حفظها منذ أن كان شابا يجلس فى "الدكان" مستمعا للشاعر" جابر أبوحسين" قبل أن يغادرأهل القرى ويصبح من نجوم الإذاعة المشهورين، وبمرور السنوات توقفت إذاعة الشعب، وتوقفت إذاعة حلقات السيرة، وظهر بديل آخر هو "شرائط الكاسيت" فاقتنى عشاق السيرة هذه الأشرطة وأصبحوا هم المتحكمون فى مواقيت الاستماع للسيرة، ولم ينقطع الاستشهاد بأبيات الشعرالواردة فى السيرة عن الأحاديث اليومية، ولم ينقطع تدعيم الكلام العادى بحكاية أوحكايات ومواقف مجتزأة من السيرة، فالناس لا يقرأون الصحف ولا الكتب، رغم أن أولادهم وبناتهم إلتحقوا بالمدارس، والسيرة بالنسبة لهم هى الوعى والثقافة والمتعة والتاريخ المقدس والحكمة الخالصة وأبطال السيرة كبار فى عيونهم وقلوبهم، ووقع الانفصال الثقافى بين ـ جيل الآباء والأجدادـ وجيل "المدارس"، لكن جيل المدارس لم يخل من عشاق للسيرة واستفاد بوجود "أجهزة الكاسيت" والأشرطة التى تحمل حكايات "الهلايل " ومنهم من سار على نهج جده أو نهج أبيه واقترب من عالم السيرة وأحبها وتعلق بها.
بنو هلال بين التاريخ والسيرة
تقول كتب التاريخ إن "سيرة بنى هلال" التى كتبت بالشعر الشعبى، يبلغ عدد أبياتها مليون بيت وربما أكثر، تروى تفاصيل تغريبة قبائل نجد والحجاز وجنوب العراق "بنو هلال، بنو سليم، الأثبج، الدريدات، جهينة، زغبة " وغيرها من قبائل "عدنان " و"قحطان" إلى أرض "تونس"، وتختلف السيرة الشعبية، عن التاريخ الموثق، فى مبررات التغريبة، فالسيرة تقول إن الجفاف فى نجد والحجاز استمر سبع سنوات كاملة حتى هلك الناس وهلكت الماشية وكان لا بد من البحث عن أرض خصبة تضمن للقبائل البقاء، لكن التاريخ المدون بمعرفة من عاصروا التغريبة يقدم مبررا مغايرا، فيقول إن "الفاطميين" تغلبوا على "بنى هلال" والقبائل المتحالفة معها، فنقلوهم إلى "مصر" وأسكنوهم فى الصحراء الشرقية بين سلاسل جبال البحر الأحمر ونهر النيل، وأمروهم بالبقاء فى الصعيد، وحرموا عليهم الانتقال إلى غرب النيل، وفى العام 1149 الميلادى، قرر"اليازورى" وزيرالخليفة الفاطمى فى مصر منح "المعز بن باديس" ـ حاكم أفريقية "تونس" ـ لقب "شرف الدولة" وعقب حصول "ابن باديس" على اللقب، تفجرت ثورة دينية فى أفريقية تطالب بالتخلى عن المذهب "الشيعى الإسماعيلى" ـ مذهب الفاطميين ـ والعودة إلى المذهب "السنى"، فقرر"ابن باديس" العمل بالمذهب "المالكى السنى "، والتخلى عن المذهب الفاطمى، وخطب فى المساجد للخليفة العباسى "القائم بأمر الله" ومن جانبه اعترف "القائم بأمر الله" بولاية "ابن باديس" فى تونس واعتبره نائبا له، وهنا قرر الفاطميون استعادة مجدهم وملكهم الضائع، فأرسلوا "بنى هلال " ومن حالفهم من قبائل لقتال "ابن باديس"، ومنحوا كل "هلالى" دينارا وفرسا، وتوجهت القبائل إلى "تونس " لإنجاز مهمة ردع "ابن باديس" تحت الراية الفاطمية، ووقعت المعارك بين "بنى هلال" وبين جيش "ابن باديس" المكون من قبائل بربرية "زناته" وعرب قدامى من عرب الفتح الإسلامى، وفى أثناء المعارك، تخلت "زناته" عن "ابن باديس"، وانضم "عرب الفتح" إلى أبناء عمومتهم من "بنى هلال" وحلفهم المشرقى ، ولا تذكر السيرة الهلالية هذه الوقائع أبدا، بل تذكر أن "بنى هلال" تحركوا تحت ضغط الجدب والقحط الذى أصاب بلاد "نجدوالحجاز"، وتحت قانون "الشهامة والنخوة العربية " لإنقاذ "الأشراف" - بنو هاشم فى تونس ـ من الظلم الواقع عليهم، فتسرد قصة استنجاد "الأمير عز الدين بن الشريف جبرالقريشى" برؤساء قبائل الحلف الهلالى، بعد قيام "خليفة الزناتى" بالاستيلاء على أرض لهم فى تونس، وقتله أحد عشر ألفا من "الأشراف" وهم ساجدون فى صلاتهم، فتحركت قبائل الحلف الهلالى بدافع قرابة الدم وبدافع الإيمان للدفاع عن "آل البيت" الأشراف، وبهذا تكون تغريبة "بنى هلال" عملا شريفا وليس اغتصابا لأرض "تونس"من ملاكها وحكامها، وهو النهج الذى سارت عليه السيرة فى حوادثها، فهى تقدم البطل "أبوزيد بن رزق بن نايل الهلالى" وتعرفه بأنه من أم تسمى "خضرة بنت قرضة الشريف" و"قرضة " هو حامى الحرمين الشريفين ، هاشمى، يحمل مفاتيح "الروضة الشريفة" و"رزق بن نايل" تزوج "خضرا الشريفة" تنفيذا لوحى سماوى، حيث سمع صوتا فى خلوته يطلب منه السفر لأداء فريضة الحج والزواج من واحدة من بنات "الأشراف" ليرزق بالولد الذى انتظره سنوات طويلة، وعانى معاناة قاسية بسبب عدم إنجابه ذكرا يحمل اسمه ويرث المال من بعده، وتم الزواج وتشاء الأقدار أن يرزق بالولد "أبوزيد" ولأنه "أسود البشرة " يقرر"رزق " طرد"خضرا" ومعها طفلها وكان عمره سبعة أيام، لتعيش فى كنف أمير قبيلة "الزحلان "، وتتوالى الأحداث فيعود "أبو زيد" لكنف والده، وتعود "خضرا" الشريفة معززة مكرمة، ويتولى "أبوزيد "مهمة فارس "بنى هلال" ويخوض الحروب الرهيبة ضد"خليفة الزناتى"، ومن داخل هذه القصة ـ الإطارـ تتوالد القصص التى يختلط فيها الحب والحرب، دون ذكر للدور السياسى الذى لعبته قبائل "بنى هلال" تلك الحقبة من التاريخ المسماة لدى المؤرخين "العصور الوسطى الإسلامية، ويذكر المؤرخون أن "بنى هلال" كانت لهم أدوار سياسية مضادة للدولة العباسية التى احتقرت العنصر العربى وقامت على أكتاف العنصر الفاهلا،على النقيض من سابقتها الدولة الأموية التى اعتمدت على العرب اعتمادا كليا، وعقدت الاتفاقات مع "بنى سليم "و"بنى هلال" وغيرهم من القبائل لتضمن تأمين طرق التجارة والحج داخل حدود الدولة، ولما أدارت الدولة العباسية ظهرها للعرب، أصبح بنو هلال وبنو سليم يلبون دعوة كل ثائر على دولة بنى العباس، واشتركوا فى دعم "ثورة القرامطة " فى "البحرين" طلبا للغنائم والثروة دون إيمان بعقيدة "القرامطة " التى قامت على مبدأ "شيوعية المال والنساء" وفعلوا ذلك مع "الفاطميين" لذات السبب، وكان زحفهم لقتال "ابن باديس" فى "تونس".
قبائل الحلف الهلالى فى الصعيد
توجهت أقسام كبيرة من قبائل الحلف الهلالى إلى بلاد المغرب العربى لقتال "ابن باديس" تحت الراية الفاطمية، وبقيت أقسام من ذات القبائل فى صعيد مصر، وظلت هذه الأقسام تعيش فى الجانب الشرقى للنيل، عيشة تزاوج بين "الفلاحة " و"البداوة "، ولم تنس عاداتها الصحراوية المتمثلة فى السطو والإغارة واحتقار"الفلاحين القبط"، وجاءت أفواج أخرى من نجد والحجاز لتقيم بجوارهذه القبائل النجدية الحجازية، ولو اعتمدنا التقسيم الإدارى المتبع فى مصر لرسم خريطة تواجد العرب فى بلاد الصعيد، فنقول إن الصعيد يبدأ من محافظة "الجيزة "، ويتواجد العرب فى مراك وقرى "الصف " و"العياط" و"أوسيم" وفى محافظة بنى سويف تعيش قبائل هلالية فى مراكز وقرى "الفشن " و"ببا " و"الواسطى"، وفى محافظة المنيا يتواجد الهلاليون فى مراكز وقرى "بنى مزار،ملوى، أبوقرقاص ،العدوة"، وفى محافظة الفيوم يتواجد قسم كبير من قبائل "بنى سليم" و"بنى هلال" ومن هذه القبائل "العبيدات، الحرابى، الفوايد، الفرجان ،البراعصة "وتوجد قبائل "المرابطين" وهى القبائل التى انضمت للحلف الهلالى وعادت إلى "مصر" فى هجرة عكسية من الغرب إلى الشرق واستقرت فى الفيوم والمنيا وبنى سويف، إلى جانب القبائل التى استقرت منذ زمن الفتح الإسلامى وتغريبة بنى هلال، وفى سوهاج وأسيوط وقنا تتواجد قبائل "جهينة، البلى،هوارة، هذيل" وغيرها من قبائل اليمن التى اشتركت فى الفتح الإسلامى، و"هوارة" وهى من ضمن القبائل ذات الأصول اليمنية البربرية انضمت للحلف الهلالى واستقرت أقسام منها فى قنا وسوهاج وأسيوط، ومنها خرج "همام الهوارى" الذى استقل بحكم الصعيد أربعين عاما، انتهت بهزيمته وكان يخوض الصراع ضد "على بك الكبير" المملوك الذى حاول الاستقلال بحكم مصر وفشلت محاولته بسبب تآمر"محمد بك أبوالدهب" ضده، وما يهمنا هنا من رسم تفاصيل خريطة العرب فى الصعيد، هو توضيح مركزية "السيرة الهلالية " فى ثقافة الصعيد، فهى تحكى قصص أسلاف هذه القبائل التى يتكون منها سكان محافظات الصعيد المسلمين، والقبط الذين يعيشون فى هذه المحافظات لا تعنيهم "سيرة بنى هلال" ويشكلون أقلية عددية مقارنة بالعرب المسلمين الذين يجاورونهم فى القرى والمدن، والسيرة الهلالية تمثل للعرب فى الصعيد موضوع هوية وتاريخ وثقافة موروثة يعتزون بها ويمجدونها ويمارسون قيمها فى سلوكهم اليوم.
شعراء ملهمون وسيرة مقدسة
ينقل لنا الشاعر الراحل "الأبنودى" خبرته أثناء قيامه بجمع السيرة الهلالية من أفواه الشعراء والرواة أن شعراء السيرة يعتقدون أنهم ملهمون من السماء، للتفرغ لمهمة غناء السيرة وحفظها، ويروى ـ الأبنودى ـ عن الشاعر الغجرى "الحاج الضوى" إنه سمع صوت ربابة تعزف من تلقاء نفسها لعدة ليال متتابعة، وفهم هذه الحادثة الغيبية على أنها دعوة سماوية للتفرغ لغناء السيرة والسعى لحفظها، ويدعم هذا التصور الذى يتبناه شعراء الهلالية إطلاقهم اسم "المنبر" على فريق العزف على آلة الربابة المصاحب لهم، وهو ذات الاسم الذى يطلق على المكان المرتفع داخل المساجد وعليه يقف خطباء الجمعة ويلقون عظاتهم الدينية، ويحرص الشعراء أيضا على ذكر ما جرى من "هلال "الجد الأعلى لقبيلة "بنى هلال" فى "غزوة تبوك " حين دافع عن النبى وقاتل قتال الأبطال، فدعا له النبى بسعة الرزق والغلبة على الأعداء وكثرة النسل، وهذه الحادثة المتخيلة لها ما يدعمها فى التاريخ الإسلامى، فالثابت أن النبى محمد أصهر إلى "بنى هلال" وهذا الصهر تم فى بدايات الدعوة فى إطار تأليف قلوب العرب واجتذابهم لعقيدة التوحيد، ويخصص شعراء السيرة مقاطع استهلالية للأحداث باللغة العربية الفصحى لتمجيد النبي العدنان والصلاة عليه ومدح آل بيته الأطهار، ولهذا تحظى "سيرة بنى هلال" "الأشراف" الهاشميين باعتبارها سيرة تمجد تاريخهم وتاريخ "أبوزيد الهلالى" ابن أختهم "خضرا الشريفة" ويتولى الأشراف فى محافظة قنا رعاية "الغجر" الذين تخصصوا فى رواية السيرة ويكفلون لهم الحماية إذ أنهم شريحة فقيرة مهانة اجتماعيا تخصصت فى غناء السيرة وغيرها من ألوان الغناء الشعبى الذى تحتاجه قبائل العرب فى الصعيد، وإلى جانب شعراء السيرة الهلالية، يوجد فى الصعيد "حراس السيرة" وهم من العرب، يحفظون السيرة وكانوا يقومون بدور"الرقيب " على الشاعر، لو أخطأ فى سرد واقعة ردوه إلى الصواب، وذكروه بما نسى من أحداث وقصص ،والشكل الشعرى الذى تقدم به السيرة فى الصعيد يسمى "المربع"، وهو قالب شعرى شائع فى محافظات الصعيد، وفيه تتشابه الشطرة الأولى من البيت مع الشطرة الثالثة فى القافية ،وتتشابه الشطرة الثانية مع الشطرة الرابعة:
طبيب الجرايح قوم إلحق
وهات لى الدوا اللى يوافق
فيه ناس كتيربتعرف الحق
ولجل الضرورة توافق
جض "الزناتى "وقال أخ
يا "تونس" تعبتى معايه
ومالقيت لى خل ولا أخ
فى الحرب يسند معايه
زعل الزناتى زمق قام
قال فيه جروح عبت وشاحت
وإن كان على قول "العلام"
"تونس" بلا شك راحت
وهذا النوع من الشعر هو الأنسب للمستمع، فهو قصير العبارة، يحتوى الموسيقى المحببة الناتجة عن ارتطام القوافى ببعضها البعض، ويسمى بعض المتخصصين هذا النوع من الشعر باسم "الواو" وينسبونه إلى الشاعر "أحمد بن عروس"، رغم أن كل الشعر الشعبى الموجود فى الصعيد مبنى على هذا الشكل أى أنه ليس قاصراعلى شعر "ابن عروس" وحده، وهناك أشخاص محترفون فى "التربيع" أى تحويل الأشكال السردية والشعرية الأخرى إلى "مربعات" شعرية، وهؤلاء اعتمد عليهم الشاعر"جابر أبوحسين " فى بداياته واضطر إلى ذلك اضطرارا، فقد حفظ السيرة الهلالية فى مدينة "الإسكندرية" على أيدى متعلمين، ولكى يستطيع رواية السيرة فى قرى الصعيد كان عليه القيام بتحويل السيرة إلى مربعات حتى يستوعبها الجمهور.
السيرة دستور الأخلاق
لا يوجد نص سردى متحكم فى حياة أهل الصعيد مثل "السيرة الهلالية "، ورغم قداسة القرآن الكريم فى نفوس عرب الصعيد، إلا أن السيرة تحظى بتقديس كبير لديهم، ورغم أن السيرة إبداع بشرى، إلا أنها تتحكم فى سلوك البشر وتضبط أخلاقهم، فهى المسئولة عن التحريض على "الثأر"، وتقوية مركز الرجل البطل المقاتل من أجل رفعة القبيلة، وهى المسئولة عن "الشعور القبلى" والموت فى سبيل الدفاع عن شرف القبيلة، والقبيلة هنا قد تكون موزعة فى عدة قرى، لكن كل منتسب إليها مطالب بالدفاع عنها والموت فى سبيل أقاربه وأبناء عمومته، وهى المحرضة على الكرم المبالغ فيه، فهى تقوم بدور الدستور والسجل الموثق الذى يحتوى أخلاق الرجل الكامل الرجولة، العربى الحر، والذى يهب لنجدة من يستنجدبه، ويدفع كل ما يملكه لإنفاذ قراره، ولا يرضخ لرغبات العدو ولو كلفه الأمر حياته ذاتها، والمثل الأعلى هنا "أبوزيد الهلالى" وغيره من فرسان العرب الذين تفيض السيرة الهلالية بذكر مواقفهم فى الحروب والمعارك، والسيرة مسئولة عن بقاء طقس "مرماح الخيل" فما زالت "الخيل " معشوقة لدى عرب الصعيد، والمرماح مهرجان شعبى يتم تنظيمه فى مواقيت الاحتفال بموالد الأولياء الصالحين مثل "سيدى عبدالرحيم القناوى" فى قنا، ويدعى للمشاركة فيه الفرسان من كل قرى الصعيد، والسيرة فى حياة عرب الصعيد تتمثل فى إطلاق أسماء أبطالها على الرجال والنساء، ومن أشهر هذه الأسماء "أبوزيد، يحيى، مرعى، يونس، غانم، دياب، علام، خليفة، عقيل، عطوان، دوابة، ناعسة، عزيزة "، وغيرها من الأسماء التى ورد ذكرها فى السيرة الهلالية، وقد استردت السيرة الهلالية قوتها الثقافية وسيطرتها على النفوس فى محافظات الصعيد، وساعدت مواقع التواصل الاجتماعى على إعادة تجميع قبائل الحلف الهلالى بعد أن تفرقوا فى البلاد، ومن يراقب موقع "فيس بوك" و"يوتيوب " سوف يلحظ قوة قبيلة "بنى هلال" و"بنى سليم" ومدى قدرة قبائل الحلف الهلالى على التجمع مرة أخرى فى كيانات كبيرة لها ترجمتها الواقعية على هيئة مصاهرات بين فروع القبائل ومصالح اقتصادية مدعومة بصلة القرابة وعلاقة الدم، وسوف يلحظ الاهتمام بنشر"السيرة الهلالية " بأصوات الشعراء "على جرمون، سيدالضوى، جابرأبوحسين" وغيرهم، ومؤخرا قام الباحث المتخصص فى الأدب الشعبى "دكتور محمد حسن عبدالحافظ " بجمع نسخة ثانية من السيرة الهلالية من مناطق جنوب أسيوط، وهى تختلف فى التفاصيل عن النسخة التى جمعها الراحل "الأبنودى".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد