مصر فى زمن الكوليرا

هناك أمل، دائماً هناك أمل أن تعود الحياة لطبيعتها. سبتمبر 1947. فاروق هو الملك، النقراشى باشا رئيس الحكومة، والإنجليز كالعادة يماطلون فى الخروج من مصر، وهناك أعمال

هناك أمل، دائماً هناك أمل أن تعود الحياة لطبيعتها.

سبتمبر 1947.

فاروق هو الملك، النقراشى باشا رئيس الحكومة، والإنجليز كالعادة يماطلون فى الخروج من مصر، وهناك أعمال عنف على نطاق واسع بين العرب واليهود فى فلسطين، والناس تقرأ رواية "زقاق المدق" لـنجيب محفوظ، وأبواب السينما مغلقة، مع أنها فى الشهر الأول من هذا العام/ يناير، عرضت أكثر من 30 فيلماً، بينما من سبتمبر وحتى نهاية العام لم تعرض سوى فيلم واحد فقط هو "ابن عنتر"  لـ أحمد سالم.

البلد فيها كوليرا.

*****

ــ سأموت.. هذه هى الحقيقة.

ــ ليست هذه الحقيقة، لا تتكلم، لا تتحرك فأنا أتكلم وأتحرك بالنيابة عنك، ولكن استمع لى: إننى أقول لك إنك ستشفى، إن اليوم السادس موجود، اليوم السادس يقترب، يوم ثم يوم آخر ويتم كل شىء.

تلك كانت أجواء الموت فى القرى، هكذا صورتها رواية "اليوم السادس"، للكاتبة الفرنسية أندرية شديد، وقد أتى بالوباء الإنجليز من الهند، جعلوه يرسو مع سفنهم فى "فايد" مخالفين للوائح الحجر الصحى، ومستغلين سيطرتهم على قناة السويس، تحت وطأة الاحتلال.

وسريعا، تسلل الوباء إلى القرى، واحدة تلو الأخرى.

فى رواية أندرية شديد، "أم حسن" تريد أن تذهب إلى قريتها، لكن: أنت فى القاهرة آمنة مطمئنة، فلماذا تذهبين هناك؟.. إن الكوليرا فى الأرياف قد صالت وجالت.. وإن ما ستشاهدينه لن يكون مثار بهجة بالنسبة لك.

لكنها ذهبت، وحين وصلت قابلها "صالح": «بوسعك أن تعودى من حيث أتيت، لقد وصلت بعد فوات الأوان. بعد فوات الأوان؟ لم يعد هنا لاستقبالك سوى الأموات».

*****

لحقتها جدتى، تسميها "الكريرة"، و"الكريرة" كانت تحب الفقراء، تتسلل إلى البيوت الريفية لتصيب كل من تقابله، تجعلهم يتلولون من القىء والغثيان والإسهال والجفاف، يزبل الجلد، تتزايد ضربات القلب وتنقص الأوزان، تزيد الآهات وتئن البيوت، ينكتب عمر جديد، لمن يصل إلى اليوم السادس.

****

على المستوى الرسمى، الحكومة تجتمع، وتكرر الاجتماعات، محمود فهمى النقراشى باشا، يصدر قراراً بإنشاء "المجلس الاستشارى الأعلى للكوليرا"، ويعتمد مبلغ 500 ألف جنيه لمكافحة الوباء، ويعطى نجيب إسكندر وزير الصحة العمومية كل الصلاحيات للمواجهة.

توالت القرارات والأوامر، قرار بحظر التجوال بين المحافظات إلّا بأمر كتابى، وأوامر بسيطرة الشرطة والجيش على كل مداخل ومخارج المدن والمحافظات، ونداء إلى الأهالى بالتبليغ عن أى حالة أو حتى المشكوك فيها أول 24 ساعة رحمة به وبأهله، وأوامر بتفتيش البيوت عن المرضى إذا احتاج الأمر، وفى الصفحة الأولى من عدد "الأهرام" الصادر فى 24 سبتمبر عنوان "التحوُّط من إصابات الكوليرا"، ووزير المعارف العمومية عبد الرازق السنهورى باشا يعتمد درس النظافة فى المدارس.

 وزير الصحة نجيب اسكندر باشا، ما بين زيارات الأماكن الموبوئة فى قرى الشرقية والقليوبية والإسماعيلية، وما بين معامل المصل واللقاح بالعجوزة مشرفاً على إنتاج المصل، ومن مكتبه يصدر قرارا بإخلاء مستشفى حميات العباسية لاستقبال مرضى الكوليرا بعد نقل المرضى الآخرين لحميات إمبابة.

على الأرض، رجال يحملون معدات لتعقيم الشوارع والمبانى، ومن السماء، طائرات تلقى مواد كيماوية، ومن هواء الإذاعة المصرية يُشدد المتخصصون على غسل الأطعمة والخضراوات وأن تكون مياه الشرب نظيفة.

 الإجراءات تتزايد، إيقاف حركة القطارات، غرامات رادعة لغير الملتزمين، منع تصوير المصابين لعدم نشر الهلع والرعب فى الأهالي، فتح باب التبرع للمنكوبين.

الملك فاروق يتبرع بـ ألف جنيه، والأمير محمد على بـ 1500جنيه، الأمير محمد عبد الحليم ألف جنيه، الأميرة سميحة حسين 2000جنيه، الأميرة خديجة عباس حلمى 2000جنيه، العائلة الأباظية ألف جنيه، النائب توفيق دوس 250 جنيها، محلات شيكوريل ألف جنيه، وعلى خط التبرع يدخل نجوم الفن والأدب والسينما، ويحوّل الفرنسى فورتنيه أنطونينو قصره بملوى بالمنيا إلى مستشفى، يعُرِفه الناس حتى الآن بـ "المعزل".

كانت التبرعات لوزارة الصحة، وجمعية الهلال الأحمر، ومبرة محمد على والجمعية الخيرية الإسلامية، وعلى إعانات الأسر التى عزل أفرادها فى البيوت وترك العائل منهم عمله.

******

كانت مصر مشغولة بمواجهة الكوليرا، حين أجرت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 29 نوفمبر 1947، تصويتا حول تقسيم أرض الانتداب البريطانى فى فلسطين لدولتين، إحداهما يهودية والأخرى عربية.

كانت مصر مشغولة بالكوليرا، حين وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على القرار 181.

*****

فى 5 ديسمبر 48، أقامت وزارة الصحة العمومية حفل شاى فى فندق هليوبوليس مصر الجديدة، وزعت فيه ميداليات تذكارية لمكافحى الكوليرا، وفى 49 أعلنت مصر خلوها من الوباء، صحيح أن حسن ذو الـ 7 سنوات بطل رواية "اليوم السادس"- لم يشف ومات، لكن ظلت أم حسن/ صديقه، مؤمنة بالحياة، لأن هناك أمل. دائما هناك أمل أن تعود الحياة لطبيعتها.

 


 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

السعودي شو وتجربة شراء اشتراك نتفلكس بطريقة أكثر اطمئنانًا

في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية

ابتلى به الإنسان من بداية الخلق .. الاختيار مسئولية

بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية