القصير.. تاريخ طويـل لمدينة منسية

شىء ما غامض يربطنى بهذه المدينة الصغيرة، لا أعرف ما هو بالضبط، لكننى شعرت به حين زرتها لأول مرة، كان مرورًا سريعًا فى 2007، وكانت هى فيه مجرد محطة ترانزيت، ساعات

شىء ما غامض يربطنى بهذه المدينة الصغيرة، لا أعرف ما هو بالضبط، لكننى شعرت به حين زرتها لأول مرة، كان مرورًا سريعًا فى 2007، وكانت هى فيه مجرد محطة ترانزيت، ساعات قليلة تلك التى قضيتها على بحرها فى انتظار موعد أتوبيس ينقلنى إلى شلاتين، ساعات قليلة.. علقت روحي بها، وجعلتني أقرر أن آتى إليها مرة أخرى كى أعرفها أكثر وأتقرب منها أكثر.

وبعد 14عامًا جاءت الزيارة إلى القصير.

من قنا كانت الخطة، راعيت أن تكون بسيطة كبساطة المدينة المنشودة، وكانت البساطة فى الصحبة، الصديق قبل الطريق، والأصدقاء أولاد عم، محمد مبارك وابنه مؤمن، وأخوه موسى وهو أكثرنا معرفة بالقصير لاعتياده العمل بها، ورابعنا الشيخ محمد فكرى، صاحب السيارة التى سترافقنا الرحلة، وصاحب القصة الذى جعلنى مشغولًا بها طوال الطريق وحتى الآن.

أى طريق نأخذه؟

فكرنا فى البداية أن نأخذ طريق "قفط"، الطريق الذى اختارته حتشبسوت للربط البرى بين حضارة مصر القديمة وميناء القصير فى رحلتها الاستكشافية إلى "بلاد بونت"، وهو الطريق الذى تحمت فيه كليوباترا، فسمى فى زمن ما بـ "طريق الحمامات"، وهو الطريق الذى اتخذه البطالمة للتجارة مع الهند، واتخذه الحجاج للسفر لبيت الله ومسجد نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو الطريق الذى اختاره نابليون بونابرت لحملته كى تسيطر على ميناء القصير وتواجه المقاومة الآتية من بلاد الحجاز ضده، فاقتحامها براً بعد أن أفشلته رياح عاتية فى اقتحامها عن طريق البحر.

طريق الأقصر/ قفط هو الأقصر، وهو السبب فى استقرار اسم المدينة الصغيرة، من "ليوكوس ليمن" أى الميناء الأبيض إلى "القصير".

لكن ليس طريق الأقصر هو الأفضل دائمًا، فلم يعد الطريق التاريخى ممهدًا، عانى الإهمال ويعانى الضيق (مزدوج بعرض 4 أمتار تقريبا) يطول الوقت فيه ويزيد عبء السفر، وتعرفه الصحافة بـ "طريق الموت"، لتكرار الحوادث عليه.

 اخترنا طريق قنا سفاجا، مع أنه أبعد بما يقرب من 40 كيلو، كان ساحرًا وهو يخترق الجبال ويلتف حول تضاريسها الصعبة، رفقنا القمر، سبحان الخالق الوهاب، جميل المنظر يبث فى النفس الهدوء، رغم تكرار العلامات الإرشادية "احذر أمامك منحنى شديد الخطورة".

ومع الطريق والليل، يحلو الكلام، والكلام مع الشيخ محمد فكرى، له طابع خاص، وذكريات محفورة، فهو من رافق أبى فى آخر رحلته الأخيرة له إلى الطبيب، هو من ساق السيارة التى حملته حيًا وأعادته ميتًا، ووقت أن كان مشغول الجميع بإكرام الميت ودفنه، كان الشيخ محمد مشغولًا بى، يحاول أن يفهمنى ماذا يحدث، والأهم.. ماذا أفعل.

أسأله: كيف الأحوال يا شيخ محمد؟

الحمد لله، بادور على عروسة.

عروسة!، أنت متجوز يا شيخ محمد.

متزوج 5 مرات، وعلى ذمتى 2 ومعايا 10 عيال.

تخطى الشيخ محمد الستين، وهو على المعاش منذ عامين تقريبا.

أنت بتتكلم بجد؟

آه باتكلم بجد!

طلبت منه أن نؤجل القصة للغد، دى عايزة قاعدة.

*****

كانت العاشرة مساءً حين وصلنا، المدينة هادئة، القليل من محلاتها يعمل والأغلب أغلق أبوابه، اشترينا ما نحتاجه من عيش وجبن، وجئنا ببطيخة، وفاوضنا بائع المايوهات على شورتات، حين فتح موسى شقة صديقه التى سنقضى فيها يومين، استقبلتنا بإضاءة خافتة وكئيبة، معطلة الكهرباء فى معظم الغرف، الشقة واسعة، لا عفش اللهم سوى سرير واحد، لا ثلاجة، الحمام بلدى شباكه مكسور، والدش معطل فيه، والاستحمام "بالكوز والصفيحة"، كان المشهد محبطاً، ليس على الجميع لكنه علىَّ فقط، مع أننى عشت فى مثلها مع العاملين فى طوائف المعمار لسنوات، لكنى أكتشفت أننى أصبحت مرفهًا، ولم أعد أحتمل ما كنت أفعله قبل 20 عامًا.. على العموم، ليلة وتعدى، هذا ما قلته وأنا أفرش فى البلكونة كى تمر الليلة.

فى الصباح، كان ضوء الله، ومجهود موسى كفيلين لأن يغيران المكان، بدا المنظر من الشقة خلابًا، الجبال خلفها، هواؤها منعش يسرى فى الجسد فيجدد فى الروح والحياة، وخلف شباك حمامها المكسور يظهر الجبل كأنه لوحة لفنان تشكيلي، حمامها رغم ما يبدو من عيوب، كان بيتًا حقيقيًا للراحة.

لا مشكلة الآن فى الشقة، لا شيء سيفسد الرحلة.. إلى البحر.

****

قادنا موسى إلى الشاطئ الذى يذهب إليه الناس، حين وصلنا بدا لى الأمر محزنًا، كان الشاطئ مليئًا بالقمامة، بقايا الأكل ملقاه فى أماكن مختلفة، سيدات بجلاليب ورجال بفانلات حمالات، ومع أن أعداد المصطفين قليل جداً، لكنهم متكدسون فى مكان واحد، مشهد شرح لى تقريرًا كنت قد قرأته بالأمس، تقرير قديم، يضع شاطئ القصير فى المركز الرابع ضمن أسوأ 10 شواطئ فى العالم وفقًا لتصنيف موقع «زوفر» العالمى المتخصص فى تغطية أخبار الرحلات، التقرير وصف الشاطئ بأنه «مكان فظيع»، وقال لأن المدينة غاية فى القذارة، ولأنه لا يوجد مكان لائق على الشاطئ أو قريب منه يمكن للسائح أن يذهب إليه لتناول وجبة غداء أو شراب، كما لا يوجد مرحاض يمكن استخدامه.

ومع أن التقرير يعود لـ 2009، لكن فى اعتقادى أن الوضع لم يتغير كثيرًا، فالحقيقة المحزنة لا اهتمام بنظافة الشاطئ رغم جمال مياهه، ولا اهتمام بنظافة المدينة سوى بالشوارع الرئيسية فقط، رغم حكايتها الضاربة فى التاريخ.

علينا أن نغير الشط، كان هذا هو اقتراحي، وعلى بعد خطوات قليلة، وجدنا شاطئًا فارغًا تقريبًا إلا منا، ما كل هذا الجمال.

 حين دخلت الماء، مجموعة من الأسماك الصغيرة كانت تلعب، رأيتها تقفز فى الهواء وتعود إلى الماء، تاركة مشهد جمالها عالقاً فى ذهنى حتى الآن.

لا نريد الخروج من الماء، لكننا بعد 3 ساعات متواصلة خرجنا، جلسنا على دكك المقهى الشعبى الموجود على الشاطئ، يبيع "إسلام" العامل فى المقهى- كوب الشاى بـ 5 جنيهات، مع أنه يستحق أكثر، ومع أنه لا يحاسب إلا على المشروبات فقط، لا كراسى ولا شمسية ولا دخول الشاطئ، فالشماسى نخيل الله، والشاطئ مفتوح للجميع، ونحن كنا "الجميع"، فلا أحد معنا فى هذا المكان.

ومع الشاي، يحلو الكلام.

لماذا تزوجت 5 مرات يا مولانا؟ أسأل الشيخ محمد.

*****

"  أول جوازة بدأت بهزار، أنا مكنتش بافكر أتجوز من البلد أصلا ـ يقصد قريتنا- بسبب التخلف.. كنت عايز أتجوز واحدة بتفهم، عقلها واعى، وإحنا بسبب قلة التعليم النوع ده نادر، المهم كان فيه عيد وأنا أجازة من الجيش ورايح أعيد عند حد من قرايبنا، وأنا طبيعتى باحب الضحك والهزار، فبقول لخالتى مش هتشوفولى عروسة، وكانت فيه بنت حلوة واقفة، قالت لى أشوفلك.. البنت جريت، واتحول الموضوع لجد، واتجوزت".

من أول يوم زواج اكتشف الشيخ محمد ـ وكما قال - إن الجميلة لا تفهم، ولا تريد أن تفهم، ومع أنه لم يمد يده على أحد من قبل، فقدَّ أعصابه فى اليوم الثالث من الزواج فضربها.

  لم تكن البداية مبشرة، لكنهما استمرا معاً، وظل يحاول الارتقاء بتفكيرها، وقبل أن ينجح واجهتهما مشكلة أخرى، تأخر الإنجاب، وبدأ أهلها يسألون، ثم يُلحون، وبدأت رحلة الأطباء، 11 عامًا وهما يذهبان للأطباء، والأطباء يقولون إن لديها مشكلة وهو يحاول العلاج، ومع ذلك.. ظل مطاردًا بأن العيب فيه، وبعد أن أصبح الأمر جارحًا ومنتشرًا فى القرية، أخذه قراره. "والله لاتجوز".

****

كان مشهد جمال لعب السمك فى البحر يتملك تفكيري، وحين سأل محمد مبارك: هنتغدى إيه؟، قلت: سمك.

أشار إلينا أحد المارة على مطعم شهير، حين دخلنا، لم نجد أمامنا سوى ثلاجات، خرجنا نبحث عن غيره، عن سمك طازج يناسب روعة المكان والطبيعة، لكن القصير كلها، لا يوجد فيها سمك طازج، فقط أسماك مجمدة أو معلبة، السمك الطازج يأتى من مزارع والآن الثانية ظهراً ولم يأت، مع أنه كان يلعب أمامنا فى البحر، لكننا فى موسم "ممنوع الصيد".

والصيد يُمنع فى البحر الأحمر، كل عام، من منتصف أبريل، أى مركب صيد يتم ضبطه وهو يصطاد تتم مصادرة معداته وفى حالة العودة تتم إحالة المخالف للنيابة.

طلبنا سمكًا مجمدًا، وحددنا ميعاد استلامه ديليفرى بعد ساعة، كى نأخذ جولة سريعة فى المدينة الصغيرة، وفى الطريق لفت مؤمن ـ صاحب الثمانية سنوات - سور القلعة، أو الطابية كما يسميها أصحاب المكان.

فتحت جوجل، لأحكى له بعضًا عنها.

"دى اتعملت يا مؤمن من 469 سنة، وكان صاحب الفكرة والى مصر سنان باشا، بعد ما عرف أن أهل القصير بدأوا يهجروها بسبب غياب الأمن وزيادة اللصوص وتكرار حوادث الهجوم على الحجاج، حكى سنان باشا للسلطان سليم الثانى الحكاية - لأن مصر كانت تابعة للدولة العثمانية -، ووافق سليم على بناء القلعة حتى يعود أهل المدينة لبيوتهم، وتم تعيين قائدا للقلعة اسمه الأغا «دزدار»، وفرقة من الفرسان وثلاثة بلوكات من الجنود كل بلوك فيه 8 جنود تقريباً.

 تعرضت القصير لمحاولة الاحتلال أكتر من مرة، دخلتها الحملة الفرنسية وضربت القلعة، ودخلها الإنجليز وضربوا برضو القلعة، وفضل حالها يسوء لحد ما قرر محمد على باشا يرممها ويطورها، وزارها سنة 1813 وقت حربه مع الوهابيين.. وفضلت القلعة بتلعب دور مهم لتأمين الحجاج، وأهل القصير".

كنت ألخص لـ "مؤمن" القصة، وأنا أتأمل ما وصلت له، مدافعها الأثرية المنصوبة يأكلها الصدأ، أسوارها ومبانيها فى حاجة للصيانة والترميم، وهى لا تفتح ليلا للسائحين بسبب عدم وجود نظام إضاءة يسمح بالرؤية جيدا.

****

عدنا للشقة، وبعد تبادل دخول الحمام، وبعد الصلاة، كان الأكل قد وصل، والحديث مع الشيخ محمد عن حكايات زواجه قد حان، أسأله: "والزواجة التانية يا مولانا؟".

"حياتى بقيت معاها جحيم، كنت لما أدخل أهزر فى أى موضوع، تقول لى: آه، أنت بتقول كده عشان أنا مبخلفتش، أقولها: يا بنتى أنا مش عايز عيال، أنا مرتاح كده ومبسوط، تقوللى: أنا عايزة عيال، دور على نفسك، روح للمشايخ للسحرة، ويتقلب اليوم لغم وهم ونكد، وكل يوم من ده، لغاية ما قلت طب والله لاتجوز".

"روحت لخالتى، قلت لها: أنا تعبت من المرواح للدكاترة، بنتك يا خالة مش هتخلف معايا، عايزانى أطلقها وتشوف نصيبها مع حد تانى تخلف منه، ماعنديش مانع وتاخد كل حقوقها..

"لكن كل ما أروح لحد عشان أتجوز، آلاقى أهل مراتى ورايا، ده فيه وفيه وفيه، لا عايزنى أتجوز ولا عايزنى أطلق بنتهم، لحد ما ابن عمى رشحلى عروسة، كانت سبق لها الزواج واتطلقت بعد 4 شهور، قلت له ماشي، روحت شوفتها.. كانت رفيعة وهفتانة، قلت أكيد هتبقى كويسة بعد الجواز، وأنا باتمم الجوازة أهل مراتى عرفوا، قالولى: اللى أنت رايح تتجوزها عيانه، مصدقتش كلامهم.. افتكرتهم عايزين يفركشوا الجوازه زى ما عملوا قبل كده، واتجوزتها".

"كانت فعلا مريضة، عندها عسر هضم مزمن وأنيميا حادة، مابتستفيدش من الأكل اللى بتاكله، كانت بتمشى جنب الحيطة عشان تتسند عليها، كانت مسكينة وعايز الحق مكانش ليها جواز من أصله، بس سبحان الله، كانت أخلاق وأدب وذوق وتفهم ومحترمة، كانت لما تلاقينى زعلان، تيجى تقعد جنبى تقوللى: متزعلش نفسك، كانت أحسن واحدة اتجوزتها".

"خدت سنة معاها، كنت بنام بصعوبة جنبها، سنة مخلفتش، أهل مراتى الأولانية بدأوا يشنعوا عليا: أهو طلع مبيخلفش، وبدأت تحصل مشاكل مع أهل مراتى التانية، طلقوها منى بالعافية، مع إنها كانت عايزاني، كانت بتبكى فى بيت أبوها عشان يرجعوها، وأنا حاولت أرجعها أكتر من مرة، بس هما رفضوا..

وماتت بعدها، شيلت فيها الذنب، ووقف نعشها قدام بيتى مش عايز يتحرك، وقعدوا الناس يحركوا فيه ويقولوا: الفاتحة.. مسمحينك، وفضلت معاها لحد ما ادفنت، الله يرحمها".

وبسبب تشنيع أهل مراتى الأولى، كل ما أزور حد أو أقابل حد،  يسألني:"صُح أنت مبتخلفش"، حلفت ما أبطل جواز لحد أما آلاقى الإنسانة اللى تفهمنى.

*****

انتهينا من الأكل، وتسللت إلينا رغبة جماعية للنوم، وبالتالى تأجيل الحكاية.

قبيل الغروب كنا فى شوارع القصير نبحث عن مكان للجلوس على البحر، لمشاهدة أكثر لحظة سحرية لها، لحظة سقوطها فى البحر، مررنا على بيوت أوروبية، تحمل تاريخًا آخر للمدينة الصغيرة، تاريخ الطليان وشركة الفوسفات، لفت الأمر الصغير مؤمن، وبدأت أحكى له.

سنة 1910 أسس الإيطاليون شركة الفوسفات، ولخدمة العاملين بها من الخواجات أنشأوا كنيسة باسم "باربارا" ودى قديسة معروفة إنها بتحمى العمال، وعملوا متحفًا للحيوانات والطيور والأسماك اللى بتعيش فى البحر الأحمر، وكان لهم الفضل فى رسم خرائط الطرق التاريخية فى القصير، وكانوا بيخلوا العمال فى المناجم يتفرجوا على السينما، استوردوا عربة قطار مخصوصة شايلة سينما، كانت تمر على المناجم لعرض الأفلام المصرية والإيطالية.

اتأممت الشركة، واتغير اسمها من "شركة فوسفات البحر الأحمر" إلى "شركة النصر لتعدين الفوسفات"، وتغير اسم الكنيسة من "باربارا" إلى "العذراء مريم" وتغير مذهبها الكاثوليكى لمذهب الأرثوذوكس، ووقف عمال الشركة بسبب نضوب الخامات فى المناجم فى التسعينات.

وبخلاف الطليان، كان فى القصير 4 قنصليات تجارية، إيطاليا والنمسا وفرنسا وإيران.

******

شاهدنا البحر وهو يبتلع الشمس، وأشعتها تداعب السحاب، وجلسنا كى نشرب القهوة، بعد أن تركنا مؤمن إلى منطقة الألعاب، وعدت للشيخ محمد أسأله: اتجوزت التالتة إزاى؟

" كنت واخد شغل فى سفاجا وبأدور على عروسة، كل ما أروح بيت يسألونى: متجوز، أقول: 2، يرفضوا، لحد ما ناس وافقوا، كانت بنتهم كبيرة، وأختها الصغيرة اتجوزت، ووافق أهلها واتجوزنا".

"كل يوم الصبح وأنا طالع الشغل، تقوللى: هات شاى وسكر ومسحوق غسيل، وكل يوم أجيب، وبعدين سألت نفسى: هو معقول بنستهلك كل ده، دا أنا مابشربش فى اليوم غير كوباية شاى وأنا طالع الشغل، وكوباية بعد ما بارجع، وفى يوم، كنت بأدور على حاجة فى البيت لقيت علب بلاستكية كتيرة مرصوصة، أفتح علبة الآقى سكر، التانية شاي، مسحوق، أقراص نموس، علب كتير، أنتى بتعملى كده ليه؟، دا أنتى لو خايفة من الفقر هتتفقرى، ودا اللى حصل".

"كنت مقاول واخد 3 عمارات كلها خسرت، ورجعت أشتغل صنايعى، ولما ضاق الحال أكتر، أخدتها وروحنا نعيش فى البلد، فضلت معايا 11 سنة، خلفت منها 4 عيال من غير ما تاخد برشامة واحدة، وفضلت عندها عادة إنها تخبى الحاجات فى علب، لحد ما جانى شغل فى الضرايب فى القاهرة، ويادوب وصلت القاهرة، والمشاكل بدأت، عايزة بيت جنب أهلها فى سفاجا، طب تعالى عيشى معايا فى القاهرة، لأ.. المهم سابت العيال فى البيت ومشيت، واضطريت أنزل من الشغل، ماكنش ينفع آخد العيال معايا القاهرة، كل يوم بانزل الشغل ومش هينفع أسيبهم وحدهم فى الشقة لسه صغيرين، جارى قاللى سيبهم مع عيالى وارجع شغلك، سافرت خدت أسبوع ونزلت تانى، لقيت عيالى متبهدلين، وفضلت رايح جاى وأمهم مش عايزة ترجع، ويا بيت سفاجا يا تتطلق، طلقتها".

" وبدأت أدور على واحدة تشيل معايا الحمل، وماحدش راضى يدينى.. لحد ما واحد قاللى أنا هاجوزك بنت فلان، قلت له: متورطنيش، أبوها راجل بيشرب وأنا راجل بـ أصلى، قال لى: دى هى طهقانة من أبوها.

اتجوزتها بسرعة وخدتها والعيال على القاهرة، لقيت واحدة مهملة، لا اهتمام بالعيال ولا بنظافة البيت، وعندها استعداد تنام 24 ساعة فى اليوم، ورغم أنى خلفت منها 6 عيال، بس ما زالت زى ما هى، وكل ما أكلمها فى مسألة النظافة تقاطعنى، بتقاطعنى بالشهور وأحيانا بالسنة، مافيش أى علاقة.. بس أنا بنى آدم عندى احتياجات وعايز أتجوز.

واتجوزت؟

اتجوزت.

حلَّ الليل، وكان علينا أن نتحرك، وفى الطريق تلقيت تليفونًا من القاهرة، بضرورة العودة، بحثت عن أقرب شركة أتوبيس، وحجزت للرحيل فى اليوم التالى.

*****

فى الشقة واجهتنا مشكلة غير متوقعة، انقطعت المياه، نفذ نصيب الشقة من الماء المخزون، فالمياه فى هذه المدينة، لا تأتى سوى يوم واحد فقط من الأسبوع، كل منطقة لها يوم، يُخيل لى أنه من الممكن أن آخذ "التنك" المرصوصة أنواعه وأحجامه على الأسطح لتخزين المياه، شعارا رسميا للمدينة.

ولأنها شقة المفاجآت، فاجأتنا بعودة المياه، بعد قليل فهو يوم العودة.

كان علينا أن نودع البحر، قابلنا مجموعة من الأجانب فى نفس الشاطئ، عرفت من مرشدهم السياحى، أنهم جاءوا للغوص، فالقصير بلد الشعاب المرجانية الخلابة تجتذب هواة الغطس من العالم، أعدادهم قليلة، لكنهم مخلصون فى حبهم لهذه المدينة والقدوم إليها سنويا.

ونحن ننهى لحظاتنا الأخيرة مع المياه، سألت الشيخ محمد: مكلمتنيش عن الخامسة يا مولانا؟

"دى يا سيدى متجوزها بقالى سنة وشهرين، قريبتنا "مطلقة"، ومن أول شهر جواز، عايزة تخلف وعايزانا نروح لدكاترة عشان نخلف".

يعنى الدنيا ارتاحت ولا لأ؟

ارتاحت وما ارتحاتش.

منين بتصرف على العيال دى كلها.

المعاش على العربية، وبتمشى.

أنت فعلا بتفكر فى السادسة.

دا أنا حالف ما هبطل جواز لغاية ما آلاقى الإنسانه اللى تفهمنى، لغاية ما أرتاح، شوف لى عروسة!

****

ودعت أصدقاء الرحلة ليعودوا إلى قنا، وركبت للقاهرة، وأنا على وعد مع القصير كى أعود لها مرة أخرى، وأننى لن أنتظر 14 سنة أخرى، تركتها وأنا أفكر فى قصة العروسة السادسة.


 	أحمد عطالله

أحمد عطالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...

أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...

اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...

شخصيات لها تاريخ «97» غراتسيانى الإيطالى..سفّاح برْقَة وفزّان وتلميذ ميكافيللي

كان والده طبيبًا تخصص فى الجراحة وألحقه بالكلية العسكرية وتفوق على أقرانه وأصبح من نجوم العصر الفاشى فى إيطاليا قتل...