الشيخ محمد حشاد : مصر علمت العالم قراءة القـرآن ومشايخنا هم «الأساتذة»

قلت لفضيلة الشيخ محمد حشاد نقيب المقرئين وشيخ عموم المقارئ : هل انتهى العصر الذهبى لمدرسة القرآن فى مصر؟ هل يكون الطبلاوى هو آخر سلاطينها وأعمدتها؟ لماذا لم نعد

قلت لفضيلة الشيخ محمد حشاد نقيب المقرئين وشيخ عموم المقارئ : هل انتهى العصر الذهبى لمدرسة القرآن فى مصر؟ هل يكون الطبلاوى هو آخر سلاطينها وأعمدتها؟ لماذا لم نعد قادرين على صناعة نجوم فى دولة التلاوة فى موهبة مصطفى إسماعيل ورفعت والبنا والمنشاوى والحصرى وعبد الباسط مع حفظ الألقاب والمقامات؟

وسألته : هل استولت المدرسة القرآنية الخليجية على أسماع المصريين وسحبت منا البساط ؟

هل ما زال لمقرئينا نفس الصيت القديم فى العالم الإسلامى؟ وما الفرق بين جيل الأكابر والجيل الجديد؟ وهل أفادت التكنولوجيا وتطوراتها المذهلة قراءة القرآن أم أضرته ؟

واستمع نقيب المقرئين وشيخ عموم المقارئ والرجل المسئول عن "حراسة" القرآن فى مصر إلى أسئلتى فى صبر، ثم تكلم الشيخ حشاد وأفاض، وأجاب على كل أسئلتى واستفساراتى، بل وجدتنى فى نهاية حديثه أشاركه فى "الهم" الثقيل الذى يؤرقه والمسئولية الصعبة التى يحملها، وأدعو الله أن يوفقه ويلهمه الصبر والسداد..فاسمع معى إلى شهادة الشيخ حشاد:

(1)

المؤكد والذى لا شك فيه أن مصر هى التى علمت العالم قراءة القرآن مرتلًا ومجودًا، هذه حقيقة لا خلاف عليها، وليس فى الأمر أى أثر من المبالغة أو التعصب أو التحيز، فالثابت أن القرآن نزل بمكة وقُرئ بمصر، وأنا أقرر ذلك كشاهد، فقد زرت أكثر من ثلاثين دولة، سواء مبعوثًا من وزارة الأوقاف أو بدعوات خاصة، ورأيت بعينى مدى التقدير البالغ للمقرئ المصرى ولمدرسة القرآن المصرية ومشايخها، كما تشرفت أن أكون مُحكمًا فى مسابقات دولية للقرآن،وغالبا كانت المراكز الأولى محفوظة للمقرئين المصريين، فنحن أصحاب وورثة مدرسة عظيمة أخرجت وخرّجت أكابر المقرئين على امتداد أكثر من مائة سنة..

وفى كل البلدان التى زرتها لمست محبة حقيقية للمقرئ المصرى، بسلامة لسانه وأدائه وما يحمله وما يمثله..

ومدرسة القرآن المصرية صرح عظيم شارك فى بنائه وتشييده سلسلة من عباقرة المقرئين، وعلى امتداد أجيال متعاقبة، بداية من جيل الرواد والمؤسسين مثل الشيخ محمد سلامة والشيخ أحمد ندا والشيخ البربرى، وهى أسماء لم تحظ بشهرة جيل الشيخ محمد رفعت، لأنه لم يكن فى زمانهم إذاعة أو وسائل للتسجيل، لكننى سمعت تسجيلات نادرة للشيخ سلامة والشيخ ندا، وكنت من جيل تأسس فى زمن الكبار وتعلم منهم، وكنا ونحن فى مقتبل العمر وفى بداية المشوار نكون مرتبطين بالقراءة فى مناسبات وعزاءات، ولكننا نحرص أن نسرع بمجرد انتهائنا بالذهاب إلى السرادق الذى يقرأ فيه الشيخ مصطفى إسماعيل لنسمع منه ربع الختام، لنستمتع ونتعلم..

ورغم محبتى لكبار مشايخنا وحرصى على سماعهم جميعا، ولكننى كنت أحمل تقديرًا خاصًا للشيخ كامل يوسف البهتيمى وطريقته ومدرسته، هوايا بهتيمى، ولكننى والحمد لله لم أقلد أحدًا وقرأت بصوتى وإمكانياتى وطريقتى..

وأسعدتنى مقادير الله بالقرب من هذا الجيل العظيم رغم فارق العمر، فشاركت فى تأسيس نقابة المقرئين مع مشايخنا محمود على البنا وأبو العينين شعيشع وعبد الباسط عبد الصمد، عاصرتهم وعاشرتهم وصادقتهم، وظلت صداقتى بهم ممتدة ومتينة، وكان الشيخ عبد الباسط من أعز أصدقائى، كما كنت أعتز بصداقة الشيخ الشحات أنور وسافرت معه مرات خارج مصر، وعلاقتى ممتدة مع أولاده الشيخين أنور ومحمود، ويحرصان عليها لمعرفتهما بطبيعة علاقتى وصداقتى بوالدهما المقرئ المبدع رحمه الله.

(2)

تسألنى عن الأسباب التى أدت إلى هذا التراجع؟

أجيبك بكل صراحة بأن مصر مليئة بالمواهب الجديدة وبالأصوات الجميلة، مصر لم تعقم ولن تعقم، لكن المشكلة فى هذا الجيل الجديد أنه متعجل للشهرة والفلوس، والصوت الجميل وحده لا يكفى، فلا بد أن يدرس ويتعلم، لا بد من صقله قبل أن يصل للناس، المقرئ الجديد يحتاج إلى مراحل طويلة وشاقة للإعداد والتجهيز، كل مشايخنا الكبار مروا بتلك المراحل، فحافظوا على شيخ معلم، ودرسوا القراءات وعلوم القرآن وأجادوها، ولك أن ترجع إلى تاريخ كل مقرئ من هذا الجيل الذهبى، كل واحد فيهم قضى سنوات طويلة فى الحفظ والدرس والتعلم والإجادة حتى يجهز نفسه ويصقل موهبته..

وظل هذا الأمر شرطًا أصيلًا فيما تلى ذلك من أجيال, عن نفسى مثلا درست علم القراءات لمدة ثلاث سنوات فى المسجد الأحمدى بطنطا، وكان هذا المسجد ولا يزال بمثابة جامعة مرموقة لحفّاظ القرآن ومقرئيه، وكان معهده للقراءات يضم أكابر المشايخ الذين تخرجت على أيديهم أجيال من المقرئين..

وكل من تخرج فى الجامع الأحمدى يشعر بأنه يحمل شهادة عالية ومعتبرة فى القرآن وعلومه وقراءاته، ومن الأقوال المأثورة المتوارثة : ما علم إلا أزهرى وما قرآن إلا أحمدى..

ولذلك كانت طنطا من عواصم القرآن وحفظته وقرائه، وكان يقال إنها بلد أصوات، لأن أشهر المقرئين والمنشدين ولدوا ونشأوا وتعلموا فى ربوعها : الشيخ مصطفى إسماعيل، الشيخ الحصرى، الشيخ النقشبندى، الشيخ عبدالله شلبى..وكان لقب "مقرئ" المسجد الأحمدى بمثابة درجة رفيعة من المكانة لا يصل إليها إلا العظماء فى قامة الشيخ البنا..


ومن دواعى فخرى أننى من مواليد "كفر حشاد" بالقرب من طنطا، وبعد حفظى للقرآن إلتحقت بمعهد القراءات بالمسجد الأحمدى ودرست القراءات السبع والعشر، قبل أن ألتحق بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر..

الآن الوضع مختلف، تجد المقرئ الشاب يحفظ له "ربعين" بأى شكل، ويجد فى نفسه الجرأة فى أن يقرأ فى السرادقات والمآتم ويقدم نفسه على أنه مقرئ، لا دراسة ولا علم ولا حفظ ولا أحكام صحيحة، ولا يعدم من "يهلل" له ويبالغ فى موهبته، بل تجده يملأ "اليوتيوب" ومواقع التواصل الاجتماعى بمقاطع من قراءاته "العبقرية" بكل ما فيها من أخطاء وتجاوزات !

وكنقابة مسئولة فإن كل تجاوز يصلنا أو نطلع عليه فإننا نرسل فى طلب صاحبه، نصحح له قراءته، ونأخذ عليه تعهدات وإقرارات، لكن الوضع فعلًا لا يسر، وللأسف أصبحت قراءة القرآن فى المآتم والمناسبات والأماكن العامة مهنة من لا مهنة له، الموضوع أصبح مشاعًا وبلا رقيب، وأغلب الذين يمارسون المهنة ليسوا أعضاء فى النقابة ولا يحملون إجازة للقراءة، وحتى نمنع هذه الفوضى انتهينا من مشروع تعديل لقانون النقابة، وسنتقدم به إلى اللجنة الدينية بالبرلمان التى يرأسها فضيلة الشيخ على جمعة مفتى الديار الأسبق والعالم الجليل، وهو رجل أحسبه من أهل القرآن حيث درس علم القراءات على يد الشيخ عبد الحكيم عبد اللطيف شيخ عموم المقارئ المصرية السابق والذى خلفته فى منصبه بعد رحيله يرحمه الله..

والتعديلات الجديدة تنص على فرض عقوبات وغرامات وجزاءات على كل من يمارس مهنة القراءة فى أى مكان، عام أو خاص، بلا تصريح ولا عضوية النقابة، حتى نضمن أن من يمارس هذه المهنة الشريفة الجليلة حافظ لكتاب الله وعارف بأحكام التلاوة والقراءات الصحيحة..

فلا يجوز أن تكون تلك المهنة العظيمة مستباحة وبلا رقيب ولا حسيب، وكما أن ممارسة مهنة الطب مثلا تقتضى دراسته لعدد من السنوات والحصول على شهادة وتصريح بممارسته، فكذلك ينبغى أن يكون الأمر بالنسبة لمقرئ القرآن..وعلى من يريد ممارستها أن يحفظ كتاب الله على يد شيخ، ويدرس علوم القراءات وأحكامه..أؤكد أن لدينا مواهب كبيرة وحقيقية وأصوات لا تقل روعة عن الجيل الذهبى، لكن أصحابها لا صبر لهم ولا طاقة على الحفظ والتعلم وإجادة الأحكام، لا أريد من أحدهم أن يدرس سبع سنوات كطالب الطب، فقط يخصص نصفها للدراسة الجادة ليصقل موهبته، وسيصبح بعدها قارئًا لا مثيل له.

القانون الملزم المنظم لمهنة القراءة هو الحل.. وهو الطريق المستقيم لاستعادة مجد مدرسة القرآن المصرية.

(3)

أستطيع أن أقول إن ما سمى بممارسة القرآن الخليجى ظاهرة وانتهت، ولم يعد لها تأثير ولا انتشار، وكان ذيوعها فى فترة بالشارع المصرى مؤقتا ومرتبطا بأسباب أظن أنها تلاشت، ولم يبق فى الوجدان المصرى إلا أصوات مشايخنا العظام ومدرسة القرآن المصرية باختصار..كانت موجة وانتهت.

ولعلمك فإن المخلصين من هؤلاء المقرئين الخليجيين يعترفون بأنهم تعلموا على يد المقرئين المصريين، ولا يكتمون هذه الشهادة، بل منهم من يقولها بفخر..فقد ظلت مصر على امتداد أكثر من خمسين سنة ترسل مقرئيها إلى كل البلدان العربية لنعلمهم القراءة والتجويد والأداء القرآنى.

المدرسة المصرية ومقرئيها ما زالت هى صاحبة التأثير الأكبر والأشهر والأهم والأوسع..حتى التجويد الذى أبدعنا فيه وتميزنا حاول المقرئون فى بعض البلدان تقليده، لكن التجويد المصرى يظل بلا منافس "لهجة وأداء وإبداعا"، خاصة وأن كثيرين من مقرئينا الكبار كانوا ملمين بالمقامات الموسيقية وأسرارها، وفى تصورى أن المقرئ المحترف لا بد أن يكون عنده فكرة كافية عن المقامات، لأنها من أساسيات فن التلاوة، وتساعد المقرئ على اختيار المقام المناسب لصوته، وعلى الانتقال النغمى الصحيح بين المقامات، لأن الخطأ فى تلك الانتقالات يمكن أن يوقع المقرئ فى "النشاز"..

والقارئ المتمكن لا بد أن يجمع بين الحفظ والأحكام وعلوم القراءات وفن المقامات..ولو استطاع الجيل الجديد أن يجمع هذه العناصر فإن مدرسة القرآن المصرية ستعود سيرتها الأولى من ناحية التألق والإبداع.

(4)

كان من بين أسباب تألق مدرسة القرآن المصرية فى عصرها الذهبى..الكتاتيب والمآتم..

"الكُتاب" كان المدرسة الأولى التى تخرج فيها كبار المقرئين، حيث حفظوا وتتلمذوا على يد شيوخها، ولذلك أتصور أن عودتها ضرورية ولازمة، ولأنه من الصعب تكرار الشكل التقليدى القديم للكتاب، فإن من الجهود التى تُحمد عليها وزارة الأوقاف هى إيجاد شكل جديد للكتاب، من خلال ما يسميه معالى وزير الأوقاف "المدارس القرآنية"، وهى مراكز تحفيظ القرآن الملحقة بالمساجد، وفيها يتلقى الطلاب والتلاميذ دروسهم فى الحفظ والتجويد على يد متخصصين، وأرجو لهذه المدارس مزيدا من الانتشار والإمكانيات..

أما المأتم فهو طقس مصرى خاص ومتميز وننفرد به فى العالم الإسلامى، فلا يوجد بلد يشيع موتاه بسرادقات للقرآن، وأتصور أن تلك الظاهرة المصرية ساهمت فى نشأة مدرسة القرآن المصرية وتألقها واكتشاف نجومها وجعلتهم فى المقدمة ومنحتهم من الخبرات الكثير..

والنقطة التى لا بد من الإشارة إليها هنا هى أن جمهور هذه السرادقات كان من "السميعة" وثلاثة أرباعهم من حفظة القرآن والعارفين بأحكامه، وكان يحدث أن يتجه بعضهم إلى المقرئ بعد أن ينتهى من تلاوته لينبهوه إلى الأخطاء التى وقع فيها من أحكام التلاوة، وكان المقرئ يتقبلها بكل تواضع..وللأسف فإن هذا الجمهور القديم من سميعة السرادقات لم يعد موجودا، مما سهل لأى مقرئ أن يجلس على الدكة ويقرأ ويرتكب ما شاء من أخطاء دون أن يردعه أحد، بل يحدث أحيانا من جمهور المآتم الآن ما لا يتفق مع جلال القرآن وهيبته، فيتصايحون ويتجه بعضهم لتقبيل المقرئ بعد كل جواب، ويكون من دواعى فخره أنه "قلب" المآتم إلى فرح !

أنا فاكر فى مآتم زمان كنت ترمى الإبرة ترن أثناء قراءة المقرئ ، بل وأقسم بالله أن دموع الحاضرين كانت تسيل من فرط التأثر والخشوع..

ورغم تقدم الاتصالات وأهمية التكنولوجيا فإننى أرى أن تلك الوسائل الحديثة كانت أضرارها للقرآن أكثر من نفعها، فأى مقرئ مبتدئ من الممكن ان تحوله هذه الوسائل إلى نجم فى يوم وليلة دون موهبة حقيقية أو امتلاك لشرط وأحكام التلاوة..

ورغم كل ذلك فإننى أشعر بالتفاؤل، وأتصور أن التعديلات الجديدة للقانون ستصحح الأوضاع، وستكون بداية مبشرة لعودة أمجاد مدرسة القرآن المصرية وأيامها الخوالى..وندعو الله التيسير والتوفيق والهداية والسداد.


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

السعودي شو وتجربة شراء اشتراك نتفلكس بطريقة أكثر اطمئنانًا

في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية

ابتلى به الإنسان من بداية الخلق .. الاختيار مسئولية

بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية