عبدالباسط عبد الصمد .. صوت بمذاق «الخوخ» وشجن مقام «الصبا»

كان لأستاذنا الكاتب الساخر الكبير محمود السعدنى تصنيف عجيب لأصوات كبار المقرئين لم يسبقه إليه أحد، فهم عنده مثل جنة فواكه عامرة، لكل صوت منهم مذاق فاكهة بعينها،

كان لأستاذنا الكاتب الساخر الكبير محمود السعدنى تصنيف عجيب لأصوات كبار المقرئين لم يسبقه إليه أحد، فهم عنده مثل جنة فواكه عامرة، لكل صوت منهم مذاق فاكهة بعينها، فالشيخ رفعت له مذاق التفاح، وصوت الشيخ مصطفى إسماعيل فى حلاوة العنب البناتى، ويشعر فى صوت الشيخ الحصرى بطعم الجوافة، وصوت البنا له حلاوة البطيخ الشلين، وفى صوت الشعشاعى مذاق الرمان..

أما صوت الشيخ عبدالباسط عبد الصمد فاختار له مذاق الخوخ، وهو اختيار مدهش وموفق، فلو تأملت صوت عبدالباسط وحللته فستجد فيه حلاوة الخوخ ونداوته وذلك الطعم اللاذع الذى يكسر ميوعة السكر، فيفتح شهيتك ولا تمل منه أبدا.

     (1)

يظل صوت الشيخ عبدالباسط واحدا من العلامات الكبرى فى دولة القرآن المصرية، صوت لا تخطئه الأذن ولا يلتبس عليها، ومن أول حرف ينطقه تتعرف عليه وتأنس له ويتسرب إلى قلبك بعذوبته وطلاوته وطريقته التى صارت ماركة مسجلة باسمه، حاول كثيرون تقليدها، لكن الأصل ظل فارقا لا يطاوله أحد.. وفى صوت الشيخ عبدالباسط خلطة فريدة من القوة والحنان والنضارة والرقة والخشوع والصفاء والحزن النبيل.. وكان مما يذهلنى فى صوت الشيخ عبدالباسط هو طول النفس، وأذكر تسجيلا له قرأ فيه فاتحة الكتاب فى نفس واحد، بسهولة وعذوبة واستمتاع، لم يخذله صوته ولا نفسه فى لحظة ولا حرف..

وسألت نجله اللواء والمقرئ طارق عبدالباسط عن السر فى طول نفس والده وقدرته المذهلة على التحكم فيه، فأرجعه إلى سببين، الأول هو الموهبة الربانية والمنحة الإلهية، والثانى هو العادة التى لازمته منذ أن كان صبيا فى قريته "المراعزة" فى محافظة قنا بصعيد مصر، إذ يستيقظ فى ساعات الصباح الأولى ليمارس رياضة المشى واستنشاق نسمات الهواء البكر المحملة بالأكسجين النقى، وظل على هذه العادة الصحية التى ربما تكون ساعدت رئتيه وأنفاسه أثناء التلاوة.. ويمكنك أن تضيف سببا آخر وهو طريقته المنظمة فى الأداء، فلا يستعفى بصوته ويجبره، بل هى قراءة متصاعدة وتدريجية من القرار إلى جواب الجواب وبالعكس، وأنا يضيف اللواء طارق عبدالباسط أشبهه بقائد الطائرة، إنه يبدأ بالسير على الأرض لدقائق قبل أن يقوم بالإقلاع ويستمر فى الصعود التدريجى حتى تستقر الطائرة فى طبقات الجو العليا وتأخذ خط سيرها، وطول الرحلة يتفادى المطبات الهوائية ويطير بسلاسة ويتنقل بين المقامات ببراعة، فإذا ما أوشكت الرحلة على النهاية فإنه يهبط بسلام ويعود إلى القرار الذى بدأ منه.. كل ذلك يفعله بفطرة وتلقائية وإلهام ربانى، ولذلك هناك من يستغرب أن والدى لم يدرس الموسيقى ولا مقاماتها، بالعكس.. أنا أعتقد أن أهم ما يميزه هى الفطرة الموسيقية القرآنية السليمة إذا جاز الوصف، وهو أمر اكتسبه بجانب الموهبة من مشايخ المقرئين الذين سبقوه، خاصة محمد رفعت ومصطفى إسماعيل ومحمد سلامة مع حفظ المقامات، كان يواظب على سماعهم فى الراديو وهو فى الصعيد قبل مجيئه للقاهرة، فسماعيا تعلم منهم القفلات والنقلات، لكنه لم يقلد أحدا فيهم وصنع لنفسه طريقة ومدرسة وشخصية.. موسيقى القرآن هى الأصل والأساس، والملحنون والمطربون أخذوا وتأثروا بالمقرئين وليس العكس.. يعنى الشائع والثابت أن الشيخ عبدالباسط كان صوته يتجلى فى مقام الصبا بما يميزه من حزن وخشوع، وهناك من تعلم منه وتأثر بطريقته وإبداعه فى هذا المقام.."

(2)

كلام اللواء طارق عبدالباسط يؤيده ويدعمه ما سبق أن قاله الناقد الموسيقى الكبير كمال النجمى حين كتب فى أعقاب رحيل الشيخ عبدالباسط عام 1988: "من حسن حظ الشيخ عبدالباسط أنه بعد أن تعلم القراءات السبع أو العشر واحترف القراءة لم يتح له أن يجلس طويلا إلى كبار القراء ليأخذ عنهم أساليبهم فى التغنى، فلم يقلد أحد منهم ، لأنه قرأ قبل أن يسمع منهم والسماع الطويل قوى التأثير ويغرى بالتقليد".

وكان النجمى بحكم متابعته الطويلة والمتصلة لرحلة الشيخ عبدالباسط بحكم النشأة فى قنا والصداقة فى القاهرة من أبرز من كتب عن صوته وحلله بعمق وفهم ووعى، فقال: "وإذا نظرنا إلى صوت الشيخ عبدالباسط فى قمة نضجه، بين أواسط الستينيات وأواخر السبعينيات، بدت لنا صورة تكوينه السهل الممتنع، فى مساحته الممتدة المتألقة من طبقة "التينور" الغنائى (وهو أشد أصوات الرجال حدة وارتفاعا).. كان صوته بمقاماته الخمسة عشر يرتل القرآن ترتيلا، عارضا على مستمعيه معانيه وألفاظه عرضا وهاجا، وكان كثير التحزن فى قراءاته، دائم التعريج على نغمة الصبا الحزينة يلون بها قراءاته مهما كان المقام الأصلى الذى يقرأ فيه.. وكان يعتنى كل العناية بإبانة الحروف وتمييز بعضها من بعض على خير وجه، وإظهار التشديدات وتوفية الغنات وإتمام الحركات وتفخيم ما يجب تفخيمه من الحروف، وترقيق ما يجب ترقيقه، وقصر ما يجب قصره، ومد ما يتعين مده، والوقوف على ما يصح الوقوف عليه، لا على ما يتفق ومسار النغمات وحدها.."

ويشهد له النجمى أنه الذى جلس على عرش دولة التلاوة فى مصر بعد الشيخ مصطفى إسماعيل، ويقول بنص كلماته: ولكن صعود نجم الشيخ عبدالباسط زحزح جميع القراء ليكون هو القارئ الثانى بعد الشيخ مصطفى إسماعيل، وظل كذلك حتى وفاة الشيخ مصطفى، فلم يجد الناس بين القراء على كثرتهم من هو خير من الشيخ القادم من أرمنت".


(3)

والحق أن صوت الشيخ عبدالباسط يحظى بتقدير خاص لدى نقاد الموسيقى ومتذوقيها وأهل الاختصاص، وقد طلبت من د. عفاف طلبة الأستاذ بالكونسرفتوار (أكاديمية الفنون) أن تقدم لى شهادة عن صوت الشيخ عبدالباسط ، يتضمن رؤيتها من الناحية الموسيقية والأداء الصوتى، وبحماس استجابت وبأسلوب رصين كتبت د. عفاف طلبة هذه الشهادة المهمة:

"صاحب الحنجرة الذهبية، صوت مكة، سفير كتاب الله.. كلها مسميات للصوت الأسطورى الذى قلما يجود الزمان بمثله. إنه شيخنا رحمه الله الشيخ عبدالباسط عبد الصمد الذى مازالت تلاوته تتصدر المشاهد والمسامع، ليس فى مصر فقط بل فى كل أنحاء العالم وينبهر بصوته حتى من لا يعرف لغة القرآن الكريم.

يمتلك عبدالباسط مساحة صوتية كبيرة تصل إلى أوكتافين ونصف (الأوكتاف كمصطلح موسيقى عبارة عن ثمانية أصوات)، كما أن صوته به موجات تشبه موجات الشوكة الرنانة والتى تستخدم فى تدريس علم الصوت وضبط الآلات الموسيقية كالبيانو والآلات الوترية، ولهذا يستطيع أن يقرأ أمام الآلاف دون ميكروفون من شدة وقوة صوته الذى يشبه فى جواباته إلى حد كبير صوت الأطفال من حيث الرقة والنعومة، ونظرا لإمكانيات صوته وحنجرته الذهبية يستطيع القراءة والترتيل فى كل المقامات والانتقال بينها بيسر وسهولة.. وأنا شخصيا من عشاق صوته المغلف بالخشوع فيلامس أوتار القلوب كلما سمعته أشعر بالرهبة والسكينة فى نفس الوقت.. كما أنه لمرونة صوته يستطيع الانتقال بين الطبقات وتعديل الجواب حسب معانى الآيات وأحيانا يكرر الآية فى أكثر من طبقة.. فنجد الصوت الشجى فى الآيات الحزينة والفرح فى آيات البشارة والجنة.

كما أن تجسيده لمعانى الآيات يصل بالمشاعر إلى درجة الإشباع (الذروة النغمية) فاستطاع بحق أن يطرب الروح قبل الأذن.

ويعد عبدالباسط من أكثر وأشهر المقرئين الذين استخدموا التنغيم فى تلاوة القرآن  مما يحفز المستمع ويجبره على الاستماع له وتدبر آياته، فهو يطوع التنغيم لخدمة المعنى باستخدام طرق مختلفة مثل التشديد على الكلمات، الوقف، تصوير الآيات من طبقات مختلفة ببساطة (سلطنة المقام) الانتقال بين المقامات ببراعة ليصل إلى قلب وروح المتلقى.

وفى تلاوات كثيرة لشيخنا الجليل خاصة فى قصار السور التى برع فى قراءتها أجد عينى مجبرة على البكاء خاصة عندما يقرأ آيات الوعيد والترهيب وآيات التفكر فى خلق الله والإعجاز الإلهى ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت﴾ "سورة الغاشية" فى مقام الحجاز وهى من أكثر المقامات المحببة إليه والتى برع فيها ومن أكثر المقامات روحانية وخشوعا، كما هو بارع أيضا فى استخدام أكثر من مقام فى السورة الواحدة وتوظيفها باحترافية شديدة مع المعانى التى تشتمل عليها هذه الآيات، وذلك يرجع إلى إيمانه الشديد بمدى تأثير المقامات على الحالة النفسية للمستمع.

وهو يجيد أيضا القراءة بطبقات الصوت الثلاث:

* القرار وهو الذى يبدأ به التلاوة 

* الجواب فى أواسط التلاوة

* جواب الجواب

ثم الهبوط  مرة أخرى للجواب والانتهاء بالقرار لختم التلاوة.

ويمتلك عبدالباسط بجانب صوته المتفرد الذى جعله يتربع على عرش التلاوة  النفس الطويل الذى يمكنه من قراءة أطول الآيات دون توقف.

وجدير بالذكر أن مسابقات القرآن الكريم التى تعقد دائما فى شرق آسيا يتبارى المتسابقون فى محاكاة وتقليد صوت الشيخ عبدالباسط عبد الصمد، وهذا وإن دل فيدل على مدى التفرد والتميز فى صوته ومدى التأثير الذى تركه فى آذانهم ووجدانهم فاتخذوه مثالا وقدوة.. ولذلك سيبقى صوته حاضرا ومؤثرا.. وسيبقى فى وجداننا صاحب المقولة البليغة: ( القرآن موسيقى الروح).

   (4)

وما تشير إليه د. عفاف طلبة فى شهادتها، ونقصد تلك الشعبية الجارفة التى يتمتع بها الشيخ عبدالباسط فى منطقة دول شرق آسيا بالذات، فهو أمر يلفت نظر كثيرين ويستوقفهم ويثير تعجبهم، وهو ما سألت عنه اللواء طارق عبدالباسط ووجدت عنده إجابة مقنعة:

"بعد اعتماد والدى مقرئا بالإذاعة عام 1952 عُين قارئا بمسجد الإمام الشافعى، وظل لسنوات طويلة مواظبا على قراءة قرآن الجمعة هناك، وكان المسجد مقصدا لطلاب البعوث الإسلامية من الدارسين بالأزهر وخاصة من الدول الإسلامية فى شرق آسيا وخاصة باكستان وإندونيسيا وماليزيا، ولأنهم كانوا يدرسون مذهب الإمام الشافعى فإنهم كثيرا ما كانوا يترددون على مسجده، وبحكم تلك الزيارات المتكررة وقعوا فى هوى مقرئ المسجد وارتبطوا به وكانوا يسجلون قراءاته ويقتنون أشرطته ويحملونها معهم إلى بلدانهم، ومن خلالهم اكتسب الشيخ عبدالباسط شهرة هائلة فى تلك البلدان، ودُعى لزيارة إندونيسيا لأول مرة سنة 1956 بصحبة الشيخ المنشاوى، وفى زيارته لباكستان قرر الرئيس حينها الجنرال ضياء الحق أن يكسر قواعد البرتوكول الرسمى من فرط تقديره ومحبته للشيخ عبدالباسط، فوقف يستقبله بنفسه أمام سلم الطائرة، فى واقعة كانت تحدث لأول مرة يُستقبل فيها مقرئ استقبالا رسميا كما يُستقبل الملوك والرؤساء، ولما زار إندونيسيا لم يجدوا إلا المسجد الكبير فى جاكرتا ليقرأ فيه الشيخ عبدالباسط، فامتلأ عن آخره ووقفت الحشود أمام المسجد تستمع للصوت السماوى. لكن رغم منطقية التفسير وواقعيته وما يدعمه من أدلة إلا أنه لابد أن يكون هناك سبب آخر إضافى، فما الذى وجده المستمعون والسميعة على امتداد العالم الإسلامى فى صوت الشيخ عبدالباسط حتى يحظى بكل هذه المحبة التى لخصها محمود السعدنى عندما وصفه بأنه: صوت عموم المسلمين؟

حملت سؤالى إلى الموسيقار والملحن الكبير منير الوسيمى.. وعنده وجدت كل الإجابات والأسرار.. فماذا قال منير الوسيمى عن "المزيكا" فى صوت الشيخ عبدالباسط عبدالصمد؟.. انتظرونا..


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد