أبقى خنفس.. وأخون الحاجة الوحيدة اللى آمنت بيها فى حياتى.. خنفس اللى باع زمايله واتسبب فى موتهم.. أبقى خنفس اللى خان جيشنا واتسبب فى هزيمتنا.. أبقى خنفس وأقول عرابى
أبقى خنفس.. وأخون الحاجة الوحيدة اللى آمنت بيها فى حياتى.. خنفس اللى باع زمايله واتسبب فى موتهم.. أبقى خنفس اللى خان جيشنا واتسبب فى هزيمتنا.. أبقى خنفس وأقول عرابى خاين والثورة هوجة.. والثوار خونة.. احرقوهم.. ليه خنفس ابن الكلب اللى اتسبب فى أزمتنا يعيش.. وعبيد اللى انصهر تحت مدفعه من سخونته يموت وهو بيدافع عن وطنه.. ليه يا طلعت ليه.. أمثال خنفس ده يعيشوا وعبيد هو اللى يموت؟
ماسبق ديالوج لمشهد ماستر سين فى مسلسل واحة الغروب الذى أنتج عام 2017 على لسان محمود عبد الظاهر (خالد النبوى) ضابط الشرطة المغضوب عليه من الاحتلال الإنجليزى وأذنابه والذى يتم نقله إلى واحة سيوة بسبب تعاطفه مع عرابى ورفاقه.
هذا المسلسل مأخوذ عن الرواية الشهيرة لبهاء طاهر بنفس الاسم والتى فازت بأول جائزة للبوكر العربية عام 2008.. وفى شذرات منها يجىء اسم البطل المصرى العظيم محمد عبيد الذى ارتقى إلى مرتبة أولياء الله الصالحين فى وجدان وعقل المصريين ومروياتهم الشعبية.
بعض الأبطال يظلمهم التاريخ فلا يتوقف عندهم كثيرا.. فالتاريخ يتواطأ أحيانا حين يكتبه من يحققون فى غفلة منه فوزا دنيئا ملوثا بالخيانة والحقارة والوضاعة.. وكلها صفات اقترنت بتلك المعركة التى انتصر فيها الإنجليز على البطل المصرى المناضل الشريف أحمد عرابى ورفاقه العظماء من أمثال محمد عبيد وحسن رضوان وطلبة عصمت وأحمد فراج وأحمد عبد القادر وغيرهم من الأبطال.
ليه أمثال خنفس يعيشوا وعبيد هو اللى يموت؟
سؤال على لسان بطل مسلسل واحة الغروب اقتضته ضرورة درامية باعتبار أن أحداث المسلسل جرت عقب الثورة العرابية مباشرة.
الحقيقة أن خنفس مات واندفن واحتقر ولعن ولا يذكر إلا مقرونا بالخيانة لوطنه موصوما بعارها.. أما محمد عبيد فبقى حيا خالدا مزدانا ومتوجا بتاج البطولة والمجد والفخار وقد استشهد فى أشرف ساحة وأنبل مقصد:
«والأمهات بحرى البلد تناديه.. دهب الحريم عيط عشان يفديه
لاجل الولاد خلى البطل يضرب.. يكسر صفوف الإنجليز يضرب
يا بنايين تضرب معاه الطوب.. الفجر لمحمد عبيد مكتوب»
هكذا أبدع فؤاد حداد قصيدة فى حب محمد عبيد وفى تخليد ذكراه.. أسماها "عظم شهيدك"
الحقيقة أن بطولة محمد عبيد كانت أسبق من صموده الأسطورى فى معركة التل الكبير.. إذ يمكن اعتباره البطل الثانى والركن الصلد فى الثورة العرابية.. كان عبيد المولود فى كفر الزيات قد التحق جنديا عاديا فى الجيش المصرى وتمتع بصفات إرادية وإمكانيات عسكرية كبيرة أهلته لأن يحصل على درجة البكباشى فى مايو عام 1880 وكان عبيد ساخطا وحانقا على تلك الطريقة التى يتم بها التفرقة بين الضباط الجراكسة ونظرائهم المصريين.. كان يستفزه ويثير غضبه الشديد أن أبناء الوطن لا يحصلون على ما يكافئ جهدهم وعزيمتهم بينما تذهب الامتيازات كلها للاجانب.. وقد كانت وجهة نظره الوطنية هى نفس ما نادى به أحمد عرابى ورفاقه.. وهكذا أصبح محمد عبيد واحدا من الأبطال الذين يقدرهم عرابى ويعتمد عليهم.
وحين بدأ عرابى ثورته واحتجاجه بشكل رسمى وعلنى نذر محمد عبيد روحه لعرابى وثورته، ونصب نفسه حارسا لعرابى ورفاقه وعينا ساهرة على حمايتهم من مكائد الخديو والضباط الشراكسة الذين أزعجهم أن يتمرد ضباط مصريون عليهم وعلى ما تم منحه لهم من امتيازات كبيرة بلا سبب ولا مبرر.
فى 31 يناير من عام 1881 قدم عرابى ورفيقاه عبد العال حلمى وعلى فهمى شكوى رسمية إلى مصطفى باشا رياض رئيس النظار تطالب بعزل ناظر الجهادية الشركسى عثمان رفقي، وبمجرد أن ذهبت الشكوى لرئيس النظار كان رفقى أول من يعلم بها، فهداه تفكيره الخبيث إلى أن ينصب لهم كمينا فبعث إليهم فى نفس اليوم الذى أودعوا فيه شكواهم دعوة لحضور زفاف شقيقته وكان اسمها جميلة.. فى اليوم التالى مباشرة ذهب عرابى ورفيقاه إلى الفرح المزمع ففوجئوا بعدد هائل من الضباط الشراكسة وبوجود رئيس الأركان أنستون باشا وكان أمريكيا وبناظر المدرسة الحربية لازمى باشا وكان فرنسيا.
ونزعت سيوف عرابى ورفيقيه وتم القبض عليهم واعتقالهم فى قاعة بقصر النيل مطلة على النيل، وكان المزمع أن يأتى رفقى وأعوانه بثلاثة صناديق بها فتحات من الصاج ويضعون عرابى ورفيقيه بها، ثم يقومون بإلقائهم فى مياه النيل.
وحده محمد عبيد كان يقظا منتبها لا يهدأ له بال، وأدرك دون تفكير طويل أن ثمة مؤامرة لابد وأنها دبرت لعرابى وعبد العال حلمى وعلى فهمى.. وبسرعة ضرب محمد عبيد نوبة طابور وجمع عساكره وتوجه بهم سريعا إلى قصر النيل.. وقبض فى طريقه على ضابط شركسى يدعى خورشيد، بل قبض فى طريقه على كل من كان يعترضه غير خائف ولا مبالٍ بما كان يمكن أن يحدث له لو لم يعثر على عرابى وحلمى وفهمى وأخذ يبحث ويفتش فى قصر النيل حتى وجد عرابى ورفيقيه فأطلقهم من محبسهم فى القاعة المطلة على النيل.
يقول عرابى فى مذكراته التى حققها عبد المنعم الجميعي: "كل الشكر والفخر للبطل المقدام والشجاع والهمام محمد أفندى عبيد الذى كان إنقاذنا من الهلاك على يديه".
الشهيد .. الولى
"الولس كسر عرابى " جملة حزينة وكسيرة وخالدة فى تاريخ مصر قالها المصريون بعد هزيمة أحمد عرابى وانكساره فى معركة التل الكبير فى الثالث عشر من سبتمبر عام 1882، وقد فسرها بعض المؤرخين على أنها تحمل معنيين أولهما أن الخيانة والموالسة هى التى أدت إلى هزيمة عرابى وثانيهما أن القائد الذى كان يقود الإنجليز فى معركة التل الكبير يدعى ولسلى وهو ما قصدته العبارة الشهيرة. والمؤكد أن العبارة لم تكن تحمل إلا المعنى الأول فقط، فالخيانة وحدها هى التى هزمت عرابى.
فى التل الكبير اجتمع المصريون على نداء الوطن، أقيمت الاستحكامات والخنادق من الطين والرمل تحت إشراف المهندس العبقرى محمود باشا فهمى، وتبرع الفلاحون بالأقمشة والحبوب والمواشى ودبر عرابى ورفاقه خطة محكمة قال عنها قائد إنجليزى بعد انتهاء المعركة إنها لو نفذت لانتصر العرابيون.. لكن الإنجليز بما عرفوا به من خبث ومكر فتشوا ودققوا واستطاعوا أن يعثروا على أربعة خونة كانت خيانتهم سببا فى احتلال جثم على صدور المصريين أكثر من سبعين عاما وفى تغيير مسار التاريخ على أرض مصر والمنطقة كلها:
محمد باشا سلطان الذى قبض عشرة آلاف جنيه ومنح عشرة آلاف فدان على جثة الوطن والذى قام بدوره بتجنيد خائن آخر كان أكثر خطورة وخبثا هو سعيد الطحاوى وكان واحدا من شيوخ بدو الصحراء الشرقية عينه عرابى ليكون عينا له وليطلعه على تحركات الإنجليز وكان يثق فيه ثقة عمياء فجاءت الطعنة النجلاء لعرابى ولمصر من هذا الخائن الذى أقسم لعرابى أن الانجليز مستكينون فى موقعهم ولن يتحركوا إلا قبل أسبوع وغادر خيمة عرابى ليتجه إلى موقع الجيش الإنجليزى وليخبرهم أن الفريسة جاهزة للقنص وأن عرابى وجيشه سيخلدون للنوم وبمقدورهم حصدهم وهم نائمون.
ثم عبد الرحمن حسن نائب قائد فرقة السوارى أو الاستطلاع الذى أمر جنوده بالانسحاب أمام الفيالق الإنجليزية. ثم الخائن الأشهر على يوسف خنفس الذى أضاء للإنجليز. الأنوار وقادهم إلى مكان تمركز جيش عرابى.
أحد عشر ألف جندى إنجليزى يحملون إحدى عشرة بندقية وستين مدفعا بالإضافة إلى ألفين من الفرسان صبوا قذائفهم ورصاصهم على أفراد جيش عرابى وهم نائمون، فكانت تلك المذبحة البشعة التى قتل فيها أكثر من عشرة آلاف جندى مصرى، لم تكن هناك فرصة للنصر لدى جيش عرابى لكن كانت هناك فرصة للمقاومة وللبطولة، فرغم الخيانة السافرة ورغم أن الجيش المصرى أخذ على غرة لكن البطولات التى سطرتها المدفعية المصرية التى كان يقودها اليوزباشى حسن رضوان سطرت ملحمة فى الصمود كبدت الإنجليز خسائر هائلة فى المعدات والأفراد اعترفوا بها وقللت من فداحة الهزيمة التى صنعها الخونة.. وكان محمد عبيد على رأس أبطال المدفعية المصرية.
ظل محمد عبيد على مدفعه يقاتل ويقاوم ويوجه طلقاته لجيش الإنجليز فيحصد أرواحهم ويكبدهم خسائر فادحة لا يمكن تخيلها قياسا إلى الوضع الذى كان على الأرض بعد أن تعرض الجيش المصرى للقذائف الإنجليزية دون أدنى استعداد للمواجهة.
ظل محمد عبيد على مدفعه حتى انصهر جسده بفعل سخونة نيران المدفع الذى ظل واقفا عليه كالأسد يصوب نيرانه بلا كلل.. نعم انصهر جسده وتناثر بعض أشلائه تحت سنابك الخيل فلم يجمع من جسده شىء ولم يعرف له قبر؛ لينصبه المصريون وليا من أولياء الله وليتحول فى وجدانهم إلى هذا الولى العظيم.. وتناقل المصريون أيامها روايات عن أن أحدهم شاهده فى الكعبة يطوف ببيت الله، وأن آخر شاهده فى الشام وأن ثالثا شاهده فى حلقة ذكر فى الصعيد.
سيدى الولى البطل محمد عبيد.. دمت وليا حيا فى قلب كل من يحب هذا الوطن.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...
استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى
أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...
تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...