لا تحتاج إلى جهد يذكر لتدرك أن صورة سعاد حسنى هى الأكثر شيوعا على صفحات ومنصات التواصل الاجتماعى، وهى الاختيار المفضل للاتى يردن التخفى فيستخدمن صورتها بدلا من صورهن
لا تحتاج إلى جهد يذكر لتدرك أن صورة سعاد حسنى هى الأكثر شيوعا على صفحات ومنصات التواصل الاجتماعى، وهى الاختيار المفضل للاتى يردن التخفى فيستخدمن صورتها بدلا من صورهن الحقيقية، وربما تكون هناك أسباب نفسية أعمق للاختيار، وفى اللاشعور رغبة دفينة فى التشبه بتلك التى صارت أيقونة للأنوثة والبهجة والجمال والسحر وحلاوة الروح. وحتى على صفحات الرجال تجد صورة سعاد هى الأكثر حضورا، إنها حلمهم الدائم العابر للأجيال، والمثال الساطع للمرأة المشتهاة، بحلاوتها وشقاوتها وجاذبيتها، بربيعها الدائم وضحكتها التى لا تفارقها، بمقاييس الأنوثة التى تجعلها ملكة متوجة وكاملة الأوصاف.
هذا هو الانطباع المباشر الذى يتسرب إليك بمجرد أن تطالع صورها وملامحها، أو بتعبير أستاذنا الناقد السينمائى المرموق كمال رمزي: شيء ما يتلألأ فى روح سعاد حسنى ويظهر جليا على الشاشة، ويبدو كسر من الأسرار التى يصعب إدراكها وتفسيرها.
ولكنه – هذا الانطباع – رغم سطوعه وشيوعه يبدو زائفا ولا يعبر عن الحقيقة، بل إنه يمنح صاحبته جائزة الأوسكار فى فن التمثيل، لأنها استطاعت أن تخدعنا جميعا وتخفى خلف هذا القناع المبهج الساحر فيضا من الألم والوجع والحزن والدموع..
والمتأمل فى حياة سعاد حسنى (التى نحتفل هذه الأيام بعيد ميلادها الـ 79) لابد أن يتوقف أمام هذه المفارقة المدهشة، وأن يتساءل: كيف استطاعت سيدة البهجة أن تختزن كل هذا الألم؟!.. وكيف تفجر كل هذا الفرح من قلب الشجن؟!.. وكيف أصبحت صديقة للحياة من خذلتها الحياة؟!
(1)
منذ ميلادها كانت سعاد على موعد مع القدر، مع طفولة معذبة وافتقاد للأمان، فقد فتحت عينيها على أسرة "درامية"، لأب خطاط موهوب وعاشق نهم للحياة، يعيشها كطير طليق ولا يفكر أبعد من يومه، تزوج ورزقه الله بأربعة من الأبناء: ولدان (عز الدين وسامي) وابنتان (سميحة ونجاة)، ولما ماتت زوجته الأولى فجأة وجد الحل سريعا فى أن تكون شقيقتها هى الزوجة الثانية، وتولت الخالة مسئولية تربية الأبناء، الذين سرعان ما تضاعف عددهم بعد أن أنجبت هى الأخرى لمحمد حسنى البابا خمسة: صلاح ونبيل.. وثلاث بنات: كوثر وسعاد وصباح!
ولم تحتمل "جوهرة" – الزوجة الثانية – نزوات وجنون زوجها وإهماله لبيته وأولاده فطلبت الطلاق، وبعد صراعات ومحاكم ومساومات حصلت عليه، وسرعان ما تزوجت لتجد رجلا يرعى أولادها ويتحمل معها مسئوليتهم، وهكذا وجدت الطفلة سعاد نفسها فى بيت زوج أمها الأستاذ عبد المنعم حافظ، وما هى إلا سنوات حتى وصل عدد إخوتها إلى17!
وعاشت سعاد فترة من الشتات بين أب يريد أن يعاقب أمها على انفصالها عنه فأصر أن يحتفظ بأولاده فى كنفه وبرعاية زوجته الجديدة.. وبين أم تريد حريتها وحياة جديدة مع رجل يحنو عليها وتنشد عنده الأمان.. لم تكن الحياة إذن رفيقة بسعاد منذ أن جاءت إليها، فلم تعش حياة طبيعية فى أسرة طبيعية، أو باعترافها هى فى حواراتها البديعة والأكثر صدقا مع منير مطاوع فى تغريبتها الطويلة فى لندن أثناء رحلة علاجها: "أنا عشت حياة مختلفة عن أى بنت من جيلى، يعنى عيلة كبيرة مليانة بنات وولاد.. وجواز وطلاق وأم وأب وجوز أم ومرات أب.. وبيت هنا وبيت هناك ونزاعات عائلية وطلاق.. وبابا عايزنا نبقى معاه.. وماما مصممة إننا نعيش فى بيتها هى.. علشان كده أنا ما عرفتش الطفولة ولا المراهقة ولا حتى الشباب أو النضج.. أو أى مرحلة منهم بالطريقة التى عرفتها أى بنت مصرية".
والمؤكد أن سعاد الصغيرة فى تلك السنوات البعيدة حاولت أن تهرب من تلك التجربة الأليمة، ووجدت المهرب والملاذ فى الفن، فكانت أسعد أوقاتها وهى تمارس الغناء والرقص فى برامج الأطفال بالإذاعة، أو وهى تحلم بأن تصبح بلياتشو فى سيرك عندما تكبر، الحلم الذى داهمها وسيطر عليها بعد أن شاهدت شارلى شابلن يؤدى شخصية البلياتشو على شاشة السينما، فأحست أنه قريب منها، وأنه يؤدى أعظم دور إنسانى، لأنه – كما حكت- يحتفظ بأحزانه لنفسه ولأنه أيضا يحول أحزانه لأفراح للناس !
(2)
والمؤكد كذلك أن هذا الحرمان من الاستقرار العائلى ومن حنان الأب هو الذى دفعها لتبحث عنه فى قصة حب مع ابن الجيران، لكنها أدركت بعدها أنه لم يكن حبا حقيقيا: "أنا وقتها فكرت أن ده طريقى للخلاص من المشاكل العائلية والتمزق بين بيتين.. ويمكن لأنه كان فى الوقت ده فيه عريس كبير فى السن بابا بيحاول يلفقهولى.. يمكن لأنه كان عايز يطمن على مستقبلى.. ويمكن لأنه كان رافض إنى أكون تحت رعاية "أب تاني" هو زوج والدتي".
لكن الأمر كان مختلفا عندما قابلت عبد الحليم حافظ وهى فى أول مشوارها الفنى تتحسس طريقها فى الحياة والسينما.. أحبته وأحبها ما فى ذلك شك.. لكن كان لسعاد تفسير توقفت عنده كثيرا فى علاقتها بالعندليب، ولذلك أنقله بنص كلامها:
" حليم أنا حبيته.. وهو كمان كان بيحبنى قوى.. فى الأول كان بيعطف عليّ.. بنت صغيرة داخله عالم جديد وهو سبق فيه وله شهرة ومكانة.. ولكن لأنه زيى كان يتيم وعاش الحرمان العاطفى فكان حاسس بيّ قوى.. ما أنكرش أبدا أفضاله عليّ فى خطواتى الأولى المرتبكة.. كان متبنينى ومؤمن بيّ وحاسس إن أنا حاجة.. وكان بينصحنى كتير وكانت عواطفه شلالات ومشاعره خالصة ومخلصة وبيحب بجد.. كان محروم من الحب والحنان وعشان كده كانت أغانيه وصوته ومشاعره وهو بيغنى فيها مصداقية.. وكنت بحبه زى أمه.. كان محتاج لأم.. وأنا كنت محتاجة لأب.. بينى وبينه أراجعه فى بعض تصرفاته ومواقفه.. يسكت شوية.. ويبص لى ببراءة طفل حقيقى.. وبعد شوية يقول لي: لكِ حق يا سوسو.. ولما وصل بينا الحال أننا بقينا مع بعض طول النهار والليل طلبت الجواز.. كنت عايزه أتجوز وأستقر.. عايزه يبقى لى بيت وعيال.. عايزة أبقى ست بيت ويبقى لى زوج أسعده ويسعدنى وأهنيه وأطبخ له وكل حاجة.. ولأننى كنت بحبه فعلا وافقت على رغبته بأننا نتجوز فى السر.. جواز عرفى يعنى.. لغاية لما يقدر يرتب نفسه ويهيأ روحه لفكرة إعلان جمهوره بأنه تزوج".
لا أريد أن أفتح ذلك الملف الشائك والجدل الذى لن ينتهى عن زواج السندريللا والعندليب، ولكنى أتوقف عند تفسير سعاد شديد الصدق عن أسباب حبها لحليم، وعلى رأسها أنها رأت فيه حنان الأب الذى حُرمت منه..
وكان من أهم أسباب نهاية علاقتها به أنه حرمها من تحقيق حلم حياتها، بأن يكون لها حياة عائلية علنية مستقرة، زوج وأولاد وبيت، الحياة التى حُرمت منها فى طفولتها.. وأصرت المقادير على قسوتها معها طوال حياتها!
ورغم الشهرة الطاغية والنجومية الساحقة، ورغم أنها صارت أيقونة الجمال وحلم الرجال، إلا أنها كانت تعيسة فى الحب، وفشلت كل زيجاتها الرسمية، لأنها باختصار لم تجد "الحنان" الذى تمنته وبحثت عنه وصار حلمها المفقود !
(3)
ورغم تعدد زيجاتها الرسمية، من صلاح كريم المصور السينمائى الوسيم إلى على بدرخان المخرج السينمائى القدير وأحب أزواجها وأطول زيجاتها عمرا، ومن زكى فطين عبد الوهاب الفنان الموهوب إلى ماهر عواد السينارست البارع وزوجها الأخير.. إلا أن الحنان الأبوى لم تصادفه سعاد بعد حليم إلا عند صديق صار لها المعلم والأب الروحى.. اسمه صلاح جاهين!
علاقة سعاد بجاهين مدهشة وعجيبة ومعقدة، ولعب هذا الرجل أدوارا مهمة وفارقة فى حياتها، إنسانيا وفنيا، بما يجعله رقما صعبا فى تجربتها، ساهم بصورة واضحة فى صناعة أسطورتها.. وفى مأساتها كذلك!
كانت عيونها تلمع بفرحة غريبة وحنين غامض كلما حكت عنه واستعادت سيرتها معه: أنا أعرف صلاح جاهين من قبل ما أقابله وأشوفه.. كنت بسمع أغانيه فى الإذاعة وبحفظها وأرددها معه ومع حليم.. الكلام ده كان فى سنة 1956 تقريبا.. وفاكره أغنية "إحنا الشعب".. وطبعا عشت مع صلاح وحليم وكمال الطويل ومعهم كلهم بعد كده وهم بيعملوا الأغانى الوطنية بإحساس صادق".
لكن العلاقة الحقيقية بين سعاد وصلاح بدأت فى نهايات الستينيات، فى لحظة فارقة كان كل منهما يحتاج للآخر، صلاح جاهين الذى كان يبحث عن طوق نجاة بعد الانكسار الكبير بسبب نكسة 1967 وحالة الاكتئاب التى عاشها وكادت تعتصر روحه.. وسعاد التى كانت تبحث هى الأخرى عن مرشد يدلها وهى فى مفترق طرق حياتها الفنية..
وبصدق يمكنك أن تقول إن لقاءها بجاهين كان علامة فارقة تؤرخ به لحياتها، سعاد ما قبل صلاح جاهين وما بعده.. كان فيلم "خلى بالك من زوزو" حدثا مزلزلا فى مشوارها.. وكان نجاحها الأسطورى فى شخصية زوزو هو ذروة تجليه.. ومن حينها أصبح جاهين هو مستشارها ومرشدها وأبوها الروحى.. منه تعلمت وعنده أحست بحنان الأب الذى عاشت عمرها تبحث عنه.. ولذلك كان رحيله صدمة مروعة أفقدتها توازنها طويلا، وباعترافها هي: صلاح كان أبويا الروحى.. لما مات حسيت إنى وحيدة.. كنت حاسة إنى يتيمة.. زى عربية من غير عجلات ولا دركسيون"!
كتب لها جاهين أشهر أغانيها وأنجح أفلامها، بل كانت لا توافق على عمل إلا بعد أن يقرأه جاهين ويقره حتى ولو لم يكن مؤلفه، بل كانت أحيانا تشترط أن يعيد كتابته بطريقته، مثلما حدث فى فيلم "الكرنك" ، فقد كان لها ملاحظات على السيناريو الأصلى، وأعطته لجاهين لكى يعيد كتابته.. كانت تستريح لجملته، وتسترشد برأيه، ولا تخطو خطوة إلا بموافقته.. ولذلك كانت محقة تماما فى هذا الوصف التلقائى البليغ بأنها فقدت "الدركسيون" الذى يقود حياتها برحيله.. أحست بأنها فقدت البوصلة، ولم تستوعب أن تعيش الحياة بدون جاهين، فظلت حبيسة حجرتها لستة شهور متصلة حدادا عليه، لا تأكل ولا تشرب ولا ترى أحدا.. وفشلت فيما تلى ذلك من سنوات فى أن تتخلص من ظل جاهين وتأثيره.. فعندما كانت تحزم حقائبها استعدادا لرحلة العلاج الطويلة كان أول ما اطمأنت إلى وجوده فى الحقيبة هو ديوان صلاح جاهين.. وهناك فى ليالى الألم الطويلة بعاصمة الضباب كانت المرة الوحيدة التى قطعت فيها عزلتها القاسية عن الأضواء من أجل صلاح جاهين.. عندما دخلت استديوهات هيئة الإذاعة البريطانية لتسجل بصوتها رباعيات جاهين.
منحها صلاح جاهين الكثير.. كان هو السند والأب.. ولكنه تسبب كذلك فى مأساة مروعة للسندريللا.. فقد جعلها نجاح زوزو المدوى، الشخصية الساحرة التى صنعها وأبدعها وغزلها ببراعة، تعيش فيها ولا تستطيع مغادرتها.. بقيت زوزو مسيطرة عليها.. تغيرت الدنيا والظروف.. تغيرت ملامحها ووضع الزمن بصمته الثقيلة على وجهها وجسدها.. لكن أبدا ظلت من داخلها على قناعة كاملة بأنها زوزو.. بسحرها وحضورها وألقها.. غير مصدقة بأن الزمن مر من هنا.. فهل جنى عليها صلاح جاهين؟!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...
بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...
قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...
خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...