مواقف وحكايات من التاريخ المجهول للحاجة شادية

اعتدت أن أكتب عن شادية فى عيد ميلادها (8/2/ 1934) الذى يتواكب مع عتبات الربيع، فهو الموسم الذى يليق بصوت كان عنوانا للحياة والبهجة والأمل والسعادة، إنها صوت الربيع

 

اعتدت أن أكتب عن شادية فى عيد ميلادها (8/2/ 1934) الذى يتواكب مع عتبات الربيع، فهو الموسم الذى يليق بصوت كان عنوانا للحياة والبهجة والأمل والسعادة، إنها صوت الربيع والصحو لا الشتاء والصقيع الذى شهد رحيلها ( 28 نوفمبر 2017) .

لكن يجوز فى حالة شادية تكسير كل القواعد وكل ما هو معتاد، فهى صوت عابر للفصول والأزمان والأجيال، استثناء كصاحبته، متفرد فى سحره، قادر على أن يغسل روحك وينسيك أحزانك ويهدهد قلبك.. وفى حالة شادية لا يجوز أن تكتب بحياد ولا تردد ولا فتور، لأنك لو فعلت تظلم وتجور وترتكب حماقة فى حق تلك الحالة العارمة من الوهج والصدق والوداعة وخفة الروح والموهبة الساطعة والحس الإنسانى والحضور المتجدد، وهذه الهبة الإلهية التى تستحق حمدا كثيرا لبارئها على بديع صنعه وتجلى قدرته.

إنها كائن متفرد.. فنيا وإنسانيا، ولذلك لم يكن كامل الشناوى مبالغا عندما كتب عنها: إن شادية أطيب من لقيت من فنانات.. فهى أقل الناس خوضا فى مناقشات ومعارك أهل الفن.. أيضا هى أقلهم رغبة فى الكلام، وإذا تكلمت خرج الكلام منها رائعا كأغنياتها الرائعة التى لم يقدم أحد مثلها فى اللون والمذاق والتأثير".

إنها تجربة تتحدى الغياب وتستعصى على النسيان، تماما كما وصفها الناقد الكبير كمال رمزى: "إن شادية كانت ولا تزال وستظل فى العقل والقلب، فإن كانت قد اعتزلت الفن (أو رحلت) فإن الجمهور لم يعتزل شادية، وسيبقى وفيا لمشوارها الفنى الغنى بالعطاء".

 (1)

لم أكن من الجيل المحظوظ الذى حضر شادية فى وقت توهجها الفنى، ولم يسعدنى زمانى بالقرب منها والاقتراب من عالمها (اعتزلت الفن والأضواء فى عام 1988 قبل سنوات عديدة من اشتغالى بالصحافة)، لكنه لم يحرمنى من السعادة كاملة، إذ أتيحت لى فرصة القرب من أقرب الذين عرفوا شادية، سواء من زملاء وزميلات المشوار الفنى، أو من أفراد أسرتها.. وسمعت من الحكايات والمواقف ما يجعلنى من كبار عشاقها.. وحزبها!

أذكر مرة كنت ضيفا على الفنانة الكبيرة هند رستم، ودق الهاتف الأرضى واستأذنت فى الرد، ودخلت حجرتها وغابت طويلا على غير المعتاد، وعادت تسبقها كلمات الاعتذار لكن وجهها كان متهللا من فرط السعادة، وبادرت هى بالاعتراف: أصله كان تليفون من الحاجة شادية، كانت بتتفرج على فيلم لىّ وعجبها مشهد وكلمتنى تهنينى على أدائى وتسألنى عن بعض التفاصيل.. معلش الكلام أخدنا"!

ملاحظة لا بد منها: كان قد مضى على عرض الفيلم أكثر من أربعين سنة..!

وتكرر الموقف مرات فى زياراتى لهند رستم وتصادف وجودى مع مكالمات الحاجة شادية، أو "شوشو" كما كانت تدللها، وأعجبتنى هذه الروح الطيبة بين نجمتين كانتا متنافستين لسنوات طويلة على شباك التذاكر وقلوب المشاهدين، وجمعتهما بعد الاعتزال تلك الصداقة المدهشة، والاتصالات شبه اليومية، كلما شاهدت إحداهما فيلما للأخرى تتصل بها وتناقشها فى أداء بعض المشاهد المتوهجة ويستعيدان الذكريات.. بسعادة.. وبلا ملل!

وسمعت من هند رستم حكايات مدهشة عن "شوشو"، ضاعفت من محبتى لتلك السيدة التى كان هناك إجماع على عظمتها وتفردها.. فنيا وإنسانيا.. كما ضاعفت من شغفى للبحث عن سر تلك الفنانة الحاضرة رغم الاعتزال الطويل.

وحيرتنى حينها تلك الأسئلة: كيف تعيش هذه النجمة التى كانت تطاردها الأضواء أينما ذهبت؟!.. كيف تسير حياتها بعد الاعتزال؟!.. كيف تقضى أيامها بين جدران منزلها فى صمت رهيب، ضاربة ستارا حديديا حولها، مصممة على أن تعيش حياتها كما اختارت فى زهد وسكينة وبعيدا عن العيون؟!

وجاهدت واجتهدت لأعرف الإجابات والتفاصيل، ووضعنى الحظ السعيد فى طريق "خالد" أقرب الناس إلى الحاجة شادية، فهو ابن شقيقها الأعز طاهر، وتعتبره ابنها فهى التى تولت تربيته ورعايته بعد رحيل والده الذى كان مديرا لأعمالها سنوات طوال، وعاش خالد طاهر فى بيت عمته حتى زواجه، وحتى بعد زواجه كانت علاقته بها دائمة ومتصلة، وبالتالى فهو أقدر الناس على الحديث عن الحاجة شادية.. حديث العارف الثقة.

منذ اعتزالها الحاسم البات النافذ – فى عام 1988- أصبح للحاجة شادية برنامج يومى روتينى لا يتغير إلا نادرا، فقد كانت تستيقظ قبل الفجر بنصف ساعة، تتوضأ وتظل فى تسبيح متصل إلى أن يُرفع الآذان، فتصلى الفجر حاضرا، ثم يتواصل تسبيحها إلى أن تعود إلى فراشها وتنام حتى التاسعة والنصف صباحا، فتقوم لتتناول إفطارا خفيفا وتتوضأ وتصلى الضحى وتقرأ ما تيسر من القرآن إلى أن يحين موعد آذان الظهر، فتصلى الفرض والسنة.. وتبدأ يومها بقراءة صحف الصباح، ثم تقوم بإجراء مكالماتها اليومية المقدسة للاطمئنان على أسرتها (خالد وزوجته وأولاده غالبا) أو مع المسئولين عن أعمالها ومؤسستها الخيرية.. ولا يقطع الاتصالات إلا خادمتها وسؤالها اليومى: تحبى تتغدى إيه النهارده يا حاجة؟!

وقبل أذان العصر بنصف ساعة تكون قد انتهت من مكالماتها المهمة، فتقوم للوضوء، وتدخل فى تسبيح متصل إلى أن تصلى العصر، عندها تكون مائدة الغداء جاهزة، فتتناول وجبتها الرئيسية وتذهب إلى فراشها لترتاح ساعة، و"القيلولة" هى عادة ورثتها عن والدتها تركية الأصل، وتستيقظ قبل أذان المغرب بنصف ساعة، تجهز نفسها للصلاة فإذا ما أتمتها تبدأ فى وردها اليومى من القرآن بين صلاتى المغرب والعشاء.. فإذا ما أتمت صلواتها المفروضة تبدأ سهرتها أمام التليفزيون، وغالبا فى متابعة برامج التوك شو لتتابع منها الأحداث اليومية، ومتابعة المسلسلات الدرامية لتتابع الأجيال الجديدة من الفنانين الجدد.. وإذا تصادف مباراة للنادى الأهلى فإنها كانت تتابعها، وربما يستغرب عشاقها أنها كانت كروية بامتياز، وعضوا عاملا فى النادى الأهلى وتجدد كارنيه العضوية بانتظام، وفى سنوات عملها بالفن كانت تحضر أحيانا المباريات فى الاستاد، وترتبط بصداقة مع نجوم الفريق وخاصة الكابتن صالح سليم .. وظلت على محبتها لمباريات الكرة بعد الاعتزال، لكن اهتمامها ذهب إلى مباريات الفريق القومى، وكانت تحرص على متابعة دورات كأس الأمم الأفريقية التى يشارك فيها المنتخب المصرى.

السهرة التليفزيونية الممتدة كانت من الممكن أن تقطعها لتتناول عشاء خفيفا، وغالبا ثمرات من الفاكهة، وتنتهى السهرة بجهاز قياس نسبة السكر لتطمئن على معدلاته.. وفى الشتاء تدخل فراشها لتنام فى العاشرة والنصف على أقصى تقدير، يمتد فى الصيف إلى منتصف الليل، لتصحو قبل أذان الفجر لتبدأ يومها الجديد .

ولا تغادر بيتها إلا كل ثلاثة شهور لتراجع طبيبها د. عاصم عبد الرحمن زيادة لإجراء الفحوصات الدورية، وبصحبة "سحر" زوجة خالد ابن شقيقها، ووسط "إجراءات أمنية" خاصة ودقيقة حتى تتم الزيارة فى سلام بعيدا عن عيون المتطفلين والفضوليين.

وفى شهور الصيف كانت تتعدد زياراتها لبيت خالد الذى يقع على مرمى البصر من شقتها بشارع مراد ( قريبا من حديقة الحيوان)، وغالبا ما تذهب على "عزومة" سمك، وقد كانت من عشاقه، وكانت تعتبر تلك الزيارات الصيفية العائلية تعويضا لها عن "المصيف"، حيث توقفت عن  قضاء إجازتها الصيفية فى الإسكندرية، مدينتها الساحلية المفضلة، كما كانت تتهرب من دعوات خالد لقضاء إجازة بصحبته فى الغردقة حيث مكان عمله وقتها، خشية أن يشغلها المصيف وإغراءاته وجو الأسرة ومتطلباته عن برنامجها اليومى فى معية الله: صلاة وتسبيحا وقرآنا.

(2)

ورغم تلك العزلة الإجبارية التى فرضتها الحاجة شادية على نفسها فإن علاقتها بالوسط الفنى لم تنقطع، إذ ظلت على صلة – ولو تليفونية – بزميلات العمر كما كانت تسميهن، وفى القلب منهن فاتن حمامة وهند رستم ونادية لطفى وهدى سلطان وسعاد حسنى ومديحة يسرى.. وكان لتحية كاريوكا مكانة خاصة فى نفسها، وليس سرا أن الحاجة شادية تكفلت بالمساهمة الأكبر فى نفقات معيشة تحية بعد المحنة التى عاشتها، بعدما فوجئت باستيلاء زوجها الأخير على شقتها وكل ما تملك من تحويشة العمر، وأصبحت بلا مأوى ولا سند ولذلك كانت تحية تذكرها بالخير وتعتبرها أختها التى لم تلدها أمها، وفى برنامج تليفزيونى شهير سئلت تحية عن الفنانة التى تقبل دعوتها فورا من بين خمس نجمات ذكرهم لها بالاسم، وبلا تردد اختارت شادية.. وبررت الاختيار بتلقائيتها: صاحبتى وحبيبتى وبموت فيها!

وربما تكون شادية هى الفنانة الوحيدة من بين النجمات اللاتى اخترن الحجاب والاعتزال التى ظلت على اختيارها، ولم يغلبها الحنين للأضواء كما فعلن، بل لم تظهر فى أى مناسبة عامة.. وأكشف سرا عندما أحكى عن عرض تلقته بأن تحصل على مليون دولار مقابل حضور حفل زفاف ابنة واحد من مشاهير الأمراء العرب وأكثرهم ثراء.. فكّر الأمير فى حدث يجعل من زفاف كبرى بناته والأثيرة لديه حفلا أسطوريا يتحدث عنه الجميع ويليق بشهرته ومكانته وكان يومها يمتلك امبراطورية مترامية من المؤسسات والمشروعات وبينها قنوات فضائية وأكبر شركة للإنتاج الغنائى، لكنه لم يكتف بحضور نجوم شركته، وكانوا الألمع والأشهر، وكلهم مستعد ومتأهب ومترقب لتلبية دعوة الأمير والمشاركة فى زفاف "سمو الأميرة "، بل إن بعضهم جهز أغانى خاصة للمناسبة السعيدة.. كل ذلك لم يكف الأمير، وراح يفكر فى فكرة جديدة مدوية، وأخيرا وجدها: دعوة الحاجة شادية لحضور الحفل، مجرد الحضور، لن تغنى وليس عليها أى التزام، دقائق ستظهر فيها وتلتقط صورا مع العروس، لتكون هى المرة الأولى التى تظهر فيها معبودة الجماهير بعد سنوات الاعتزال الطويلة.. وكان المقابل سخيا: شيك بمليون دولار (كان الدولار وقتها بحوالى خمس جنيهات، أى أن شادية ستحصل على خمسة ملايين جنيه فى نصف ساعة أو أقل)، وذهب من يحمل العرض الأسطورى للحاجة شادية وهو متوقع أن ينال موافقتها، فمن ذا الذى يرفض مليون دولار فى ثلث ساعة.. ومقابل التقاط مجموعة من الصور ليس أكثر..!

وكانت المفاجأة: لم تعط الحاجة شادية نفسها مجرد فرصة للتفكير، اعتذرت بلا تردد، مستغنية ومتنازلة عن هذا المبلغ الذى تصوروا أنه يمكن أن يدير رأسها.. إن النعيم الذى وجدته الحاجة شادية فى القرب من الله كان أغلى من شيكات الأمير.. ومن كنوز الدنيا!

(3)  

لكن ليس معنى ذلك أن الحاجة شادية كانت تتبرأ من تاريخها ومن لقب فنانة، أبدا، فقد ظلت بعد اعتزالها فخورة بتاريخها، بدليل أنها قبلت تكريمها فى مهرجان القاهرة السينمائى، وصرحت حينها: أنا فخورة بتاريخى الفنى.. وأعتز بأعمالى التى قدمتها خلال مشوارى الفنى، وسعيدة بأنهم تذكرونى رغم أننى ابتعدت عن الساحة الفنية واعتزلت منذ سنوات عديدة ".

ولم تكن تتردد فى تقديم كل مساعدة ممكنة لزملاء الوسط الفنى، والوقوف بجوارهم فى "الشدة" ووقت الحاجة..

عرفت مرة بحالة شاعر غنائى شهير، احتجزه المستشفى الذى يعالج به ورفض خروجه إلا بعد تسديد فاتورة علاجه التى تجاوزت الخمسين ألف جنيه، وهو مبلغ ضخم جدا بأرقام تلك الأيام، ولما وصلها الخبر لم تنتظر أن ترسل أحدا من مساعديها فى مؤسستها الخيرية، وذهبت بنفسها للمستشفى ودفعت المبلغ كاملا، وصحبت الشاعر الكبير وهو يخرج معززا مكرما، وحرصت على أن يظل الموضوع سرا حتى لا تجرح كبرياءه، وظل يدعو لها حتى مات بعدها بوقت قصير، بعدما أنقذته من "فضيحة"!.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد