لم يكن إحسان عبد القدوس كاتبا عاديا، بل كان متعدد الاهتمامات والمواهب، وكانت له علاقات وطيدة مع الضباط الأحرار منذ مرحلة ما قبل 23 يوليو، وفى مقدمتهم الضابط جمال
لم يكن إحسان عبد القدوس كاتبا عاديا، بل كان متعدد الاهتمامات والمواهب، وكانت له علاقات وطيدة مع الضباط الأحرار منذ مرحلة ما قبل 23 يوليو، وفى مقدمتهم الضابط جمال عبدالناصر، الذى كان يذهب إلى ندوات روزاليوسف التى كان يعقدها إحسان، وظلت هذه العلاقة ممتدة إلى مرحلة ما بعد الثورة، علاقة صديق بصديقه، قبل أن تكون علاقة مواطن أو صحفى برئيس الجمهورية.
45 يومًا فى السجن
كان إحسان –بحكم الصداقة- معتادا أن ينادى جمال عبدالناصر بـ"جيمى"، وكان أيضا حريصا على أن يقول رأيه النابع من وطنيته، حتى لو كان هذا الرأى نقدا للأوضاع السياسية والاجتماعية، وكان "يعتقد أنه حين يطرح رأيه بإخلاص على أصدقائه الثوار سوف يستجيبون له" لكن الأمور لم تسر معه على هذا النحو، فعندما كتب عن "الجمعية السرية التى تحكم مصر" فوجئ باعتقاله، وظل فى الحبس الانفرادى 45 يوما.
ويوضح الكاتب الصحفى إبراهيم عبد العزيز - مؤلف كتاب "إحسان عبدالقدوس: سيرة أخرى" الصادر عن دار -بتانة"- أثر هذا الحبس على نفسية الأديب الراحل، ومعاناته النفسية الشديدة جراء ذلك، والصراع النفسى الرهيب الذى عانى منه حين قرأ فى الزنزانة رقم 19 داخل السجن عن اتفاقية جلاء الإنجليز عن مصر، هو الذى طالما حلم بهذا الجلاء، فهو فى السجن فى الحالتين، سواء بقى الإنجليز محتلين مصر أو رحلوا عنها، كان هذا رد فعله الأول بمجرد قراءة الخبر، وألقى الصحيفة من يده بدون اكتراث، بفعل إحساسه بالظلم، لكنه سرعان ما عاد لصوابه، وقرأ الاتفاقية مرة ومرات، قائلا لنفسه "لأكن فى السجن، ولكن هذه الاتفاقية أكبر منى وأوسع من السجن، وقد أفنى فى هذا السجن.. قد أموت غدا أو أحرم من الضحك أو البكاء على قبرى، ولكن هذه الاتفاقية ستبقى لأولادى، ستبقى لكل من أحبهم، ستبقى لوطنى، ويجب أن أطمئن على أولادى ومن أحبهم ووطنى".
انتهى الصديق وبقى الرئيس
خرج إحسان من السجن بعد الـ45 يوما، لكن يبدو أنه خرج شخصا آخر، إحسان جديد غير الذى دخل السجن، وبعد خروجه باغتته مكالمة خاصة من جمال عبدالناصر، يقول عنها "بعد ساعة من وصولى إلى البيت دق جرس التليفون، وكان جمال عبدالناصر على الطرف الثانى من الخط.. سألنى: هل تربيت؟! فأجبت: إذا كان الأمر خاصا بالتربية فقد تربيت فعلا، ولكن لا أدرى ما هو الشىء الذى تربيت بسببه".
كان عبدالناصر –الرئيس والصديق- يعلم بسجن صديقه، إن لم يكن هو الذى أمر بذلك بشكل شخصى، ويعلم بموعد خروجه، وحاول استدراك ما حدث فى هذه المكالمة، يروى إحسان: "قال لى: تعال نفطر معا غدا صباحا. ذهبت، لم أجد نفسى أعامله كالماضى حين كنت أناديه (يا جيمى) وهو نفسه قد اندهش حين وجدنى أفسح له الطريق ليتقدمنى وأناديه (سيادتك). فى تلك اللحظة فقط أدركت المسافة بين المواطن –مهما كان لامعا- والحاكم –مهما كان صديقا".
هكذا كان السجن فاصلا فى علاقة الصحفى والرئيس، فقد انتهى الصديق، لم يعد موجودا، وبقى فقط الرئيس، شىء ما انكسر داخل إحسان، شىء من الصداقة التى كانت، حين كان ينادى صديقه "يا جيمى"، فذهبت الكلمة الحميمة، وحلت مكانها "سيادتك"، رغم أن عبدالناصر بذل جهده لإزالة آثار العدوان على صديقه القديم، وعن ذلك يقول عبدالقدوس "لقد ظل يدعونى إلى العشاء فى ذلك الوقت من عام 1954 يوميا تقريبا، أشاهد معه بعض أفلام السينما، ولست أنسى قوله لى حينذاك: إننى أعالجك نفسيا من مرحلة السجن. وربما أكون قد عولجت فعلا، ولكن علاقتى به كانت قد تغيرت".
ليس مع الثورة وليس ضدها
لم تتغير علاقة إحسان مع عبدالناصر فقط، بل تغيرت مع الثورة كلها، فالصحفى الوحيد الذى استعان به الضباط بمجرد قيام الثورة ليستشيروه، وكان الكثيرون يعتبرونه واحدا من الضباط الأحرار –كما ذكرنا فى الحلقة السابقة- هذا الصحفى نفسه سجنه ضباط الثورة وعلى رأسهم صديقه الرئيس، ويقول إحسان "ومن جانبى بدأت أتباعد، لم أعد مع الثورة، ولست ضدها".
رغم ذلك، ورغم فتور العلاقة بين الصحفى والرئيس، يوضح المؤلف أن إحسان أنقذ عبدالناصر من محاولة اغتيال كنت معدة للقضاء عليه الرئيس أثناء زيارته للمملكة العربية السعودية، ويحكى عبدالعزيز الحكاية ويذكر أن إحسان سافر إلى السعودية "لأداء مناسك الحج، وقابل صديقه الشاعر الأمير عبدالله الفيصل، الذى كان وقتها وزيرا للداخلية، وأطلعه الأمير على مؤامرة لاغتيال عبدالناصر بالسعودية، حيث كان من المقرر زيارته لها خلال أيام، بل وقدم له صورا من التقارير الأمنية التى تؤكد ذلك، وحينما عاد إحسان إلى القاهرة قدم هذه الأوراق لرئيس المخابرات العامة زكريا محيى الدين، بعد أن عجز عن مقابلة عبدالناصر، الذى ألغى زيارته للسعودية، وظل محتفظا بهذا الفضل لإحسان حتى رحيله".
ويذكر مؤلف الكتاب مواقف إيجابية للرئيس مع الصحفي، فقد كان يدفع عنه الأذى فى كثير من الأحيان، بل إن إحسان كان يعيش فى حماية عبدالناصر من الحاشية التى كانت تحقد على الصحفى اللامع، ويفسر إحسان نفسه –حسب الكتاب- ذلك بقوله "حمانى من الأجهزة ومراكز القوى، ولولاه لطردونى من الصحافة فى وقت مبكر، هو الذى أعادنى إلى روزاليوسف، بعد أن كانوا قد نجحوا فى تعيين أحمد فؤاد باشا رئيسا لمجلس الإدارة، وكان أحمد حمروش معهم، ولكن عبدالناصر أعادنى، أما هم فكانوا يقصدون إبعادى نهائيا عن الصحافة".
من السياسة إلى الأدب
تجربة إحسان المريرة مع السياسة والسجون، خاصة سجون الثورة، كانت قاسية على نفسه أشد القسوة، حتى إنه قرر فى إثرها أن يحول مساره كلية، والابتعاد تماما عن عالم السياسة والاتجاه إلى عالم آخر أكثر أمانا يقيه شرور السجن وقسوته، فكان قراره بالاتجاه إلى الأدب والقصص، وكانت قصته الأولى "الوسادة الخالية"، وبعد هذه القصة اتصل به عبدالناصر أيضا، وكانت مكالمة جديرة بالتوقف عندها أيضا، يقول عنها إحسان "دق جرس التليفون فإذا بالمتحدث جمال عبدالناصر، فقال لى وهو يضحك: هل خرجت من السجن بوسادة خالية؟ فقلت له وهل توجد وسادة خالية يا سيادة الرئيس إلا فى السجن؟".
ومن اضطهاد الساسة إلى اضطهاد النقاد، ويبدو أن قدر إحسان مع المعاناة والظلم لم ينته بانتقاله إلى عالم الأدب، فقد جرى اتهام إحسان بأنه يكتب "أدب الفراش" بسبب جرأة رواياته وقصصه، بل إن القسوة وصلت حد أن الأديب الكبير عباس العقاد اتهم إحسان فى نسبه، مدعيا أن إحسان ليس ابن الفنان الراحل محمد عبدالقدوس، مستندا إلى صداقة الصحفى الكبير محمد التابعى بالسيدة روزاليوسف، ثم احتفاء التابعى بإحسان وعنايته به فى خطواته الأولى بعالم الصحافة.
ويكشف المؤلف عن خطاب مهم احتفظ به إحسان بعد أن وصله من أحد أصدقاء والده، يكتب له فيه شهادته عن إعلان هذا الزواج للأصدقاء والمعارف، فى الفرقة التمثيلية التى كان الوالد والوالدة يعملان بها، ويوضح لها سبب عدم إعلان هذا الزواج على الملأ قائلا: "وكان أبوك يحرص على كتمان هذا الزواج، وعدم إتمامه بصفة رسمية، خوفا من أبويه، لأنهما كانا من المحافظين، لاسيما أن أباه كان من العلماء ومن موظفى المحكمة الشرعية، ولأن الزوجة كانت مسيحية، وممثلة أيضا، وتلك الطامة الكبرى فى ذلك العهد".
الأديب المنبوذ
ظل الإقصاء والإبعاد يطارد الصحفى الذى تحول للأدب، فالكاتب الكبير الذى كان صاحب فكرة إنشاء "المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب" وهو الذى كتب المذكرة بنفسه ووقع عليها، ووقع هو أيضا بالنيابة عن يوسف السباعى أيضا، ليكون معه ضابط، وأعطى المذكرة لجمال عبدالناصر، ورغم ذلك ظل محروما من عضوية هذا المجلس بعد إنشائه، بحجة أنه صحفى وليس أديبا! وقد ظل الكثيرون يلعبون معه لعبة الصحفى والأديب، فى الصحافة يقولون عنه إنه أديب، وفى الأدب يقولون إنه صحفى، ليحرموه من أى امتياز أو منصب، فالنبذ كان نصيبه فى المجالين.
ظل إحسان عبدالقدوس منبوذا فى مجال الأدب، حتى إنه كان ممنوعا فى وزارة التربية والتعليم الإشارة له فى المناهج والمقررات الدراسية، وكانت الوزارة فى ذلك الوقت تحرّم دخول كتبه للمدارس، ويفسر إحسان موقفه كأديب منبوذ وعلاقة ذلك بتاريخه السياسى القديم بقوله "سمعتى عند العسكريين أننى سياسى خطر ومشاغب، لست معهم ولست ضدهم، ولا أحد يعرف كيف أفكر، لذلك لم أحصل مثلا على أية جائزة أدبية على الإطلاق، لم أحصل على جائزة الدولة فى الأدب أيام الملكية، ولا على جائزة الدولة الحالية.. جمال عبدالناصر أعطانى قلادة الجمهورية من الطبقة الأولى، ولكن لا علاقة لهذه القلادة بالأدب".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لا تبحث في الصورتين عن الرؤوس أو الوجوه، فقد اختفت في "الجواكت" في ظروف غامضة!
سلماوى يسجل تاريخ القضية فى قصة حب عاصفة قصة غرام «إيمان» و «عمر» تبدأ بمظاهرة لنصرة غزة 2006 وتنتهى ب...
عاون فاروق حسنى وتولى رئاسة أربعة أجهزة ثقافية كبيرة ألقى الضوء على رواد السريالية ومؤسسى جماعة الفن والحرية فى كتابه...
أصدرت 3 دواوين وتكتب المسرح والقصة القصيرة الشعر ليس وزنًا وقافية بل أن ترى العالم بعين أكثر انتباهًا حضور المرأة...