لماذا اعتبر المصريون السيدة نفيسة هدية لهم من حضرة النبى؟

عاشت السيدة نفيسة رضى الله عنها فى مصر 15 سنة كاملة، بين وصولها للعريش فى رمضان من العام 193 هجرية وحتى انتقالها فى رمضان من العام 208 هجرية، والذى يقرأ ما كتبه

عاشت السيدة نفيسة رضى الله عنها فى مصر 15 سنة كاملة، بين وصولها للعريش فى رمضان من العام 193 هجرية وحتى انتقالها فى رمضان من العام 208 هجرية، والذى يقرأ ما كتبه المؤرخون الثقات عن حياة السيدة نفيسة فى مصر لابد أن تستوقفه محبة المصريين الغامرة بل الأسطورية لتلك السيدة، وهو ما تجلى فى ثلاث "مليونيات" خرج فيها المصريون فى محبتها، وقبل أن يعرفوا مليونيات الغضب والتخريب فى زمن الثورة والاضطرابات السياسية.

فلن تنسى مدينة العريش تلك الجموع الحاشدة التى توافدت على المدينة الصغيرة من كل أنحاء مصر لتكون فى شرف استقبال "بنت النبى"، وعجز بيت "الجصاص" شيخ تجار مصر الذى نزلت فيه عن استيعاب طوفان المحبين، الذين جاءوا سيرا على الأقدام مئات الكيلومترات فى طرق صحراوية وعرة، لا يدفعهم إلا الشوق للسلام على سليلة الشرف الباذخ من آل البيت ونيل البركات والأنوار.

لما استقرت السيدة نفيسة فى القاهرة، فى بيت "أم هانئ" السيدة المصرية المحبة لآل البيت والتى أصرت أن تنزل السيدة نفيسة فى ضيافتها، فإن الدار على اتساعها ضاقت بالمحبين الذين تقاطروا من كل أقاليم مصر للسلام على ضيفة مصر العظيمة، وفى لحظة أحست السيدة نفيسة أن ضيوفها شغلوها عن عبادتها وصلاتها وخلوتها مع "الحبيب"، فقررت أن تعود إلى المدينة المنورة، حيث نشأت وعاشت أسعد أيام عمرها بالقرب من مقام جدها المصطفى، ووقفت السيدة نفيسة على باب دارها تعلن قرارها: "يا أهل مصر.. كنت قد اعتزمت المقام عندكم، غير أنى امرأة ضعيفة وقد تكاثر حولى الناس فشغلونى عن أورادى وجمع زاد معادى وقد زاد حنينى إلى روضة جدى المصطفى".

وأحدث قرارها فزعا عظيما فى قلوب المصريين الذين تعلقوا بها، وحظوا بأنوارها وبركاتها وشاهدوا كراماتها، فخرجوا فى مظاهرة حب حاصرت دارها، وسالت الدموع وهى تستعطفها البقاء وترجوها أن لا تفارقهم، وذهبوا إلى والى مصر "السرى بن الحكم" يطالبونه بالتدخل، واشتد كرب الناس مع استعداد السيدة نفيسة للرحيل عنهم، وجاءها الوالى يرجوها ويعرض عليها عرضا يرضيها ويحل المشكلة التى أزعجتها ودعتها للرحيل، وكان العرض من شقين: الأول أن يهبها دارا له واسعة وتليق بمقامها وتتسع لزوارها، والثانى أن تحدد يومين فقط فى الأسبوع تستقبل فيهما محبيها من أهل مصر، واقترح عليها يومى السبت والأربعاء، أما بقية الأسبوع فهى لها، تتفرغ لعبادتها وأورادها ولا يطرق بابها طارق ولا يقطع مناجاتها زائر.. ورضيت السيدة نفيسة بالعرض وبقيت فى مصر وانتقلت إلى دارها الجديدة فى سنة 201 هجرية، وعاشت فيها السنوات السبع الأخيرة من حياتها.

(2)

ثم كانت المليونية الأكبر والأضخم التى شهدتها مصر فى تاريخها، حيث خرج الشعب المصرى كله تقريبا لوداع حبيبته.. السيدة نفيسة. فقد انتقلت فى شهر رمضان وهى صائمة، تتلو فى كتاب الله، وكان آخر ما ردده لسانها قوله تعالى من سورة (الأنعام): "لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم فيما كانوا يعملون".. وأوصت وهى تحتضر ألا يتولى أمر "رحلتها الأخيرة إلى الله" سوى زوجها إسحق المؤتمن، ولما كان فى سفر خارج مصر لبعض شأنه فقد أرسلوا إليه يستعدونه فورا، وجاء إسحق المؤتمن وغسلها وكفنها وجهز لها تابوتا ينقلها فيه ليدفنها فى البقيع إلى جوار جدها، وتوسل له المصريون أن يتركها لهم ويدفنها عندهم لكنه رفض بحسم.

وانتاب المصريين حالة من الهم والكرب لم يعرفوها فى تاريخهم، وذهبوا إلى والى مصر يستنجدون به، وسار الوالى فى وفد عظيم إلى زوج السيدة نفيسة، وينقل المؤرخون أن الوالى وكان من كبار المحبين للسيدة نفيسة العارفين بفضلها وخيرها على مصر قال لإسحق المؤتمن متوسلا: "بالله لا تحرمنا من مشاهدة قبرها، فإناّ كنا إذا نزل بنا أمر جئنا إليها فى دارها فى حياتها نسألها الدعاء، فما تنتهى من دعائها إلا وقد كشف الله عنا ما نزل بنا، فدعها لتكون فى أرضنا، فإذا نزل بنا أمر جئنا إلى قبرها فسألنا الله تعالى عنده ببركتها".

ولكن الزوج لم يتزحزح عن موقفه، وأعلن عن رحيله بالجثمان الطاهر فى الصباح، وفى محاولة أخيرة لتعديل موقفه قرر المصريون أن يجمعوا مبلغا من المال يفدون به حبيبتهم، ويقدمونه لزوجها عله يتركها لهم.. وتسابق المصريون فى جمع "الفدية"، وتجمع مبلغ عظيم وكميات من الذهب ناء بحملها البعير الذى جهزه إسحق المؤتمن ليحمل عليه الجثمان.. كانت كميات الذهب أثقل منه، ولو أراد أضعافه لجمعوه.. ومن جديد رفض الزوج.. وحسب الرواة:" بات المصريون فى ألم عظيم وهم مقيم وقد تركوا المال عنده.. واجتمع الناس من القرى والبلدان وأوقدوا الشموع فى تلك الليلة، وسُمع البكاء عليها فى كل دار بمصر وعظم الأسف والحزن".

فلما كان الصباح ذهبوا إليه، فإذا بالبشارة تأتيهم، فيتحول حزنهم المقيم إلى فرح عظيم.. لقد تقرر أن تبقى نفيسة فى مصر بأمر جدها النبى!

حكى لهم إسحق المؤتمن أن النبى جاءه فى رؤيا بمنامه وقال له: "يا إسحق رد على الناس أموالهم.. وأدفنها عندهم".

وكان يوم جنازة السيدة نفيسة مشهودا، فقد خرج المصريون يودعونها، وتزاحم الناس من كل الأقاليم، وفاضت دموعهم وهم يودعون حبيبتهم فى المقبرة التى اختارتها وبنتها بنفسها وهيأتها كمثوى أخير، وكانت تتردد عليها وتباركها بقراءة القرآن فيها، وقيل إنها ختمته بداخله 190 مرة!

ومنذ ذلك الحين اعتبر المصريون السيدة نفيسة هى "ميراثهم" من حضرة النبى، فقد كان بقاؤها فى مصر بأمره ومباركته، وبرؤيا صادقة جاء فيها لزوجها يطلب منه فى رواية: أن يترك نفيسة لأهل مصر فإن رحمة الله تُنّزل عليهم ببركتها".

فأكرموها حية، وبالغوا فى إكرامها بعد انتقالها، فبعد أسابيع من جنازتها المهيبة، وبعد أن بدأ المحبون يتزاحمون لزيارة قبرها قرر والى مصر عبيد الله بن السرى أن يبنى لها مقاما، ثم بعدها فى ولاية الحافظ بن ميمون أمر ببناء قبة على المقام، إلى أن أمر الملك الناصر بن قلاوون بإنشاء مسجد لها بجوار المقام فى عام 714 هجرية، وجدد الأمير عبد الرحمن كتخدا الضريح، أما الشكل والمعمار والبناء الحالى للمسجد فقد تم فى زمن عباس حلمى الثانى سنة 1314 هجرية..

وبذلك حظى المقام برعاية واهتمام فى كل العصور التى توالت على مصر.. كانت الصراعات السياسية على أشدها، تسقط دول وتقوم دول، ولكن الجميع اتفق على شىء واحد هو السيدة نفيسة ومقامها..

(3

تنتمى ستنا نفيسة إلى فرع عريق وأصيل من الشجرة النبوية المباركة، فهى الشريفة النسيبة، الكريمة المُكرمة، العابدة الزاهدة، الصوامة القوامة، الولية الصالحة، صاحبة الكرامات الوافرة والمناقب القاصرة، فرع الرسالة ومضرب الأصالة، كريمة الدارين ونور السبطين، الجميلة النبيلة راجحة العقل والعلم، درة آل البيت.. بنت الحسن الأنور بن زيد الأبلج بن الإمام الحسن.. نور من نور جدها المصطفى.. ولدت فى مكة، وعاشت فى المدينة، ودفنت بمصر.. حفظت القرآن وهى بنت ثمانى سنين، وتلقت العلم فى المسجد النبوى على يد شيوخ زمانها، وبرعت فى العلم وفسرت القرآن وكانت حجة فى الدين، حتى أن أكابر فقهاء مصر وعلى رأسهم الإمام الشافعى كانوا يأخذون عنها ويجلسون لسماع دروسها، ويسألونها فيما استعصى عليهم من مسائل الفقه.. ورغم أنها ولدت بعد انتقال جدها النبى بسنوات طويلة، لكنه كان حاضرا وفاعلا فى المواقف الفارقة والفاصلة من حياتها، بما فى ذلك زواجها.. فبعد أن صارت صبية جميلة يتهافت الشبان من خيرة آل البيت ووجهاء المدينة على طلب يدها، طمعا فى حسبها ونسبها وأخلاقها وجمالها وما بلغته من علم ورجاحة عقل ومكانة، إلا أن والدها الحسن الأنور، أمير المدينة وواليها، لم يوافق على أى منهم كفء لابنته ودرته المصونة، إلى أن جاءه ابن عمها إسحق المؤتمن يطلب يدها، لكن الأب لم يعطه جوابا وأعرض عنه، وفى الليلة نفسها جاءه النبى (ص) فى المنام يأمره: "يا حسن.. زوّج نفيسة من المؤتمن".. فتزوجته نفيسة بأمر جدها.

وبزواج نفيسة من المؤتمن اجتمع نور الحسنين وبهاء السبطين، فإذا كان الحسن هو جد نفيسة، فإن الحسين هو جد المؤتمن.. ومن تلك الزيجة المباركة أنجبت السيدة نفيسة ابنيها "القاسم" و"أم كلثوم"..

وقد سميت نفيسة على اسم عمتها نفيسة بنت زيد الأبلج، فقد أراد لها أبوها حظ عمتها، فقد تزوجت من الخليفة عبد الملك بن مروان، واشتهرت بجمالها وكرمها وأياديها البيضاء على اليتامى والمساكين وذوى الحاجات، ولا يعرف كثيرون أن نفيسة الكبرى مدفونة فى مصر ولها مقام غير بعيد من مسجد السيدة نفيسة، وكانت قد جاءت إلى القاهرة وأقامت فى دار أهداها لها أخو زوجها عبدالله بن عبد الملك بن مروان والى مصر، وكانت من الصالحات القانتات وتوفيت قبل السيدة زينب بسنوات ودفنت بمصر..

ولا يعرف كثيرون أن كثيرا من أسرة السيدة نفيسة تشرفت بهم أرض مصر ودفنت أجسادهم الطاهرة فى ترابها، وبينهم شقيقها يحيى المتوج بالأنوار، وقصة اكتشاف ضريحه فى قرية "الغار" القريبة من مدينة "الزقازيق" بمحافظة الشرقية عام 2004 يتناقلها المتصوفة كواحدة من كرامات آل البيت، فقد ظهر سيدى يحيى فى رؤيا لصاحب البيت يخبره أنه مدفون فيه، وفعلا جرى الحفر واستخراج الجثمان وإقامة ضريح له بالمكان، وكان قد استشهد فى المكان نفسه فى معركة مع جماعة من أعداء آل البيت، وظل جثمانه مفقودا مئات السنين حتى أذن الله بظهوره .

وكان لسيدى يحيى بنت وحيدة اسمها زينب وهبت نفسها لخدمة عمتها السيدة نفيسة فى سنوات إقامتها فى مصر، وعاشت معها فى بيتها وانتقلت السيدة نفيسة وهى فى أحضان زينب.. ولم تغادر زينب مصر ودفنت بها وضريحها بجوار مسجد عمرو بن العاص.

ووالد ستنا نفيسة، حسن الأنور، مدفون هو الآخر فى مصر، وله ضريح بالقرب من مسجد الإمام الليث، وهناك شارع شهير يحمل اسمه فى تلك المنطقة.. وحسن الأنور هو الحفيد المباشر لسيدنا الحسن سبط النبى، وتعرض لمحنة دخل على أثرها السجن وعُزل من ولاية المدينة، واختار أن يستقر فى القاهرة مع أولاده: نفيسة ويحيى وأخته نفيسة بنت زيد.. وشقيقه محمد الأنور.

وأنجب الحسن الأنور تسعة من الذكور وابنتين: نفيسة.. وأم كلثوم التى تزوجها الخليفة العباسى أبو منصور السفاح.

لكن شهرة السيدة نفيسة طغت على كل أولاده، وأدرك الأب نفسه من صغرها أنها درة أولاده، فكان يصحبها كثيرا معه لزيارة مقام جدها ويقول له:" أشهدك أنى راض عن نفيسة، فجاءه النبى فى المنام ليبشره: إنى راض عن ابنتك نفيسة برضائك عنها وإن الله راض عنها برضائى عليها".

وربما كان هذا الرضا هو الذى فتح لها قلوب كل المصريين.. فأحبوها حبا جما.. واعتبروها ميراثهم من حضرة النبى.


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - أطفال النول

تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...

«ذلك هو البعد».. قصيدة نثر تغازل ماضيها «الصوفى».. وتُعاتبه

استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى

هند مختار: أكتب لمتعتى الشخصية

أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...

التأمل.. تجربة الصمت والهدوء الممتع

تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...