الإسكندرية عاصمة مصر الثقافية

فى قلب كل مصرى "إسكندريته" التى يحبها ويرى فيها الجمال، هى مدينة أنشأها "الإسكندرالأكبر"، وظلت عاصمة لمصرلمدة ألف سنة، وهى بوابة العقل المصرى، كل فكرة وكل مذهب دينى

فى قلب كل مصرى "إسكندريته" التى يحبها ويرى فيها الجمال، هى مدينة أنشأها "الإسكندرالأكبر"، وظلت عاصمة لمصرلمدة ألف سنة، وهى بوابة العقل المصرى، كل فكرة وكل مذهب دينى أو فلسفى جديد عرفته مصر، كانت "الإسكندرية " هى مهده ومصدره، بداية من الفكر اليونانى الرومانى، ثم المسيحى، ثم الإسلامى، وهى مدينة المدن وحاوية الإبداع، ونافذة المصريين التى يطلون منها على أوروبا.

(1)

عرفت "إسكندريتى" فى طفولتى المبكرة، لأن لى عمة ـ شقيقة والدى ـ انتقلت إليها منذ العام 1956، وعاشت فيها وخلفت ست بنات، ومازالت تعيش فى هذه المدينة ذات الطبقات، وعمتى تعيش فى "الطبقة الفقيرة" من "الإسكندرية"، بدأت حياتها الزوجية فى "عزبة أبوسليمان " فى "العوايد" ـ حى شرق ـ وانتقلت إلى "عزبة القلعة" ومازالت تعيش فى هذه العزبة التى يعيش فيها مصريون من الدلتا والصعيد والنوبة، وبنات عمتى انتقلن مع أزواجهن إلى "العامرية" و"الحمام"، ومنهن من بقيت معها فى "عزبة القلعة"، وكانت أولى رحلاتى لمدينة "الإسكندرية" فى عام العبور المجيد 1973، وعرفت أن "العبور"قد حدث من رسائل الجنود التى كانوا يلقونها على الجالسين فى القطارات، طالبين منهم أن يرسلوها إلى أهاليهم، فقد كانت "مصر" فى تلك الفترة، كتلة صلبة متماسكة، ليس مهما ولا ضروريا أن يعرف "المواطن" أخاه المواطن ، كى يخدمه ويساعده، الكل كان فى خدمة الوطن، وفى تلك الرحلة اكتشفت أن "الدنيا"  أوسع من بلدنا "كوم العرب" الواقعة ضمن أعمال "مركز طما " التابع لمحافظة "سوهاج"، رأيت "الحمار الوحشى" و"الزرافة" و"القرد" فى حديقة الحيوان الموجودة فى "حى النزهة"، ورأيت "البحرالمالح"، ورأيت أشياء مدهشة، وفيما بعد أخذت عيالى وزوجتى إلى حديقة الحيوان، فاكتشفت أن "الحمارالوحشى" لم يعد موجودا، وأن "القرود" انخفض عددها إلى النصف، ولم يتبق فى الحديقة غير"الذئب المصرى" و"الثعلب المصرى" و"الطاووس"!

(2)

كان لى جيران أقباط فى "كوم العرب"، وكانت لهم "إسكندرية" أخرى ، فهم أصحاب حظائر "بقر وجاموس" فى منطقة "غيط العنب" الشعبية، عاشوا من عوائدها ومواردها عشرات السنوات، يربون العجول ويبيعونها للجزارين، ويحلبون الأبقار والجواميس ويبيعون ألبانها للناس فى الأحياء المحيطة بهم، لكن اثنين من جيرانى ـ القبط ـ هما "واصف غالى" و"بشارة قرياقص"، كان لهما نشاط تجارى غير مرتبط بالبقر والجاموس الذى يملكه "المعلم مرجان"، كان "واصف" حارس عقار يؤجر للمصطافين فى "العصافرة "، وكان "بشارة" يتاجر فى الجبن القديم والمش والسمن والفاكهة، يحمل صفائح الجبن القديم والسمن فى فصل الشتاء من "كوم العرب" إلى زبائنه فى "غيط العنب" و"كرموز" و"محرم بك" و"العصافرة" و"سيدى بشر"، وفى الصيف يتحول إلى تجارة "المانجو" و"العنب" للمصطافين، وصدر قرار محافظ الإسكندرية فى ثمانينيات القرن الماضى بنقل حظائر "البقر والجاموس" من "غيط العنب" إلى "العامرية"، حفاظا على البيئة من التلوث، فانتقل "المعلم مرجان" وعياله وأبقارهم وجواميسهم إلى "العامرية"، وظل "واصف غالى" حارسا للعقار الذى يحرسه فى "العصافرة" وظل "بشارة" يتاجر فى تجارته، ثم انتقلت أرواحهم إلى بارئها، رحمة الله على الجميع.

(3)

وبقى أثر ولدى "واصف غالى" فى ذاكرتى وحياتى، كانا ولدين مهذبين يأتيان إلى بيت جدهما "غالى واصف" الذى تعيش فيه عمتهما الأرملة "بتولية غالى" مع أمها "بخيتة" الأرملة أيضا، وكانت إجازتهما تبدأ من شهر "يوليو" من كل عام، ومنهما عرفت "البيجامة الصيفى" ولعبة "السلم والثعبان" و"الدبور" أو"النحلة" المصنوعة من الخشب، و"الطيارة الورق".

(4)

وفى مرحلة "الثانوى" تحولت إلى "نفر" يبحث عن عمل فى "سوق الرجالة" الواقع بجوار "كوبرى الناموس" بالإسكندرية "حى شرق"، ولم أوفق فى رحلتى، ولم أستطع منافسة بلدياتى من العاملين فى "الفاعل"، فلم أكن من الذين فى رقابهم أكوام لحم، ولم أكن مطالبا بنفقات لمساعدة إخوة أو أب أو أم، فقبلت الفشل راضيا وعدت إلى بيت العائلة فى "كوم العرب" ولم أكررها، لكننى فيما بعد نجحت فى "الصالحية" بالشرقية، و"برج العرب" الواقعة غرب الإسكندرية وحصلت على المال من "عرقى" الذى سال مع الأنفار فى هاتين المدينتين.

(5)

لا يمكن لى أن أكتب عن "الإسكندرية" من دون أن أتذكر الفنان "خلف طايع"، المدير الفنى الأسبق لمجلة "الإذاعة والتليفزيون"، الرسام المبدع، الإنسان النبيل، فقد كان لى بمثابة الأخ الكبير، حصل على "بكالوريوس الفنون الجميلة" من جامعة "الإسكندرية"، وتعلم فن "البورتريه" فى قسم التصوير، على أيدى اثنين من كبارالأساتذة هما "كامل مصطفى" و"أحمد عثمان"، وغم أنه ـ رحمه الله ـ عاش عمره كله فى الإسكندرية، إلا أنه ينتمى إلى قرية "الخنانسة الشرقية" بمركز "المنشاة" بمحافظة سوهاج، ومات "الدكتور خلف طايع"، وبقى ولداه "أحمد خلف" الرسام الموهوب، و"رامى خلف" الصحفى الموهوب أيضا، وبقيت ذكراه العطرة حية فى قلوب أصدقائه ومحبيه.

(6)

فــــى تسعينيــــات القـــرن المــــاضى، حاولت إنشاء "إسكندرية" أخرى، غير"إسكندرية" الطفولة والمراهقة، واعتدت الجلوس فى مقاهى "المنشية" المشهورة "قهوة الكريستال"، قهوة التجارية، قهوة "الوطنية"، وكانت "قهوة الوطنية" مملوكة لصاحبها "الحاج سيد الشيمى" المنتمى إلى قرية "الشيخ عمار" الملاصقة لقريتى "كوم العرب" وزبائنها فقراء مثلى، وكانت "قهوة الكريستال" هى مجتمع "صبيان العولمة الأمريكية"، كان "الاتحاد السوفييتى" قد انهار، وتشرد المثقفون، وتحولو إلى مرتزقة يتكلمون فى قضايا تدور حول "سقوط المقولات الكبرى" و"كتابة الجسد" و"الأقليات"، وكانت "القهوة التجارية " ملتقى المبدعين القدامى فى "الإسكندرية " وقد حدثنى عنها الراحل الكبير الروائى "عبدالوهاب الأسوانى" وذكر لى أنها كانت ملتقى أبناء جيله من المبدعين فى ستينيات القرن الماضى، وفى تلك الفترة عرفت الشاعرين "سيد العديسى" ـ زميلنا الصعيدى القناوى المتميز ـ و"محمود إسماعيل" وهو منوفى، لم أعد أراه وانقطعت علاقتنا لأسباب لاداعى لذكرها، وانتهت محاولتى بالفشل وانتهت خطة العولمة الأمريكية بالفشل، وصمدت الثقافات القديمة، ولم يتحول العالم إلى قرية أمريكية، وانتهت هيمنة "واشنطن" على العالم، وظهرت قوى أخرى مثل "الصين" و"روسيا" و"إيران".

(7)

نحن ـ المصريين ـ  لنا "إسكندرية" وطنية، هى التى دافعت عن الوطن كله فى العام 1882، وهى التى شهدت "مقتلة الأحد الدامى"، تلك "المقتلة " التى دبرها الإنجليز، لتكون ذريعة لاحتلال مصر، وهى "فتنة" شارك فى صنعها ثلاثة "عمرلطفى" و"الخديو توفيق" و"قنصل بريطانيا"، وكان طرفاها مصريا ومالطيا وانتهت بمقتل العشرات من الجانبين واحتلت بريطانيا مصر وبقيت بلادنا تحت الاحتلال حوالى 74 عاما، انتهت فى العام 1954 بتوقيع اتفاقية الجلاء، لكن التاريخ يشهد ببطولة رجال الجيش المصرى وبطولة أهالى الإسكندرية فى معارك الدفاع عن الوطن.

(8)

ومن المهم ـ ياعزيزى القارئ ـ أن تعرف أن ثورة 23 يوليو 1952 قامت و"الملك فاروق" موجود فى قصر "رأس التين " بالإسكندرية، وهو قصر بناه جده "محمد على"، ومن المهم أن تعرف أن "عبدالناصر" عاش فى حى "باكوس"، وأنه فى يوم 26 يوليو 1956، وقف الزعيم "ناصر" خطيبا فى "ميدان المنشية " ليعلن قرار تأميم قناة السويس، وكان ذلك ردا تاريخيا مدروسا على "انجلترا"، التى بدأت "حقبة الاحتلال" من "الإسكندرية " فأراد "ناصر" أن يجعل "الإسكندرية" مدينة شاهدة على تحرر واستقلال مصر مثلما كانت شاهدةعلى خيانة "الخديو توفيق" وسقوط الوطن فى قبضة العدو الغادر.

انفوجراف

الإسكندرية هى ثانى مدينة مصرية بعد "القاهرة" من حيث المساحة وعدد السكان، وتمتد على "البحرالمتوسط" بطول 55 كيلومترا شمال غرب دلتا النيل.

كانت حكومات ما قبل ثورة يوليو 1952 تتخذ من الإسكندرية مقرا لأعمالها لمدة ستة شهور من كل عام وكان "الملك" يقيم  أثناء تلك الفترة فى قصر "رأس التين".

تضم الإسكندرية أكبر ميناء مصرى يستقبل ثمانين بالمائة من صادرات وواردات البلاد، وكان "محمد على" مؤسس الدولة المصرية الحديثة قد اهتم بميناء الإسكندرية وأنشأ ترسانة  بحرية بها لصنع سفن الأسطول المصرى.

من معالم مدينة الإسكندرية "قلعة قايتباى" و"عمود السوارى" و"المتحف اليونانى الرومانى" و"متحف المجوهرات الملكية " و"مكتبة الإسكندرية الجديدة" التى تحوى 8 ملايين كتاب بمختلف اللغات الحية.

× أحياء الإسكندرية تسعة هى: "حى أول المنتزه"، "حى ثانى المنتزه "، "حى العجمى"، "حى شرق"، "حى وسط"، "حى غرب"، "حى الجمرك"، "حى أول العامرية" ، "حى ثانى العامرية".


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

مزايا استخدام الشريحة الإلكترونية (eSIM) أثناء السفر

مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...

أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...

اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...