وائل فتحى شاعر وصحفى، فاز مؤخرا بجائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية، عن ديوانه "العادى ثائرا وشهيداً"، الذى حظى بتقدير كثير من القراء والنقاد قبل أن يفوز بالجائزة، وهو
وائل فتحى شاعر وصحفى، فاز مؤخرا بجائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية، عن ديوانه "العادى ثائرا وشهيداً"، الذى حظى بتقدير كثير من القراء والنقاد قبل أن يفوز بالجائزة، وهو الديوان الثانى له بعد ديوان "أحلام شكك". وائل تحدث معنا عن بدايته مع الشعر، وعن فوزه بالجائزة وعن ديوانه القادم "إلهه هواه".
كيف كانت بدايتك مع الشعر؟
بداية مبكرة.. أذكر أننى فى سنوات الدراسة الابتدائية، سمعت أقرانى ممن يكبروننى بعام أو عامين، يلقون نصًا مقررًا عليهم، يغنى فيه الإنسان رغبته فى أن يطير، أعجبنى بشدة وحفظته سريعًا، ولا أدرى لماذا ذهبت لأمى وأخبرتها أننى كتبت "نشيد زى اللى بناخده فى المدرسة"، كانت سرقة أدبية مبكرة، ضحكت يومها ونصحتنى بمحاولة كتابة "نشيد زيه".
الآن عمرى 33 سنة، قبل 20 منها كنت أقف ضمن الطلاب الفائزين بالمراكز الأولى فى مسابقات الشعر والزجل، على مستوى المدارس الإعدادية والثانوية فى محافظة الجيزة. حينها كنت طالب الإعدادية الذى بدأ الشعر يتسلل إليه، بعد رفقة وصداقة كبيرة وهادئة مع الجد طوال عام دراسى كامل، فى العام الذى يليه كنت أقف على المنصة مصدومًا بأن الشاعر الذى ندرس له قصيدة يتغنى فيها بالنيل، يجلس أمامنا على المنصة، وإلى جواره مدرسى الذى غضبت منه لأننى لم أجده قبل دخول الأمسية، لأكتشف أن المدرس الجينتلمان الذى أبلغنى بفوزى قبل أسابيع، وجلس معى يقترح التعديلات كساحر، ويعلمنى إلقاء القصيدة بعد أن أزعجت قراءتى لها الجميع فى طابور الصباح، هو أحد شعراء العامية المعروفين.. الشاعر الراحل محمد الحسينى.
من حينها وحتى كتابة قصائد "أحلام شُكك"، مرحلة طويلة، لا أسميها إلا مرحلة الرغبة فى الشعر، التى توحشت مع التحاقى بكلية التجارة جامعة عين شمس، لأصبح بعدها رئيس النادى الأدبى للكلية، وللمركز الثقافى للجامعة.
الفارق بين أول ديوان لك وآخر ديوان عشر سنوات.. فما سبب التوقف طوال هذه الفترة؟
بدأت كتابة قصائد "العادى ثائرا وشهيدا" قبل نشر "أحلام شكك" فى 2009، لكن التجربة "خدت وقتها" وأصبحت جاهزة للنشر فى 2013، لأواجه بعدها صعوبات كثيرة، بسبب رغبتى فى أن يصل كتابى لقراء الشعر فى عموم مصر، وأن يطرح على الأرصفة بسعر رمزى، لكنى لم أجد فرصة جيدة للنشر تعوض نشر تجربتى الأولى فى طبعة محدودة، فتوجهت للهيئة العامة لقصور الثقافة، وذلك ما كلفنى نحو 5 سنوات من التسويف دون رفض واضح، رغم الإجازات التى حازها الديوان من أهل الاختصاص.
ما الفرق فنياً وموضوعياً بين "أحلام شكك" و"العادى ثائرا وشهيدا"؟
حين أنظر لـ"أحلام شكك" الآن أجد شابًا واعدًا مهووسًا بالتصوير الشعرى، لا يدور حول أفكار بعينها بقدر ما يملك من طاقة شاعرة، يحاول بها استكشاف صوته وقدراته، فى ضوء التصورات والتقاليد الشعرية المتنوعة التى أنتجتها أجيال من شعراء العامية عبر تجاربهم الواسعة والخصبة، وفى طريقه للتشبع بها واستيعابها جيدًا للرهان على قصيدة ذات خصوصية.
أما شاعر "العادى"، فهو يتشكل عبر قصائد ديوان أحسبه رحلة الإنسان نحو تحققه وإبداع وجوده، ليصبح حرًا ومسؤولًا عن صياغة معناه وعن فهمه للعالم، شاعر تشغله الأسطورة وتشغله التصورات التى أنتجته، وتعجبه لعبة التساؤلات والنظر والتكشف، لا يخشى تفكيك الأفكار الراسخة ومحاورتها والتجرؤ عليها وعلى ما تفرضه من صيغة عن العالم من حوله، ولا حتى تفكيك ذاته، ليس مدفوعا إلا بوعد الشعر بقصيدة، ربما هى نافذة خاصة تؤكد أن بوسع الإنسان صنع نافذة خاصة تطل ذاته والعالم.
من يقرأ عنوان "العادى ثائرا وشهيدا" تقفز إلى ذهنه مسرحيتا "الحسين ثائرا" و"الحسين شهيدا" لعبد الرحمن الشرقاوى، فكيف جاء اختيارك لهذا العنوان؟
"العادي" هو موضوع العامية، همها الكبير وبطلها الأول، هو أنا والآخرين الذين لم يكونوا رموزًا مقدسة ذات يوم، "العادي" فى ميراث العامية دائما ما يواجه السلطة بأشكالها المختلفة، فى ديوانى تصبح المقابلة والمواجهة مع "الحسين" الذى هو رمز يحظى بخصوصية وتقديس فى ثقافتنا الشعبية، أكثر من مفارقة مع عنوان شهير، بل وضع العادى سليل "العوام"، فى محل الرمز، فى مواجهة كل صورة سلبية وغير فاعلة عنه، وكل قالب وصورة مسبقة تفترض إيمانه ومعتقداته ورغباته وماضيه ومستقبله كـ"عادى"، ليحل مقام الرمز المقدس والمثل الأعلى فى الثورة والشهادة.
حصلت مؤخرا على جائزة أحمد فؤاد نجم فما الذى تمثله لك هذه الجائزة؟
قبل الفوز بالجائزة، كنت أتصور أن فوز الديوان بجائزة تحمل اسم «الفاجومي»، فرصة جيدة لتسليط الضوء على العادى فيتعرف إليه رفاق آخرون، وفرصة لتسديد الأقساط المتراكمة أيضًا، لكن مع إعلان القائمة القصيرة، لمست كيف منحنى الشعر الكثير من الحب والاحترام، وأن "العادى ثائرًا وشهيدا" لم يكن مجرد ديوان تعثر فى النشر وتعاطف مع فوزه الناس، بل تجربة انحاز لها الكثيرون واحترمها من اختلف معها.
ماذا يمثل لك الشاعر أحمد فؤاد نجم؟
أحمد فؤاد نجم من الشعراء الذين تنعدم المسافات بينهم وبين قصائدهم، إنه لم ينتصر لنموذج إنسانى أو لون من ألوان الشخصية المصرية، بل كان هو ذاته النموذج الذى انحاز له، والشخصية التى عاش فيها، والصورة التى ظل عليها.
تعلمت منه أن إيمان الشاعر بقيمة جمالية وانحيازه لصورة من صور الكتابة، دافع له ليصبح الشاعر الذى يؤسس قصيدته وعالمه وجمالياته، لا أن يكون ذلك الإيمان والانحياز قاتلين لصوته الخاص.
هكذا انحاز وآمن نجم بقصيدة بيرم، لكنه لم يكن أبدًا بيرم التونسي، وهكذا أيضًا جاءت قصيدته مشحونة بغناء الفلاحين الجماعي، لكنه كان الصوت المفرد ذى الاسم والتجربة الممتدة عبر القصائد والزنازين، التى قضى فيها كثير ممن كتبوا عن الشاعر أكثر مما أنفق هو من سنوات عمره فيها، إذ لم يقرأوا نجم إلا وظلال الزنزانة والهتافات والتاريخ النضالى تحجب الكثير من الجماليات فى شعره عنهم، هؤلاء الذين قدموا لنا نجم باعتباره كاتب هتافات سياسية، دون توقف وقراءة له كشاعر قدم منجزًا جماليًا ولعب مع اللغة والعالم.
كيف ترى واقع شعر العامية فى مصر الآن؟
شعر العامية قدم اتجاهات وأنواعا وأشكالا وتجارب أكثر مما يمكن أن يقدمه نوع أدبى فى أقل من مئة سنة، "شعر العامية الآن" مشهد يضج بالأجيال والأصوات أصحاب العوالم المختلفة وأصحاب التجارب الفارقة أيضًا، وأعتقد أن هناك منجزا كبيرا يبدأ منذ غامر بيرم التونسى ووضع اسما لشاعر العامية على كتاب وتجربة، بعد ميراث من التجارب الشفاهية المتواترة التى لم نعرف لها أصحابًا، يستحق القراءة والاستكشاف النقدى الثقافي، كأن نسأل عن صورتنا فى شعر العامية.
لماذا يتهم دائما شعراء العامية بالسطحية من وجهة نظرك؟
لا أعرف متى أصبح شعراء العامية متهمين بالسطحية أساسًا، فى أى جيل حدث ذلك، جيل بيرم وحداد وجاهين، أم جيل الأبنودى وحجاب وقاعود ونجم ورفاقهم؟! ولا أظن أن المقصود هو جيل مجدى الجابرى ومدحت منير ورفاقهما أيضًا، أم أن الاتهام للأجيال التى عاصرت طفرة التواصل الاجتماعي؟
أعتقد أن الاتهام هنا نابع من تقييم إقبال الجمهور على النصوص البسيطة والركيكة التى لا تعد أكثر من كونها قصائد متطفلة على ميراث الكبار، فيخيل للبعض أن هذا كل إنتاج العامية، ويسأل ماذا حدث لشعر العامية، لكن تلك مشكلة السائل وليست مشكلة لدى الشعراء، يعيش بيننا الآن شعراء كبار ينتجون شعرًا ربما لا يشغل الباحث عن قراءة لون من الكتابة المستهلكة.
هل ترى أن هناك صراعاً بين الأشكال الشعرية؟
الأشكال الشعرية لا تتصارع، لم يحدث أن أمسكت قصيدة تفعيلية بعنق قصيدة النثر، أو أن قصيدة كلاسيكية قدمت بلاغا بالتحرش، ولكن الشعراء يفعلون ذلك أحيانا، عندما لا تكون الكتابة وحدها هى المعبرة عن الانحياز الجمالي، وعندما لا تكون القصيدة وحدها قادرة على تأكيد أهمية الشعر كضرورة، حين تصل إلى اجترار ما حققه شعراؤها فى زمن ما، فنجد أحدهم ينتصر لشكل ما بإقصاء كل من ينحاز لأشكال أخرى، لتصبح كل تلك الوقائع مجرد "نكتة سخيفة" لأجيال المستقبل.
كيف تعامل النقاد مع تجربتك الشعرية؟
الرهان.. أظن أن هذه الكلمة تختصر الكثير من الحديث عن هذه العلاقة مع النقاد، والقراءة الجادة أيضًا، فرغم اكتمال السنوات العشر بين نشر الديوانين، إلا أن القصائد حظت فيها بقراءات مهمة ومنشورة كلها راهنت على ديوان مميز وفارق يمنح قارئه شعرا، وانتظر المزيد من القراءات والاشتباكات.
ماذا عن عملك القادم؟
"إلهه هواه".. عنوان الديوان الذى أستعد لإصداره قريبًا، ولست أعرف هل من صاحب "العادى ثائرًا وشهيدا" سوف يحب صحبة هذا الديوان؛ كامتداد لتجربة تحاول التأسيس لخصوصيتها، لا أعرف.. لكن هذا ما آلت إليه تجربتى مع الشعر.
فمع كتابة أولى قصائده شعرت بأننى على وشك التخلى عن كل صيغة عرفت بها نفسي، لم أخش شيئًا حتى لو كان ضياع الأسلوب الشعرى المميز هو المصير، هذا ما أعتقد أنه يشكل جوهر الكتابة فى الديوان الجديد، كونها مغامرة ليس من المنطقى أن يُخشى معها الضياع والعدم، بل ربما تكون هى الضياع نفسه، الذى يعد أحد مفردات الديوان حتى لو لم يكن حاضرًا فى اللفظ والتركيب.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...
استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى
أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...
تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...