رقصة "سالومي" .. وصرخة "وايلد" ضد العالم الفاسد

تمكن الروائي المسرحي الإيرلندي أوسكار وايلد ((1854 - 1900 في مطلع التسعينات من القرن التاسع عشر من تهذيب أفكاره وضم مواضيع لكتاباته كالانحلال والازدواجية وانتشار

تمكن الروائي المسرحي الإيرلندي أوسكار وايلد  ((1854 - 1900 في مطلع التسعينات من القرن التاسع عشر من تهذيب أفكاره وضم مواضيع لكتاباته كالانحلال والازدواجية وانتشار الفساد في الأرض ، وكان متأثرًا بفترة حرجة جدًا في نهايات القرن التاسع عشر والتي تعتبر فترة انتقالية بين معظم الثورات الأوروبية والحربين العالميتين وما بها من شر وسفك دماء، وبشكل محدد استطاع انشاء تفاصيل نتائج تلك المشاكل السياسية والاجتماعية وبالتالي حالة الانحلال والتدهور والتي جعلت من فكرة الموت حالة إبداعية تسيطر على كتابات المرحلة.

استعان وايلد بمفهوم "نهاية العالم" الذي أصبح ضرورة لوقف الفساد من خلال ترسيخ نظرية العقاب والموت، وكانت كتابته في عام  1891لقصة "Salome" أو "سالومي" باستعادة صور من الكتاب المقدس بها دلالات نهاية العالم محاولًا التذكير بثبوت قدوم يوم القيامة والمرور بمراحل الحساب والتي جاءت به نبؤه يوحنا المعمدان في كتاب التوراة والمعروف في الدين الإسلامي بـ"النبي يحيى" عليه السلام ، لم تستطع ملكة يهوذا وابنتها سالومي في ذلك الوقت استيعاب رؤى يوحنا، وهى صورة من عدم التواصل بين الشخصيات المذنبة والرجل المقدس فعادةً لن يستطع الانسان الفاسد أن يعي أو يسمع النبوءة ، والتي في مكنونها تعد كالنصيحة، وبالتالي فالنهاية مأساوية وغضب من الله.

أوجد وايلد في الأحداث مملكة هيرود التي توازي عالمه المعاصر المليء بالذنوب والشر والذي جعل حاكم المملكة أن يصدر امرًا بسجن يوحنا "المختار من الله" خوفًا من تنبؤاته وخطبه عن نهاية العالم.

 الخطيئة وعدم قبول النبوءة                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                  منع الملك هيرود أي شخص في المملكة أن يرى يوحنا أو يتحدث له ولكن استطاعت سالومي أن تؤثر على قائد الحرس ، المفتون بها، أن يرفع عن يوحنا الجُب وكانت قد أرادت أن ترى النبي الذي يتحدث عن والدتها بأبشع الكلمات  ويوصف زواجها من الملك "بزواج المحارم"، وأن عقابها قد اقترب مما يسير الخوف والفزع في نفسها هي وابنتها ، وما إن رأته حتى وقعت في حبه متأثرة بمفاتن جسده وملامح وجهه ، وتوسلت له أن تقترب منه وتلمس جسده وشعره ولكنه رفضها بشدة "لا تلمسيني .. لا تدنسي هيكل الرب" واصفا إياها "بابنة الزنا"... لم يستطع قائد الحرس عند سماعه اعترافات سالومي ليوحنا أن يتمالك نفسه وقرر الانتحار وسالت دماءه على الأرض وانزلقت قدم الملك في الدماء مما اثار غضبه وتشاؤمه ، يظهر في الأحداث اهتمام الملك بابنه زوجته سالومي فهو دائم التطلع اليها والتأمل فيها حتى وجد في تلك الليلة الحزينة فرصة أن يطلب من سالومي أن ترقص له و ينسى هذا "الفأل السيء" كما أقسم لها أنها إذا وافقت على الرقص سيمنحها ما تشاء حتى لو كان نصف مملكته، تتسلسل الأخطاء في الأحداث إلى أن تصل لحد القصد والعمد دون الشعور بالذنب أو الرغبة في التوقف أو سماع تحذيرات النبي من الأفعال الدنيئة والعقاب؛ فقد وافقت سالومي على الرقص وفاجأت الجميع بطلبها رأس يوحنا.

بوابات الجحيم السبع

 تعتبر رقصة سالومي بالأوشحة السبعة "الرقصة الأخيرة"، رمزًا لبداية الخطيئة ونهاية العالم؛ حيث تبدأ سالومي في الرقص أمام الملك مرتدية سبعة أوشحة ومع كل حركة تتخلى فيها عن رداءها كأنها تصل لبوابة من بوابات الجحيم حتى تصبح عارية تمامًا وواقفة على أرض اللاعودة من الذنوب والخطايا، نقل وايلد تلك الانحدار الرمزي إلى عالم الرذيلة والإجرام في حفل تعرية الحقيقة والكشف عن سالومي وتجريدها حتى وصولها إلى سابع بوابة للجحيم ونهايتها.

لغز الحب أكبر من لغز الموت

 ربط النقاد مشهد ما بعد مقتل يوحنا بمبدأ الانجذاب الجنسي أو النكروفيليا بمعنى ممارسة الحب مع الطرف الآخر بعد موته ، أظهرت سالومي  مشاعر متخبطة بين الندم على فعل الانتقام والحب وذلك بعد أن أصبحت رأس يوحنا بين يديها، واعترفت في النهاية أن مشاعر الحب أقوى من مشاعر الانتقام: " أنا سالومي أميرة يهوذا رشقتني بأفظع الكلمات وتعاملت معي كعاهرة داعرة .. ها أنا ذا ما زلت على قيد الحياة أما أنت فميت ورأسك ملك لي استطيع أن افعل بها ما اشاء أرميها للكلاب أو للجوارح في الجو ، لماذا لم تكن تنظر لي فوراء لعناتك كنت تخفي وجهك وتسدل قناع من يريد رؤية ربه ، حسنا ها انت قد جئت لربك اما أنا لم ترني ابدا، لو انك رأيتني لأحببتني .. كم احببتك ولازلت احبك يا يوحنا ، للموت سر لكن سر الحب أعظم .. يجب ألا يبالي المرء إلا بالحب".

اقتباسات مُعتمدة على نص وايلد

تأثر العديد من المبدعين بنص وايلد لقصة سالومي والنبي يوحنا، وارتكزت عدة أعمال على هذا الابداع الخالد؛ حيث قدم الفنان الفرنسي جوستاف موغو لوحه فنية بعنوان

"The Tattooed Salome"  عام  1875 ، ومن المدرسة الرمزية قدم الفنان الفرنسي جاستو بوسييغ لوحة Salome"" عام 1914 .. ومن ابداع الفنان الروسي ليون باكست جاء تصميم خاص لرقصة سالومي بعنوان "Dance of the Seven Veils"  عام 1908.

وقام المؤلف الموسيقي الألماني رتشارد شتراوس عام 1905باقتباس العمل في فصل واحد أوبرالي حاملًا نفس الاسم "Salome"  والذي يعد الأشهر فقد قدم رقصة السبع أوشحة بشكل ناجح أما المشهد الأخير جاء كقطعة موسيقية لحفل سوبرانو درامي.

وفي السينما قامت الممثلة الأمريكية ريتا هيوارث بدور سالومي في فيلم ""Salome من إنتاج عام 1953، كما تعتبر رقصة سالومي في الفيلم هي الأقرب من نسخة وايلد الأصلية.

 قدمت السينما النص مرة أخرى عام 1961 باسم "King of Kings" وقامت الممثلة الأمريكية بريجيت باذلن بدور سالومي الذي استطاعت ان تثير شهوة الملك في مشهد الرقصة والذي يستحوذ على نسبة مشاهدة عالية حتى الآن.


 	نورهان حجازي

نورهان حجازي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

السعودي شو وتجربة شراء اشتراك نتفلكس بطريقة أكثر اطمئنانًا

في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية

ابتلى به الإنسان من بداية الخلق .. الاختيار مسئولية

بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية