مفاجأة فى ذكرى رحيل الشاعر الحزين والمهرج العظيم صلاح عبد الصبور

طغى الحزن على شعر صلاح عبد الصبور وكسا ملامحه، لذلك لن تصدقنى إذا حدثتك عن الوجه الضاحك لشاعر الأحزان، أنا نفسى كنت سأتشكك فيه كثيرا لولا أن صلاح عبد الصبور الذى

طغى الحزن على شعر صلاح عبد الصبور وكسا ملامحه، لذلك لن تصدقنى إذا حدثتك عن الوجه الضاحك لشاعر الأحزان، أنا نفسى كنت سأتشكك فيه كثيرا لولا أن صلاح عبد الصبور الذى نحتفل هذه الأيام بذكرى رحيله قد حكاه بنفسه فى مقال نادر وغريب ومثير، كشف فيه عن انتمائه لأغرب تنظيم كونه فى (الزقازيق) مسقط رأسه اسمه جماعة الضحك القديم، كان أعضاؤه كلهم من الشراقوة، ومنهم من صار مشهورا فى صيت مرسى جميل عزيز شاعر الألف أغنية، ومنهم من مات مغمورا كإبراهيم السروجى؛ عقاد الزقازيق.

كان صلاح عبد الصبور وقتها طالبا فى سنوات دراسته الثانوية، محبا للحياة منطلقا ولا يعرف للدنيا هما، وفى تلك السنوات منحته الحياة جرعة مكثفة من الضحك أو على حد وصفه هو: «الضحك الصافى الذى لا نسأل الله بعده خيرا توجسا لحزن قادم ما يلبث أن يفد ليسترد هدية الزمان وندما على أننا انسقنا نكركر وقد نسينا أن الهم لنا بالمرصاد».

لم يُخلق صلاح عبد الصبور إذن منذورا للأحزان كما قد يتصور من يقرأ شعره أو يتأمل ملامحه، فقد عرف قلبه الضحك الصافى  وحنجرته (الكركرة) بل أسس تنظيما خاصا لا هدف له إلا (التهريج) والمتعة والسعادة.

كان تنظيم (الضحك القديم) الذى انضم إليه صلاح عبد الصبور يعقد جلساته كل مساء فى قهوة الأدباء بالزقازيق، يجلس أعضاء التنظيم محدود العدد والعضوية فى ركن خاص من المقهى يتسامرون ويتبادلون النكات والقفشات (الثقافية) وما تلبث ضحكاتهم أن تتعالى و(تقرقع) فى جنبات المقهى.

نجم التنظيم كان اسمه إبراهيم السروجى، تلك الشخصية الغريبة التى سحرت صلاح عبد الصبور وكان أول أستاذ فى حياته وعاش يشعر أنه مدين له بجزء كبير من تكوينه العقلى والوجدانى رغم أنه لم يكن يحمل أى مؤهل دراسى.. يحكى عنه بشغف: أول من قدمنى لعالم الضحك الصافى هو إبراهيم السروجى عليه ألف رحمة وسلام.. وربما لا يعرف السروجى حق المعرفة إلا أنا وعديد من الموتى وقليل من الأحياء. كان إبراهيم السروجى أحد أعلام المدينة (الزقازيق) بخفة ظله وحياته التى يختلط هزلها بجدها، أما نحن فقد عرفناه كما ينبغى له أن يُعرف.. كنت فى الخامسة عشرة من عمرى وكان مسعاى إليه فى دكانه حيث كان يعمل فى صناعة السروج لحمير سادة الريف وأحصنة عربات الحنطور التى كانت هى تاكسيات ذلك الزمان . وكانت النكتة الأثيرة لإبراهيم حين يهل عليه أحدنا هى أن يقول له: قم لأخذ مقاسك وأصنع لك جاكتة.. كان إبراهيم السروجى لا يعمل فى دكانه إلا ساعة أو بعض ساعة ثم ما يلبث أن يدركه الملل فيمد يده إلى كتاب مطوى تحت أداة صناعته من الجلد والخيش ويقرأ فيه حتى يهل عليه واحد من أتباعه.. وفى دكان السروجى سمعنا لأول مرة أسماء نيتشه وجون ستيوارت ميل، وفى دكان إبراهيم وعلى مائدته فى عليائه الأثير عرفت أصدقائى.. أصدقاء الضحك.. ذهبت أول مرة إلى دكان السروجى متعاليا فأنا طالب فى نهاية المرحلة الثانوية ونحن نعلم أنه لم يحصل من الشهادات إلا على شهادتى الميلاد والتوحيد، ولكنى ما لبثت أن فُتنت بهذا السقراط الريفى.. وكانت كلمة أستاذ حين تطلق فى مجتمعنا الضاحك لا تنصرف إلا إليه.

ويحكى صلاح عبد الصبور حكايات مثيرة عن الرجل الأول الذى ملأ حياته بالضحك الممتع، ولن تملك نفسك من الابتسام على الأقل وهو يحكى لك مثلا عن قصة اللقاء الغامض بين إبراهيم السروجى وعباس العقاد، فقد تصور السروجى فى لحظة أنه ند للعقاد وسافر إليه فى القاهرة ليناقشه فى بعض المسائل الفلسفية أستاذا لأستاذ، وقابله بالفعل، وعاد السروجى إلى الزقازيق رافضا أن يفصح عما دار فى ذلك اللقاء المثير، لكن الجميع كان يعلم أن العقاد أغلظ له فى القول والفعل، وبعد فترة بدأ السروجى فى لحظات الصفاء وتحت تأثير الدخان الأزرق  يحكى بنفسه وبسخرية محببة عما فعله معه (زميله الفيلسوف) عباس العقاد.

ظلمت الدنيا إبراهيم السروجى ولم تقدر عبقريته، مثلما ظلمت وجنت على عبقرى آخر من جماعة الضحك القديم واسمه إبراهيم أيضا.. إبراهيم شاهين، الذى يقول عنه صلاح عبد الصبور: «إنه شاعر لا يعرف قيمته إلا أنا.. شاعر لو أنصفه الزمان وأنصف هو نفسه من الزمان لتألق كالجواهر الثمينة»..  ورغم ظروفه ومشاكله كان إبراهيم شاهين لا يكف عن الضحك والمزاح وكأنه جاء إلى الدنيا لكى يضحك.

ويتوقف صلاح عبد الصبور طويلا عند صديقه فى جماعة الضحك القديم الشاعر الغنائى الشهير مرسى جميل عزيز، ويقدم عنه صورة إنسانية مختلفة ومغايرة لما فى عقولنا عن الشاعر الذى يظهر دائما متجهما فى صوره.. يكتب عنه صلاح عبد الصبور: «كان مرسى عندئذ جملة رجال فى رجل، فهو يتاجر فى بعض مخلفات الجيش الإنجليزى وفى الفاكهة وعنده هواية تستهلك وقته وبعض ماله وهى التصوير الفوتوغرافى، ثم هو إلى ذلك أول من شق منا طريقا إلى القاهرة بأغانيه التى كان يغنيها مطربو ذلك الزمان.. كان مرسى شديد القلق والطموح، ذكيا لا يحاول أن يخفى ذكاءه  بل هو يستعرضه حين تسنح له الفرصة أو يخلقها هو».

ويحكى صلاح عبد الصبور عن (المناقرات) الدائمة التى كانت تحدث بينه وبين مرسى فى بدايات رحلتهما مع الشهرة وهما جالسان على مقهى الأدباء فى الزقازيق مع أصدقائهما من جماعة الضحك القديم، كان كل منهما يقرأ على صاحبه أشعره الجديدة، ولم يكن صلاح يخفى سخريته وهجومه على أغانى صديقه مرسى، فهو لا يعترف بكلمات الأغانى العامية ولا يراها شعرا مهما ذاع على ألسنة المطربين والناس، ولم يكن مرسى راضيا عن القصائد الأولى لصديقه ويسخر من هذا الذى يسمونه الشعر الحر، ويكتب صلاح بمودة:

» فلا أنا راض عن أغانيه كل الرضا ولا هو راض عن شعرى كل الرضا، وذكاء مرسى مشحوذ دائما لكى يفتش عما لا يعجبه وملكته الجدلية ناهضة عنه بما يعوزه من حجة، ولكننا رغم ذلك نضحك حتى التعب مع رفاق الضحك ».

ومن المفاجآت التى يذيعها صلاح عبد الصبور فى مقاله النادر أن عبد الحليم حافظ بلدياته- كان من أعضاء شلة الضحك، وهو- أى صلاح- الذى عرّفه بمرسى جميل عزيز، ويحكى ببساطة آسرة: «أخذت ذات مرة يد صديق عرفته على مقهى الطلبة بالزقازيق وكان يكبرنى بعامين، وقد أتم دراسته فى معهد الموسيقى وأقام ينتظر تعيينه مدرسا للموسيقى، أخذته من مقهى الطلبة بعد أن توثقت بيننا صلة الصداقة لأقدمه إلى مرسى جميل عزيز فى مقهى جماعة الأدباء الضاحكة، وهكذا عقدت الصلة بين عبد الحليم شبانة الذى سمى نفسه فيما بعد عبد الحليم حافظ وبين مرسى جميل عزيز، ولكن مرسى تباطأ فى الكتابة لعبد الحليم وفى دفعه إلى ساحة الشهرة، ودخل عبد الحليم الغناء معتمدا على كلماتى (يقصد قصيدة لقاء التى غناها حليم فى بداياته ) التى لم أكرر مثلها، وعلى ألحان كمال الطويل صديقنا فى ذلك الزمان فى الصعلكة القاهرية».

أحمد مخيمر الشاعر الرومانسى المعروف فى ذلك الزمان كان من أعضاء جماعة الضحك، بل تفرد بمعابثاته الغريبة التى كانت تطلق الضحكات من القلب، يسألونه عن عدد أولاده فيحدثهم بجدية كاملة أنه لديه 35 ابنا من 9 زوجات، ويسألونه عن العمل الذى يسافر إليه فى القاهرة فيجيب: طيار مدنى، ويأخذه خياله إلى مغامرات صادفها فى الجو وهو يقود الطائرات.. وكان وجهه وهو يلقى بهذه المعابثات ساكنا نقيا كأنه ينطق بالصدق الصادق.. وكان يتألق فى سمرنا الليلى الضاحك، وإذا بى ألفت عبثه وشاهدت منه فنونا تبهج القلب الحزين.

وتشاء الأقدار أن يكون أحمد مخيمر هو مساعد صلاح عبد الصبور عندما تولى مسئولية إدارة هيئة الكتاب، وبحكم الصداقة القديمة فى شلة الزقازيق الضاحكة كان صلاح عبد الصبور يقبل منه وحده أن يتباسط معه أمام الناس وينسى أنه مديره، ثم يدرك متأخرا ما ارتكبه فيسارع بالاعتذار، ودائما كان صلاح عبد الصبور يقبل منه اعتذاره.

ويبدو أن الدنيا استكثرت على شلة الضحك القديم ضحكاتهم الصافية فقررت أن تعاقبهم عليها، فكانت النهاية المأساوية من نصيب الجميع.. إبراهيم السروجى مات بسرطان فى الحنجرة، وكان مؤلما عليه أكثر من السرطان أن يسكت صوته وكان أعظم ما فيه وطالما جلل بالحكمة والضحك.

مرسى جميل عزيز كانت نهايته أشد ألما، فقد ضرب السرطان حنجرته وصدره معا، وسافر للعلاج فى أمريكا، وعاد وقد تفاقمت حالته سوءا وما لبث أن ألقى تحية الوداع. أحمد مخيمر مات بالقلب.. القلب الذى لم يكن يكف عن الضحك والمعابثة.

وعندما كتب صلاح عبد الصبور مقاله عن جماعة الضحك القديم لم يكن قد بقى من أعضائها سوى إبراهيم شاهين، وجاءه إبراهيم يحمل إليه ديوانه الجديد، وجلسا يستعيدان أيام الضحك ويحنان إليها، يكتب صلاح: » قال لى إبراهيم ضاحكا: سأرثيك رثاء حارا كما رثيت مرسى، فأقول له: يا إبراهيم نحن نمشى بالدور والترتيب، لقد مضى إبراهيم السروجى أكبرنا سنا وتبعه أحمد مخيمر الذى يليه فى العمر، وتبعه مرسى الذى كان يسبقك بشهور، ثم أنت عليك الدور وبينى وبينك عشر سنوات.. ألم أقل لك إننا جماعة الضحك القديم نضحك حتى فى الموت».

لكن الموت هو الذى ضحك على صلاح عبد الصبور وخدعه ولم يلتزم بالترتيب الذى وضعه لرحيل أعضاء جماعته الضاحكة.. فقد رحل بعدها بعامين، قتلته كلمة لم يتحملها قلبه فتوقف عن الخفقان مات من الحزن الشاعر الذى استكثر عليه الزمان حنينه إلى زمن الضحك القديم.


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - أطفال النول

تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...

«ذلك هو البعد».. قصيدة نثر تغازل ماضيها «الصوفى».. وتُعاتبه

استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى

هند مختار: أكتب لمتعتى الشخصية

أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...

التأمل.. تجربة الصمت والهدوء الممتع

تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...