أنا عاشق لصوت الشيخ رفعت وابتهالات النقشبندى تربيت على القرآن وجلست فى ساحة المسجد الأحمدى لأستمتع بالغناء الصوفى
برحيل الموسيقار هاني شنودة تكون الموسيقى المصرية قد فقدت واحدا من عشاقها وصناعها وأعمدتها الراسخة.
ولا نبالغ عندما نقول إننا - بغياب عمار الشريعي وحلمى بكر وسلطان - فقدنا آخر جيل العظماء.. ولإنه بما قدمه وأبدعه من ألحان وموسيقى تصويرية وتوزيعات موسيقية يعد واحدا من المجددين في موسيقانا الشرقية.
بإيقاعاته التي مزجت الآلات الشرقية والغربية، وصنع بها لونا تميز به وتفرد.
لم يكن هاني شنودة مجرد صانع للموسيقى بل مؤسسة موسيقية كاملة، ففى التلحين قدم أعمالا استقرت في الوجدان تنوعت بين الغناء الرومانسي الكلاسيكي مثلما هو الحال في ألحانه لنجاة (أنا باعشق البحر باحلم معاك.. مثلا)، وبين الغناء الشعبي زحمة يا دنيا العدوية.. مثلا)، وبين الغناء الشبابي المتطور علموني عينيكي لمنير.. مثلا)... وبجانب التلحين هناك موسيقاه التصويرية التي كانت سببا في نجاح وتألق الأفلام السينمائية التي حظيت بنغماته لحد أن النجم الكبير عادل إمام كان يتفاءل بموسيقاه في أفلامه ويعتبرها تميمة حظ، ولذلك تجده حاضرا في أغلب أفلام عادل إمام في سنوات تألقه في الثمانينيات والتسعينيات يكفى أن نذكر منها: "شمس الزناتي المشبوه الحريف سلام يا صاحبي.. والغول".
ثم إنه بجانب تألقه في الموسيقى الفردية تألق كذلك في الغناء الجماعي، ونجح في صناعة واحدة من أهم الفرق الغنائية المصرية، ونقصد بها فرقة المصريين" التي قدم من خلالها الغناء الخفيف المبهج بموضوعاته الاجتماعية الجذابة، ولا يزال الجمهور يردد منها: "ما تحسبوش يا بنات إن الجواز راحة .. ماشية السنيورة". ومن خلالها قدم مواهب عديدة مثل منى عزيز وإيمان يونس وممدوح قاسم.
وفوق ذلك كان صانعا للنجوم، وسيذكر له التاريخ أنه كان شريكا في صناعة نجوم بحجم محمد منير وعمر دياب ساندهم في بداية مشوارهم وفتح لهم بيته وموهبته وخبرته، وأسهم في ترسيخ تجربتهم.
(1)
تتعدد وجوه هانى شنودة كمبدع، وربما يكون أغربها بالنسبة لي عن علاقته بالقرآن الكريم خاصة صوت الشيخ محمد رفعت والإنشاد الصوفي خاصة صوت الشيخ سيد النقشبندي.
وعندما كنت أجهز في كتابى مزامير القرآن... العظماء السبعة لدولة التلاوة، سألت الحاجة هناء حفيدة سيد المقرئين الشيخ محمد رفعت وحارسة تراثه عمن ترشحه من الموسيقيين يكون عارفا بصوت جدها يمكنه أن يقدم لى تحليلا موسيقيا لصوته المعجز، من ناحية مساحة الصوت ودرجته والمقامات الموسيقية التي يتألق فيها .. وبلا تردد اقترحت على اسم الموسيقار هاني شنودة.. وأصبت بدهشة وظننت أن الاسم التبس عليها وراجعتها فيه، لكنها أصرت عليه وأكدته، وقالت لى بثقة كلمه أنت بس... وقل له كلمني عن الشيخ رفعت "!
وهمست في أذنى بأن هاني شنودة من عشاق صوت الشيخ رفعت ومن العارفين بأسراره ونفحاته...
ومنها عرفت أنه عند صوت الشيخ محمد رفعت تذوب الفوارق وتتلاشى المسافات، وتجتمع الأعراق والديانات فحول هذا الصوت السماوى يتوحد الجميع ويتحلق لا فرق بين مسلم ومسيحي، عربي أو أعجمي، فلا تستغرب أن يكون من بين أقرب أصدقائه الفنان المسيحي نجيب الريحاني، والملحن اليهودى زكى مراد وابنته ليلى بل لا تستغرب أن يكون لصوت الشيخ رفعت مكانة رفيعة في قلوب أقباط مصر، يعشقونه ويستمعون إليه بنفس الحماس وتهتز قلوبهم وتغتسل أرواحهم وتدمع عيونهم.
ورغم كل هذه التطمينات ترددت لفترة، ووجدت الأمر محرجا، بل وغير منطقي، إذ ما هي العلاقة التي يمكن أن تربط بين ملحن (مسيحي) وقيثارة القرآن؟.. لكنى تشجعت وكلمته، وجاءنى صوته هاشا باشا بمجرد أن سمع أنني أريده أن يحدثني عن الشيخ رفعت وعن تحليله الموسيقى لصوته وأدائه.
و من هاني شنودة سمعت وسجلت هذه الشهادة المدهشة عن علاقته بصوت قيثارة السماء
"أنا متربى على صوت الشيخ رفعت وسميعة الراديو أمثالي كانوا يبدأون يومهم على قرآن الصباح في الإذاعة المصرية، وغالبا كان نجمها هو الشيخ رفعت و سحرني هذا الصوت السماوي، وكموسيقى كنت أتوقف مندهشا عند تمكنه الرهيب من التنقل بين المقامات نقلات يؤديها بمنتهى الحرفنة والبراعة والسلاسة، ثم قدرته الفذة على اختيار المقام الذي يناسب كل آية وكل سورة، وكيف يطوع صوته وإحساسه وأداءه مع جو السورة وموضوعها، فتحس بالجلال والفخامة والرصانة في قراءته لسورة الرحمن"، وبالتجسيد والابداع في سورة "الكهف" وكأنك تعيش مع كل قصة وترى الأحداث أمامك، ثم هذه الحلاوة والحنان في سورة "مريم" خاصة عندما يدخل في مقام الصبا".. يا سلام على الروعة والجمال والسحر...
أيضا في أذان الشيخ رفعت تجد تفردا، یعنی طول عمر المؤذنين في مصر يرفعونه من مقام "الحجاز"، لكن الشيخ رفعت أول من رفع الأذان من مقام "السيكا".
وبالإضافة إلى خامة صوته الفريدة كمنحة ربانية، فإن للشيخ موهبته الخاصة في التجويد، بما يدل على جهد بشرى وتدريب شاق مكنه من ذلك الأداء المذهل، فهو مدرسة لمن يريد أن يتعلم فن الأداء والإحساس.. وليس سرا أن كل المطربين الذين دربتهم في بداية مشوارهم كانت تلاوات الشيخ رفعت حاضرة في تلك التدريبات... یعنی مثلا عمرو دياب الذي ادعوا عليه في فترة أنه مؤد وليس مطربا، أقول لهم علنا لو سمعتم عمرو دياب في بيتي وهو يقلد طريقة أداء الشيخ رفعت في تلاوة وتجويد القرآن لما قلتم هذا الكلام الباطل.. كان يقلده بالخشوع ذاته، والجلال والأسلوب وطبقات الصوت وأتحدى من يسمع عمرو دياب في قراءته للقرآن ولا تنزل دموعه من شدة التأثر.. أتصور أن عمرو بارع جدا في أداء طريقة الشيخ رفعت.. وكذلك الشيخ سيد النقشبندي.
والنقشبندى هو الأخر "حدوتة" كبيرة، ولا أنسى عندما كنت صبيا فى طنطا، وكنا نتجمع بعد صلاة التراويحونجلس على الأرض فى ميدان الجامع الأحمدي لنستمع إلى ابتهالات الشيخ النقشبندى.. يا سلام على العظمة وعلى جمال الصوت الذي كان يصل إلى أعلى الأوكتافات بمنتهى السلاسة والتمكن، وهو ما تجلى في مولاي إني ببابك" الذي لحنه له بليغ حمدي، أنا أظن أن صوته وصل إلى عنان السماء وسمعته الملائكة
هناك أصوات مثل الشيخ رفعت والشيخ النقشبندى لا يجوز أن تخضعها لتلك التصنيفات الكلاسيكية الخاصة بطبقات الصوت الموضوع أكبر من أن تقيس الأوكتافات أو تحدد ما إذا كان "تينور" أو "باريتون" أو "باص"... فهذه تصنيفات أوبرالية في الأساس، أما في حالة صوت سماوی متفرد كصوت الشيخ رفعت فأنت أمام إعجاز... يعني لما تسمعه في سورة "النمل" وهذا التمكن الرهيب في النقلات بين المقامات، وبيسر غريب وبراعة تامة تتجسد أمامك تلك المقولة الخالدة عن أن القرآن نزل بمكة وقرأ بمصر.. فمدرسة القرآن المصرية لا تزال هي الأكثر روعة وجمالا وسحرا ".
(2)
لم يكتف هاني شنودة بهذا التحليل المبهر لصوت الشيخ رفعت بل دلني على أهم دراسة موسيقية عنه أعدها ملحن ومؤلف وباحث موسیقی مسیحی
فرغم أن صوت الشيخ رفعت منحة ربانية كما يصفه هانی شنودة، ومن الصعب أن يخضع للتحليلات الصوتية الكلاسيكية كما يحدث لأصوات المطربين، فإن هناك من فعلها، وربما كان أول هذه التحليلات وأشهرها هو ما فعله العالم والمؤرخ والمؤلف الموسيقى د. يوسف شوقی (1925) - (1987) والذي لحن لكبار المطربين في الخمسينيات والستينيات منهم عبد الحليم وفايدة كامل وماهر العطار ووضع الموسيقى التصويرية لعدد من أنجح الأفلام السينمائية (منها "عائلة زيزي" مثلا) وقدم واحدا من أهم البرامج الموسيقية الإذاعية (ما لا يطلبه المستمعون)، وأسس الأوركسترا السلطانية بسلطنة عمان ومات ودفن بها.
أخضع د. يوسف شوقى صوت الشيخ رفعت لتحليل علمی باستخدام أحدث الأجهزة الإلكترونية في عصره، وكان من أبرز نتائج دراسته
- درجة نقائه تصل إلى نقاوة الألماس.
يعتبر مع الشيخ يوسف المنيلاوي وأم كلثوم الأصوات الثلاثة العليا من ناحية القيمة الفنية - غناء وقراءة -فهؤلاء الثلاثة في رأيه وبعد سبعين عاما من الاستماع إلى النغم هم قمة الأداء الموسيقى العربي وأصحاب المميزات الصوتية التي يأمل أي إنسان في أن يصل إليها في يوم من الأيام.
كان صوت الشيخ رفعت مطواعا وفيه سخاء شديد مهما اختلفت الطبقة التي يؤدى منها سواء من قرار صوته أو من جواباته العليا.
- بالقياسات العلمية ثبت بالأرقام أن صوت الشيخ رفعت يحتوى على مكونات النغم الموسيقى العربي الطبيعي منضبطة انضباطا طبيعيا يصل إلى واحد إلى مائة ألف، وهذا لا يمكن لأى أذن بشرية أن تدركه أو تميزه ولذلك يمكن تسميته بالصوت الكامل، فقد اجتمع فيه كل مميزات الحنجرة العربية من الأنغام والأوتار الصوتية الخلاقة، فضلا عن استيعابه المذهل المعاني القرآن الكريم وتمثيله إياها للناس كأنما يلمسونها بالأيدى ويرونها مذهولين في طرب بالغ من هذا الصوت الذي يجمع بين القراءة والمعنى.
(3)
بعد هذا الحوار المدهش الذي يكشف عن جانب خفى كنت أتعرف عليه لأول مرة في شخصية هاني شنودة وتكوينه وثقافته همس في أذنى: تعرف إني نفسي أعمل تواشيح صوفية في حب النبي زي اللي عملها النقشبندي ؟ ولما بانت على وجهي علامات الدهشة شرح لى ده رد جميل لحضرة النبي من أقباط مصر. يعنى لما أسمع الوصايا والكلام الجميل اللي قاله في حق أقباط مصر إزاى مش عايزني أمدح هذا الإنسان النبيل ذو الخلق العظيم.. إحنا بينا نسب ومصاهرة بزواج النبي من مارية القبطية... إيه المانع إني أعمل مدائح في حضرة النبي".
لم يكن هاني شنودة مدهشا فقط في موسيقاه، بل في سماحته ورقيه... لقد كان تجسيدا حيا الحضارة المصريين.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في كل عام يأتى شهر يوليو، الشهر الذي تحرك فيه فريق من ضباط الجيش المصرى لتغيير الوضع الذي استعصى على...
السندريلا.. فى حضرة الحرافيش حين قالت سعاد: لست مثقفة.. وشهادتى هى موهبتى نجيب محفوظ: أرتاح عندما أرى وجه سعاد حسنى...
رصاصة طائشة تزلزل حياة مظهر وتتسبب فى طلاقه بدأت المأساة بتليفون من نجوى إبراهيم: ارجع البيت فورا.. فيه ضرب نار...
في هدوء شديد.. رحل الموسيقار الكبير هاني شنودة، بعدما ترك لنا العديد من الأعمال التي لا تنسى، وكان له تأثير...