تخرج هانى شنودة فى كلية التربية الموسيقية قبل النكسة بعام واحد، ليلتحق بالكونسرفتوار
رحل هاني شنودة.. غلبه المرض واختفى قليلا في مستشفى بحى المعادي، ثم سقط .. لا غناء ولا موسيقى ولا ضحكات ريفية مؤنسة كما هي العادة.. رحل "شنودة" وبقيت قصته.. التي سيسردها الكثيرون من هواة العزف" والنميمة... وجلد الذات أيضا...
لكنهم - رغم اختلافهم جميعا - سيتفقون على أنننا فقدنا رصيدا مهما من الإنسانية...
خمسون عاما ويزيد عمر قصة ذلك الريفي القادم من مجاورة السيد البدوى"، الذي لم يكن درويشا بل مجرد طفل يصدق أن ذلك البراح المصرى يساع كل الناس مهما كانت وجهاتهم، وأينما حلت خطواتهم، لا تفرقهم الأسماء والعناوين، ويجمعهم فقط أنهم مصريون... رغم أن عدوية منح شنودة لقب الخواجة، حتى ظن البعض أنه يعنى "الإفرنج» القادمين من الغرب دون فهم لطبيعة المصريين في الريف الذين يطلقون على كل "مسيحى" لقب خواجة.
أراد عدوية دون قصد تمييز شنودة على طريقة الصعايدة الذين خرج من بينهم، لكنه ودون قصد أيضا أشار فقط إلى تميز موسيقى الرجل الذي منحه واحدة من أهم أغنياته، تلك التي منحته حضورا لا يقاوم، ولا تزال: "زحمة يا دنيا زحمة".
الخواجة هاني في شارع الهرم
نشأ هانى وسط عائلة لا علاقة لها بالموسيقى يعمل أغلب أفرادها في عالم الأدوية والزراعة... أعيان الريف المصرى القديم قبل يوليو.. تلك الطبقة المستورة بالفعل كانت تحرص على وجود حجرة الموسيقى وآلات موسيقية في تلك الشقق الواسعة.. شوارع طنطا المليئة بالمداحين كنائسها عامرة أيضا بالترانيم... ذلك الخليط صنع اللبنة الأولى في عقل الطالب الذي رفض أن يكون صيدليا مثل والده أو طبيبا مثل أغلب أعمامه.. بعد أن سرقه البيانو وسيطر على تكوينه.. فكان الهروب الأول إلى الزمالك.. حيث كلية التربية الموسيقية.
حياة هادئة لا صخب فيها.. وجيل جديد يحلم بالأوبرا على الترعة مع مشروع قومی ناصری جعل من الموسيقى والغناء وسيلته للاصطفاف.. فكان أن أمنح هانى شنودة جزءا من ذلك الحلم الذي انكسر فجأة وتهدمت حوائطه على الجميع، وتناثرت أشلاؤه مثلما تناثرت موسيقاه تبحث عن هوية جديدة وحلم جديد.
الهروب إلى الشمال
تخرج هانی شنودة في كلية التربية الموسيقية قبل النكسة بعام واحد ليلتحق بالكونسرفتوار.. فيما كانت ملاهي وسط البلد في مواجهة النيل تبحث عن نغمة جديدة.
كانت معظم الفرق في تلك اللحظة تغنى غناء غربيا... أو عربيا مصنوعا على نغمات غريبة.. وانضم شنودة لهذه الفرق مع جيل يحيى خليل، ووجدي فرنسيس وعزت أبو عوف، وغيرهم عشرات.. لم تكن قد تبلورت في أذهانهم بعد فكرة وجود غناء مصرى وكان من الطبيعي ألا ينحاز شنودة، بتكوينه القادم من عالم الترانيم والفلاحين حيث لا يوجد ربع تون في أغانيهم، إلى غناء بعيد عن الحليات والزخارف التي تميز الغناء الشرقى، وكان أن تحول العازف إلى موزع وملحن اقترب كثيرا من أحد أهم صانعي الأحلام في ذلك الزمن.. واسمه صلاح جاهين.
خليها على طول حرية
الجيل الذي عاش انكسار يونيو ونصر أكتوبر جيل مختلف.. ذاق المر والحلاوة معا .. هو جيل محظوظ أيضا بكتيبة المبدعين الكبار الذين شكلوا ليالى ونهارات تلك الأيام بمواهبهم الفذة.
لم يكن الكاسيت قد ظهر.. وكانوا أول من عرفه... مثلما عرفوا السينما الملونة.. كانوا الجيل الذي استورد الآلات الحديثة من الغرب، مثلما استورد أغنياته وتقاليعه زمن الانفتاح.. ذلك الزخم كان على موعد مع صدمة ضد كل ثوابته عام 1977... من النصر إلى التطبيع.. ومن عالم الوضوح إلى عالم الحيرة.. تلك الحيرة هي التي دفعت هانی شنودة وزميله هانى الأزهرى إلى التفكير في فرقة المصريين، وهي نفسها التي جاءت بجيل محمد منير والحجار وعمر فتحى.. الجيل ذاته الذي عزف وغنى في شارع الهرم الذي انقسم ما بين كباريه يقدم الرقص والراقصات ونايت يقدم غناء غربيا أو عربيا بحس عربي
لم يكن الطريق واضحا.. لكن التمرد كان واضحا وجليا في مظاهرات الخبز. فالرخاء لم يأت لا مع الحرب ولا السلام، فكانت الأغنيات الأولى المتمردة مع 8 ديسمبر.. وهي الأغنية التي وثقت تاريخ بداية فرقة المصريين التي قدمت ستة ألبومات لكنها ظلت تمارس محاولة التجديد والبقاء لأكثر
من ربع قرن .
"أنا أحب القمصان الصيفي
ما تقولشي دي خفيفة وانت تحب المغنى الريفي ما تقولشي دي سخيفة الأغلال اللي في إيدينا هيه اللي مخيفة
لو بتحبنى.. فك إيديا"
زادت الأغلال .. وظل نداء الحرية يعلو.. في الوقت الذي علت فيه أصوات تحرم كل شيء بما فيه الغناء.. حتى قتل "الزعيم".. وسادت نغمة جديدة صنعت أحد أهم أجيال الغناء المصرى.. وكان هاني شنودة أحد أبرز أصوات هذا الجيل.
الزناتي الذي واجه الغرباء
موسيقى هاني شنودة سواء تلك وضعها في الأفلام التي تعدت المائة فيلم... أو وضعها ليغنيها مطرب محمد فرد.. سواء لنجاة الصغيرة أو أحمد عدوية أو . منير أو عمر فتحى أو فرقة المصريين.. جميعها تصب في خانة واحدة.. خانة الغناء المصرى.. لا هو غناء عربي ولا شرقى ولا غربي
جمعت رحلة شنودة أسماء واضحة في مصريتها ورؤيتها للموسيقى.. كانت البدايات متوترة متمردة مع سيد حجاب وحسن أبو عثمان وصلاح جاهين ومرسى السيد وعبد الرحيم منصور وعصام عبدالله وعنتر هلال وعمر بطيشة.. ورغم التنوع في أفكار ورؤى هذه المجموعة فإنهم معا قدموا شيئا مختلفا لم ندرسه حتى هذه اللحظة للأسف.
جيل محمد هلال وميشيل المصرى وفتحى سلامة وكامل الشريف وعشرات الأسماء لم تتم دراسته بما يليق.. فشلت محاولات هذا الجيل أم لم تفشل... يبقى أنه حاول صنع غناء مصری حقیقی غير أنه طغت موسيقى أخرى عشوائية على المشهد.. لكن ظل غناء ذلك الجيل عصيا على النسيان.. بدليل أن معظم "جيل زد" استعادوا نغمات شنودة وأغنيات فرقة المصريين عندما قدم أحد المسلسلات العام قبل الماضي بعضها، فراحوا يبحثون عنها وعن نجماتها، من أول إيمان يونس وحتى منى عزيز.
الغناء الحقيقي لا يموت.. لأنه صنع من أجل الإنسان.. في كل وقت.. وفي أي مكان.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في كل عام يأتى شهر يوليو، الشهر الذي تحرك فيه فريق من ضباط الجيش المصرى لتغيير الوضع الذي استعصى على...
السندريلا.. فى حضرة الحرافيش حين قالت سعاد: لست مثقفة.. وشهادتى هى موهبتى نجيب محفوظ: أرتاح عندما أرى وجه سعاد حسنى...
رصاصة طائشة تزلزل حياة مظهر وتتسبب فى طلاقه بدأت المأساة بتليفون من نجوى إبراهيم: ارجع البيت فورا.. فيه ضرب نار...
في هدوء شديد.. رحل الموسيقار الكبير هاني شنودة، بعدما ترك لنا العديد من الأعمال التي لا تنسى، وكان له تأثير...