رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

 

حتى هذه اللحظة، عام 1958، كانت العلاقة بين حلمى رفلة وعبدالحليم قوامها المحبة والصداقة الحميمة التى كتب عنها حلمى فى لقائه الأول. تدل هذه الرسالة التى احتفظ رفلة بصورتها على قوة أواصر العلاقة بينهما، وتؤكد أن التوتر الذى أصاب العلاقة فيما بعد كان لأسباب فنية، سوف يشرحها رفلة بالتفصيل  فى النص الذى كتبه عن ظروف تصوير فيلم «معبودة الجماهير» الذى استغرق حوالى خمس سنوات.

فى 22 أبريل 1957  كتب حلمى رفلة هذه الرسالة إلى عبدالحليم حافظ  وهو فى طريقه إلى بيروت..

«عزيزى عبد الحليم..

أكتبُ إليك هذا وأنتَ فى طريقك إلى لبنان، أى بعد سفرك مباشرة، فأرجو أن يكون الطقس جميلًا ورحلتك بالطائرة مريحة، كما أرجو من الله أن تكون موفقًا فى عملك الفنى وأن تُقابَل من جمهورك بما أنت أهل له من الحب والتقدير. قرأتُ الورقة التى تركتها مع الأخ إسماعيل وسأتصل غدًا بالأستاذ يوسف لأن اليوم شم النسيم ولا يُحتمَل أن أجده. وعند حضورك بالسلامة، سأبدى لك ملاحظاتى على كل شيء. وربنا يفعل ما فيه خير الجميع.

لى بعض الطلبات البسيطة من لبنان وقد نسيت أن أخبرك بها، وأهمها كتاب طبى دراسى خاص بابنى سمير، وهذا كتاب قد دفعت عربونه لمكتبة لبنان الموجودة بجوار أوتيل الكابيتول وأعطيت الإيصال للأستاذ إبراهيم جبّور الموظف بالكابيتول لإحضاره من المكتبة عند العثور عليه ودفع باقى ثمنه. أرجو أن تسأل الأخ إبراهيم جبّور وتحضر الكتاب معك لقرب امتحان سمير وحاجته إلى دراسته.

كما أرجو إحضار الأدوية الموضح بيانها لعدم وجودها بالقاهرة، وأتعشَّم أن تقضى وقتًا ممتعًا بلبنان، وأن تكون شديد الحرص على صحتك من جو لبنان ومن حسناوات لبنان أيضا.

سلامى وقبلاتى لمحمد على وروبيـر وبديع وكل جماعة بيكر كما يسمون أنفسهم.

إلى أن أراكَ قريبًا وأُقَبّلك بحرارة، أبعثُ إليك بخالص تحياتى وسلامى».

تؤكد الرسالة العلاقة القوية بين حلمى وعبد الحليم، تلك التى امتدت لسنوات، حتى تعكَّر صفوها بفيلم «معبودة الجماهير». أو بالتحديد مع بداية التصوير. ففى عام 1963، مع أول يوم للتصوير، بعث رفلة إلى عبدالحليم برسالة صيغتها أقرب إلى العقد، تسلمها عبد الحليم ووقَّع عليها بتاريخ 17 فبراير 1963:

«الزميل العزيز الأستاذ عبد الحليم حافظ..

تحية طيبة وبعد..

تثبيتًا لاتفاقنا الشفوى معكم والذى عززتموه للسيد حنا إلياس خورى مدير شركة الشرق للتوزيع نؤكد لكم الآتى:

أولًا: سيبدأ التصوير بإذن الله فى فيلم «معبودة الجماهير» يوم الخميس 28 فبراير 1963 فى ديكور «فيلا سهير» مع السيدة شادية أولًا، وبحيث يبدأ عملكم من يوم الإثنين 4 مارس فور عودتكم بالسلامة من لبنان.

ثانيًا: ووفقا لرغبتكم نقوم بالتعاقد مع:

1- الأستاذ يوسف شاهين لإخراج قصة «القاهرة 63» (اسم مؤقت) والذى يقضى الاتفاق معه أن يبدأ الإخراج فور الانتهاء من «معبودة الجماهير».

2- الأستاذ على رضا لإخراج فيلم «التلميذ» بعد الانتهاء من «القاهرة 63».

3-  أما الفيلم الرابع فإما أن يكون من إخراج الأستاذ حلمى حليم كسابق موافقتكم، وإما أن يُعرَض عليكم الموضوع من جديد وفقًا للظروف.

وبأمل أن يشملنا المولى جميعًا بعنايته وتوفيقه، نرجو التوقيع على صورة هذا الخطاب بالموافقة على ما جاء به.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

وبالفعل، وقَّع عبد الحليم على الخطاب، واحتفظ به رفلة. لكن تصوير «معبودة الجماهير» تعَطَّل، وساءت العلاقات بينهما، فلم يُنَفَّذ التعاقد، ولا أى فيلم من الأفلام الثلاثة. ماذا لو أخرج يوسف شاهين فيلمًا لعبد الحليم؟ دون شك سيكون مختلفًا عن كل أعماله. يدل التعاقد على اهتمام رفلة بعبد الحليم، وعلى الثقة المتبادلة بينهما، التى جعلت عبد الحليم يوقع مع رفلة على المشاركة فى أربعة أفلام. كان رفلة يفكر كمنتج احترافى فى توظيف إمكانات هذا المطرب ومواهبه، فوقَّع معه فى اللقاء الأول على ثلاثة أفلام.

ما دَوَّنه رفلة عن عبد الحليم يدل على المحبة المتبادلة بينهما، ويؤكد أن التوتر الذى شابَ العَلاقةَ  فيما بعد كان نتيجة مباشرة لفيلم «معبودة الجماهير». العلاقة التى كانت تفيض بالمحبة والثقة بينهما، تراجعت نتيجة الغيرة الفنية القاتلة. كان عبد الحليم قد أصبح فى ذلك الوقت المطرب الأشهر والأول، ومطرب الثورة، وصاحب الكلمة والنفوذ، وصديقًا حميمًا لصناع القرار، فكيف يشارك فى فيلم وهو يشعر بأن شادية معبودة الجماهير هى البطلة، وليس هو. ناهيك عن أنَّ غضب السلطة آنذاك على مؤلف الفيلم مصطفى أمين، ربما دفع عبد الحليم إلى عدم استكمال الفيلم. وأيضًا لظنه أن مصطفى أمين كتب الفيلم خصوصا لشادية، ولأن مخرج الفيلم ومنتجه حلمى رفلة مكتشف شادية والأب الروحى لها.

استغرق  تصوير فيلم معبودة الجماهير حوالى خمس سنوات، وهى ذات الحقبة التى تولى فيها رفلة منصبه كمدير فنى فى مؤسسة السينما، وتقريبا لم يستغرق فيلم فى تاريخ السينما المصرية هذه المدة، لكن وبعد معركة عنيفة ومعوقات لا حصر لها تم تصوير الفيلم، وعرض فى مطلع عام 1967 وحقق نجاحا كبيرا. ورغم توتر العلاقة بين رفلة وعبد الحليم، ورغم اعتقال مؤلف الفيلم مصطفى أمين، وحذف اسمه من بطاقة الفيلم والاعلانات، فإن الفيلم حقق نجاحا كبيرا، وإن امتنع أغلب النقاد عن الكتابة عنه، لموقف مؤلفه الذى كان مغضوبا عليه من السلطة السياسية.

كتب حلمى رفلة فيما بعد تفاصيل ما حدث أثناء تصوير فيلم «معبودة الجماهير»، وبالتحديد تفاصيل العلاقة بينه وبين عبد الحليم حافظ، وأسباب غضب حليم من الفيلم ، ولماذا اعترض على الاسم ، بل وأرفق رفلة فيما كتبه الرسائل التى بعث بها عبد الحليم مسجلا اعتراضه على اسم الفيلم، وعلى بعض الجمل التى وردت فى الحوار . وفى النص الذى كتبه رفلة يبرز العلاقة الحميمية بينه وبين العندليب، ويؤكد أنه رغم الظروف التى صاحبت إنتاج وتصوير فيلم «معبودة الجماهير» فإن العلاقة بينهما ظلت عامرة بالمحبة. النص الذى كتبه رفلة عن عبد الحليم وهذا الفيلم يحتاج إلى قراءة خاصة، سوف أقدمها لاحقًا مع نص ما كتبه رفلة.

رحل عبد الحليم حافظ فى 30 مارس 1977، وبعد أيام، وفى 15 أبريل 1977 رحل حلمى رفلة، إذ شاءت الأقدار أن يفارقا الحياة  فى التوقيت ذاته تقريباً، فبينما كان رفلة فى طريقه إلى فرنسا لمعاينة أماكن تصوير فيلم «الحكيم بخيلاً» مات عبد الحليم حافظ،  وبينما كان رفلة ينهى معاينة أماكن التصوير فارق الحياة  وهو عائد من ليون إلى باريس.

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

بنودي
فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر (2)  حكاية أربعة أفلام جمعت حلمى رفلة وعب
قصة اللقاء الأول بين حلمى رفله وعبدالحليم حافظ
رفلة
فايزة
سعاد
الزهر

المزيد من فن

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...

«Me & Roboco».. فيلم الفانتازيا والكوميديا

حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...

الفنان محمد إبراهيم يسرى: والدى دخل المستشفى على قدميه وخرج محمولاً

11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...