الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته حيا وميتا، لأن هذه الفئة تعلم تماماً أنه لن يزول أثره الإبداعى،

 رغم موته، وهذا ما أثبتته الأيام.. عاش عبدالرحمن الأبنودى بفضل قصيدته ومواقفه الإنسانية مع الشعب، وهذا القول يضحك منه شعراء «النص لِبّة»، وشعراء الصهيونية والعولمة، التى كان الأبنودى عدوها الأول.. أليس هو الذى كتب أغنية عظيمة للمطرب عبدالحليم حافظ تقول كلماتها «ابنك بيقول لك يا بطل هات الانتصار» حتى يصل إلى عبارة تقول «ومافيش مكان للأمريكان بين الديار».. وهذه العبارات لم يلقها ـ الأبنودى ـ من باب القافية ولا من باب ركوب الموجة، رغم أن هذه الأغنية كانت لمناسبة عظيمة هى حرب العبور فى السادس من أكتوبر1973، لكن الشاعر الكبير كان يتحدث بلسان الشعبين المصرى والعربى، بعد أن فهمهما وحصل على إجازة منهما.. هذه الإجازة كنت أراها وأنا فى بيتنا.. كان الأبنودى يظهر على شاشة القناة الأولى فتنتبه أمى ـ رحمها الله ـ وتقول بالنص: «استنى نسمعوا الأبنودى، كلماته حلوين ومفسّرين».

وهذه هى الإجازة التى أقصدها، الوصول إلى قلوب الناس ببساطة، وأتذكر له رحمه الله أداءه فى حلقة من حلقات برنامج «السامر» الذى قدمه على شاشة القناة الأولى وجمع فيه كل المطربين الشعبيين، وكانوا كلهم من قنا وسوهاج، وكان الأبنودى يدير الحوار مع هؤلاء بالطريقة التى يفهمونها، واستطاع أن يقدم من خلال هذا البرنامج كل ألوان الغناء الشعبى الصعيدى، وما زال الناس يتذكرون حلقات «السامر» الذى قدمه الأبنودى منذ ما يزيد على الثلاثين سنة.

والشعر الذى كتبه الأبنودى لم يلق حتى اليوم العناية الأكاديمية التى تليق به، رغم أن الأعمال الكاملة متاحة ومنشورة، لكن الباحثين الأكاديميين لم يدرسوه الدرس الكافى، والمتخصصين فى العلوم الاجتماعية لم يدرسوا العلاقة الوثيقة التى بين قصيدة الأبنودى والثقافة الشعبية والوجدان الجمعى العربى.. كان رحمه الله صاحب حضور كبير فى السودان وفى دول الخليج العربى، وفى تونس وكل بلاد المغرب العربى، على الرغم من أنه كان يكتب باللهجة الصعيدية، لكنه كان يقول الشعر، والشعر هو ما يصل للقلوب ويعيش فيها، عبر اللهجة.. وللشاعر الكبير رؤية عظيمة لفن الشعر قالها فى حديث إذاعى أجراه معه الإذاعى الكبير عبدالوهاب قتّاية، تقوم على أن الشعر لغة الوجدان، والشاعر هو من يستطيع أن ينطق اللغة التى يستقبلها الوجدان، سواء كانت لغة فصيحة أو عامية، المهم الصدق وكان الأبنودى صادقاً فى شعره فصدقه الناس.. رحمه الله وجعل مثواه الجنة.

جوابات حراجى القط.. قصائد الفلاحين التى لم يفهمهــــا الأفنديات

ديوان «جوابات حراجى القط»، الذى كتبه الأبنودى فى زمن بناء السد العالى، تضمن مقدمة لم يلتفت إليها النقاد الأشاوس، لأنهم مجرد «أفنديات» قرأوا كام كتاب وعملوا خطة البحث ولبسوا الروب وناقشوا وحطوا «الدال» قدام أساميهم وخلاص، ولنقرأ ما قاله الأبنودى فى المقدمة:

«إن المسافة بين أدائك وأداء «حراجى» أو «فاطنة»، هى بالتحديد المسافة التى تفصل فكرياً واجتماعياً ومعيشيّاً بينك وبين هذه الطبقة، واسم حراجى فى منطقة قِنا معروف، فالكثيرون من أهالى القرى هناك يطلقونه على أبنائهم، ولم يأت الاسم من الهواء، فالأراضى التى كانت تنتظر فيضان النهر كل عام ـ أراضى رىّ الحياض ـ يطلقون عليها فى قرانا اسم «الحِرجان» ـ جمع حَرَجة ـ وهى أرض قوية مهيبة، تتشقق شقوقاً بالغة الاتساع والعمق، يسدها النيل كل عام لتعود للتشقق فى موسم الجفاف.. لذلك فهم يطلقون اسمها على أبنائهم لكى يخرجوا للحياة مثلها أقوياء، قادرين على العطاء، ومثلما جاء السد العالى لكى تكف الحِرجان عن التشقق، جاء أيضاً ليفعل الشىء ذاته بحراجى».

هذه سطور مقدمة الطبعة الثانية للديوان، والتى صدرت فى عام 1977، وفيها الدليل على قوة الاتصال بين الأبنودى والفلاحين فى مصر وقِنا على وجه التحديد، وهذا الاتصال جعله سفير الفلاحين لدى المثقفين وسفير المثقفين لدى الفلاحين، يعرف معنى الحرجة ومعنى عيش الدميرة، من الذرة الرفيعة المخلوطة بالحِلبة، والدميرة فى الصعيد معناها فيضان النيل، وهى أيام خير، فيها السمك النيلى، وفيها حصاد المحاصيل، وفيها الدمار لو كان الفيضان عالياً شديداً، يثور فيدمر كل ما يصادفه.. جوابات حراجى القط التى فجرت حديثنا هذا هى جوابات أرسلها حراجى العامل فى السد العالى إلى زوجته فاطمة أحمد عبدالغفارومنها:

«كيف اللى ف قلبى بس يا ناس.. أرويه فى جواب؟..

أما عن عيد، فأنا من بدرى يا «فاطنة» قلت يروح الكتّاب، وأقل ما فيها عيفُكّ الخَطّ.

ويحفظ له كام سورة، والأمر ده بس يا «فاطنة» يعوز شُورَه.. على خيرة الله.

ووصلنا فطيرك.. قعمَزت ما بين الرجّالة وكلناه ..

سلاماتى لكل اللى يقول لك شِحوال حراجى

وسلامى لعزيزة وعيد

أمانة عليكى لحين ما آجى».

المسيح وعمرالمختاروالبرىء فى قلب شاعر مصرى

المسيح عليه السلام هو الثائر الذى جاء ليصحح مفهوم الدين، ويجعل منه ديناً يمنح القلوب البشرية الحائرة الراحة، ويمنحها العدل الذى تشتاق إليه.. هذه النظرة قدمها الكاتب اليونانى الروائى كازانتزاكيس فى رواياته التى تُرجمت وقرئت فى الوطن العربى ومنها: «المسيح يُصلب من جديد، الإغواء الأخير للمسيح»، وهذا ما حاول ـ نجيب محفوظ ـ أن يقدمه فى روايته «أولاد حارتنا»، لكن الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودى قدم المسيح باعتباره النبى الذى قتله اليهود، وكانت أغنية المسيح محل جدل، السلفيون الوهابيون احتجوا على الزاوية التى كتب منها الشاعر الكبير، فاعتبروه مخالفاً لقوله تعالى فى القرآن الكريم «وما قتلوه وما صلبوه».. والصهاينة ـ يهود العصر الحالى ـ اعتبروا الأغنية تحريضاً عليهم، والفنانون والمبدعون اعتبروها أغنية ثورية، ترى فى المسيح رمزاً للمقاومة وترى فيه الإنسان الذى عاش ولاقى الظلم من اليهود ـ وهو ما يعيشه الفلسطينيون فى أيامنا هذه ـ وهو القصد من كتابة وتقديم الأغنية، فهى عمل إبداعى قومى عروبى إنسانى شارك فيه الأبنودى وبليغ حمدى وعبدالحليم حافظ، وظهرت فى عام 1967، العام الذى هُزم فيه العرب وهُزم المشروع القومى التحررى الذى ظهر فى الوطن العربى عقب الحرب العالمية الثانية.. وغنى  عبدالحليم حافظ الأغنية فى مدينة لندن، وحققت نجاحاً كبيراً وأبلغت الرسالة بنجاح ساحق، لكن الأبنودى كتب أغنية بالمعنى ذاته ـ معنى العروبة ـ وغنتها نجاح سلام فى فيلم «أسد الصحراء» الذى روى قصة كفاح الشعب الليبى ضد الاحتلال الإيطالى بزعامة المجاهد الشهيد عمر المختار، وتكررت التجربة للمرة الثالثة ـ تجربة الغناء للحرية والكرامة الإنسانية ـ فى فيلم «البرىء»، الذى قام ببطولته أحمد زكى، والبرىء هنا هو الفلاح المصرى الذى يساق إلى معركة تتعارض مع حياته نفسها، والنموذج فى الفيلم ـ كتبه وحيد حامد ـ هو الفلاح المجند فى قوات الأمن، والمهمة التى كلف بها هى مهمة إبادة المثقف الطيب ابن قريته، ورفض الفلاح القيام بالمهمة، وكانت أغنية الأبنودى معبرة عن الحالة.. الجميل فى هذا كله أن المسيح وعمر المختار والفلاح المصرى ـ البرىء ـ صانع الحضارة اجتمعوا فى وجدان شاعر مصرى كبير اسمه عبدالرحمن الأبنودى.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ  وحلمى رفلة
فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر (2)  حكاية أربعة أفلام جمعت حلمى رفلة وعب
قصة اللقاء الأول بين حلمى رفله وعبدالحليم حافظ
عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال
فايزة
سعاد
الزهر

المزيد من فن

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...

«Me & Roboco».. فيلم الفانتازيا والكوميديا

حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...

الفنان محمد إبراهيم يسرى: والدى دخل المستشفى على قدميه وخرج محمولاً

11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...