شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

الأعياد الدينية في مصر تتجاوز سياقها الديني إلى ما هو أبعد، إلى سياق قومى، لتصبح جزءًا من النسيج الاجتماعي، وتحتل مساحة في الوجدان الشعبي.. وهذا ما حدث في أعياد الفطر، والمولد النبوى، وأحد السعف، والغطاس.. وأذكر أنني ظللت سنوات أعتقد من خلال مظاهر الاحتفال بهذه الأعياد أنها لكل المصريين الفوانيس لكل الأطفال، وهكذا حلوى المولد، والسعف والقصب جزء من وجدان الأطفال دون تفرقة دينية.

وإذا كان شهر رمضان مناسبة دينية فإنه أيضا احتفال مصرى بكل مظاهره وطقوسه اليومية التي يمارسها المصريون، وهذا ناتج طبيعي للروح المصرية التي أضفت طابعا خاصا على مظاهر الاحتفال بالأعياد الدينية، والتي احتفظت أيضا بطابعها العقائدي، فقد أضفى المصريون طابعًا قوميًا على هذه الأعياد من خلال طقوس نابعة من الثقافة المصرية، إذ تختلف رغم جوهرها الديني، إلا أن مظاهر الاحتفال بهذه الأعياد لا توجد إلا في مصر.. ليتحول شهر رمضان إلى احتفال مصرى يشارك فيه الجميع.

فعلى سبيل المثال، تم إنتاج العديد من الأغاني مصرية الطابع، تصف وتحكى وتمدح هذا الشهر.. أغان معظمها ذات بنية درامية تقوم على حكايات ومشاهد وصفية.. فهذه الأغاني التي اعتادها المصريون من الملامحالرئيسية لهذا الشهر، ولا أظن أن أحدا يتخيل شهر رمضان من دونها، سواء ما يذاع منها في أول الشهر أو في منتصفه أو آخره، فثمة أغان يستقبل بها المصريون شهر رمضان وأخرى لتوديعه، وكل هذه الأغاني مصرية خالصة تجسد روح الشعب المصرى حاضره وماضيه، فثمة احتفال خاص من المصريين، ليس فقط في العادات والتقاليد العديدة والممتعة مثل الفوانيس وموائد الرحمن والسهرات الرمضانية، ولكن من خلال الأعمال الفنية خاصة الأغاني التي عبرت عن خصوصية المصريين، وأبرزت الثقافة المصرية عبر العصور.

تميزت هذه الأغاني بأنها جسدت العادات والتقاليد المصرية.. ولن يخفى على قارئ أو مستمع أنه يشاهد من خلال هذه الأغاني طقوس وعادات المصريين في هذا الشهر، وجميع الأغاني تتفق في أنها تنتظر هذا الشهر وترحب به وترجوه ألا يؤجل موعده فقد تعامل المصريون مع شهر رمضان على أنه ضيف عزيز يجلب الخير ولذلك يرجوه الجميع أن ينتظر ولا يذهب.. وعلى الرغم من وجود أغان حديثة عن شهر رمضان فإنها لم تعش طويلا، وما زال الشعب المصرى يتعامل مع الأغاني القديمة التي ترحب بشهر رمضان وكأنها الهلال فبمجرد سماعها يعرف أنه صائم.. هذه أغان أنتجها عصر كانت فيه الهوية المصرية واضحة، ثمة هوية ثقافية واجتماعية تشير إلى أننا في مصر من خلال هذه الأغاني، ولهذا أقول إنه على الرغم من مئات المسلسسلات التي تنتجتها الفضائيات في شهر رمضان فإن التليفزيون المصرى والإذاعة المصرية يملكان هذا الكنز، كنز الأغاني الرمضانية.

ولم تقتصر هذه الأغاني على الكلمات والموسيقى والغناء، بل تم تصوير معظمها من خلال مشاهد تعكس الروح المصرية وتجسد العادات والتقاليد من خلال مشاهد حية من الشارع المصرى وذلك بدءا من استخدام الكلمات الهيروغليفية «إياحه»، مرورا بتجسيد العادات والتقاليد والروح المصرية في هذه الأغاني «هاتوا الفوانيس هنزف عريس ألحان وغناء محمد فوزي، ومن كلمات الشاعر عبد العزيز سلام، وصولا إلى مزج هذا الاحتفال بالأحداث السياسية كما في أغنية الفنانة صباح التي تحتفل بالجمهورية ووداع الملكية «حالو يا حالو»... فقد اختلفت عن الأغاني الأخرى، إذ مزجت السياسة بالعادات والتقاليد الرمضانية، حيث غنت للوحدة العربية والجمهورية العربية المتحدة وقناة السويس والهجوم على المستعمر. كما كتب الشاعر عبد الفتاح مصطفى في وداع شهر رمضان واحدة من أجمل الأغاني، راجيا منه أن يبقى ولا يرحل والله لسه بدری یا شهر الصيام من ألحان عبد العظيم محمد وغناء شريفة فاضل. فعلى الرغم من إنتاج مئات المسلسلات الدرامية والبرامج لهذا الشهر فإن مدة صلاحيتها قصيرة إذ قورنت بهذه الأغاني التي قدمها كبار المطربين أمثال صباح ومحمد عبد المطلب وعبد العزيز محمود ومحمد فوزي وأحمد عبد القادر وغيرهم، إذ عبرت هذه الأغاني عن الوجدان المصرى الذي سعى عبر العصور إلى تلبية احتياجاته الدينية من خلال إبداع فنونه الخاص.

وأشهر هذه الأغاني التي تجسد الوعى بالهوية المصرية، والأكثر شهرة بين أغاني هذا الشهر وحوى يا وحوی» من كلمات حسين حلمى المانسترلي وألحان أحمد الشريف، وغناء أحمد عبد القادر، والتي تحتوى على كلمات فرعونية وتقول كلماتها وحوى.. يا وحوى.. إياحة رحت يا شعبان وحوينا الدار جيت يا رمضان.. هل هلالك و البدر أهو بان.. يالا الغفار... شهر مبارك وبقاله زمان يالا الغفار محلا نهارك بالخير مليان.. وحوى يا وحوى.. إياحة.. رحت يا شعبان... وحوينا الدار جيت يا رمضان.. جيت في جمالك سقفوا يا عيال.. يالا الغفار... محلا صيامك فيه صحة وعال.. يالا الغفار.. نفدى وصالك بالروح والمال... وحوى يا وحوى.. إياحة.. طول ما نشوفك قلبنا فرحان.. يالا الغفار... يكتر خيرك أشكال وألوان.. يالا الغفار... بكرة فى عيدك نلبس فستان.. وحوى يا وحوى.. إياحة.. هاتی فانوسك يا اختى يا إحسان.. يالا الغفار.. آه يا ننوسك في ليالي رمضان.. يالا الغفار... ماما تبوسك وباباكى كمان.. وحوی یا وحوي».

وجملة وحوى يا وحوى فرعونية تعنى ذهب أو رحل وتقال في وداع شهر شعبان و استقبال شهر رمضان فعلى الرغم من غياب اللغة المصرية القديمة وتطورها إلى الهيروغليفية ثم إلى القبطية، ثم اقتصار اللغة القبطية على الصلاة في الكنائس إلا أن المصريين احتفظوا بكلمات عديدة في حياتهم اليومية من اللغة الأصلية ..

والبعض يقول إن كلمة «إيوحة» أو «إياحة» تعنى القمر، وربما كان المصريون يستخدمونها في استقبال القمر ووداعه. وهذه الأغنية الشعبية التي حفظتها الذاكرة الشعبية وعقل الجماعة سنوات طويلة حتى يومنا هذا تعود في كلماتها إلى آلاف السنين والبعض يعيد مطلع الأغنية وحوى يا وحوى.. إياحة» إلى استقبال المصريين لمحبوبتهم إيعح حتب» والتي تعنى «قمر الزمان» زوجة محرر مصر من الهكسوس والتي شجعته على ذلك فاستقبلها المصريون بهذه الكلمات وفي رواية أخرى كانت وحوى يا وحوى إياحة يغنيها المصريون القدماء أثناء خسوف القمر.. واستفاد منها الشاعر حسين حلمى المانسترلي للترحيب بشهر رمضان، وكتب صورة درامية مدهشة تجسد الروح المصرية مودعاً شهر شعبان ومستقبلاً شهر رمضان

وعلى مستوى الصورة التي جسدت هذه الكلمات، تم تصوير هذه الأغنية عدة مرات الأولى بالأبيض والأسود واعتمدت على فضاء القاهرة الإسلامية حيث تلعب المآذن والمساجد التاريخية دور البطولة في الصورة مع تجسيد بعض العادات والتقاليد المصرية التي ارتبطت بشهر رمضان وأهمها الفوانيس كمظهر رئيسي في هذا الشهر، وكذلك أفران الكنافة التقليدية، وبائع الفول المدمس وحوله زحام من المصريين، بالإضافة إلى الزينة الرمضانية في شوارع القاهرة، إذ كان المخرج حريصًا على أن تلعب المدينة المصرية بكل مفرداتها التي تجسد هويتها دور البطولة في الصورة المصاحبة لكلمات الشاعر حلمى المانسترلى، وألحان أحمد الشريف وصوت أحمد عبد القادر.

إذا كانت مصر وما زالت تستمد قوتها ومجدها من تنوعها الثقافي، وقدرة وادى النيل على استيعاب وهضم كل الثقافات والحضارات التي تعاقبت عليه من أعراق وأديان مختلفة وقدرته الفذة على التعايش مع هذه الثقافات والأجناس المختلفة فالصحراء المصرية التي احتضنت مقابر الفراعنة وشهدت مجد الحضارة المصرية القديمة هي الصحراء ذاتها التي شهدت ميلاد الرهبنة المسيحية ومنها انطلقت إلى العالم، وهي أيضا الصحراء ذاتها التي ارتفعت فوق رمالها أجمل المآذن واحتضنت تكايا الدراويش وأضرحة الأولياء والأسبلة ومدارس الفقة واللغة وعلوم الدين. وهى الروح المصرية بكل مكوناتها عبر العصور، التي حولت المناسبات الدينية لدى المسلمين والمسيحيين إلى أعياد مصرية تجسد وبقوة الطابع القومي و تبرز بقوة مفردات الهوية المصرية.

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...