فى مهرجان وسط البلد.. حضور فلسطينى وصرخة ضد حرب الإبادة

يتميز مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة بمحاولة اكتشاف مساحات وفضاءات غير تقليدية، يقدم من خلالها عروضاً مسرحية مختلفة عن السائد والمألوف،

ليس فقط من خلال البحث عن تجارب جديدة، بل وأيضاً من خلال ارتباط معظم العروض بالمكان، أى الفضاءات غير التقليدية التى تستقبل عروض المهرجان، سواء سطوح العمارات القديمة فى وسط البلد، أو ساحة المصنع، وفضاء الهنجر، إلى جوار ساحة مسرح روابط غير التقليدى أيضاً، هذا بالإضافة إلى العروض التى تستقبلها المسارح الكلاسيكية.

فى دورته الثالثة عشرة، يواصل «دى كاف» مع المدير الفنى للمهرجان المخرج أحمد العطار تقديم عروضه غير التقليدية، فى قلب مدينة القاهرة، وبالتحديد، القاهرة الخديوية، مستغلا فضاءات ومساحات غير مطروقة من قبل لتقديم مجموعة من العروض المسرحية، التى تتراوح بين الرقص المعاصر، والعروض التوثيقية، والقراءات الشعرية، والتجارب الشخصية، والعروض التى تعتمد على الفنون البصرية، وتستفيد من تقنيات التكنولوجيا. طرحت هذه العروض مجموعة من القضايا، منها ما يخص المرأة، وعروض أخرى تطرح تجارب إنسانية مثيرة وخاصة. لكن القضية الفلسطينية كانت حاضرة فى عدد من المسرحيات، ولعبت دور البطولة فى هذه الدورة من خلال تجارب متنوعة قدم عرب وفلسطينيون وأجانب، وكتب أحمد العطار فى كلمته التى تصدرت برنامج المهرجان، تحت عنوان «لا سلام بلا عدالة» حول الإبادة الجماعية التى تعرض لها الشعب الفلسطينى فى غزة، تساءل عن موقع المهرجان وموقفه من هذه الأحداث، ويؤكد هذا المهرجان بما يقدمه من عروض يمثل الصوت والأداة التى نملكها لمقاومة كل ما يقمعنا ويقيد حركتنا، ويسعى لطمس وجودنا وتاريخنا وهويتنا. وهذا ما انعكس على عدد كبير من العروض المسرحية التى شاركت فى الدورة الثالثة عشرة من مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة.

 غزة أيها الفرح

فى عرض «غزة أيها الفرح» الذى قدمته الشاعرة الفلسطينية هند جودة القادمة من مخيم البريج للاجئين، وقد عاشت أياماً فى الحرب الأخيرة فى غزة، والآن تعيش لاجئة مع عائلتها فى القاهرة. كتبت حين كانت تعيش وسط المجازر اليومية عن غزة، عن الموت اليومى، عن معاناة النساء والأطفال، عن البيوت التى تهدمت، عن أيام الإبادة من خلال نصوص، جاءت بمثابة توثيق لأيام الحرب شعراً، وذلك حين يبكى المهزوم، ويحاكم المنتصر، ولأنه لا يملك أن يحاربه بالأسلحة والمعدات، وكما يقدم البعض حياته فداءً للأرض، حاولت الشاعرة المقاومة بهذه الكلمات.. التى جاء وصفها فى بطاقة العرض بأنها «ملحمة بأصوات نسائية، يقفن شامخات فى وجه المأساة، يحرسن شعلة الحياة، ويعبرن من عتمة الموت إلى الحياة» هذه القصيدة التى كانت شاهدة على أيام الإبادة، ولحظات الرعب أدتها هند جودة على خشبة المسرح باللغة العربية مع الشاعرة المغربية سكينة حبيب الله باللغة الفرنسية، كلاهما يؤدى الكلمات التى تجسد المأساة بطريقته، الشاعرة صاحبة هذه الكلمات، تبدو جادة، تصرخ تارة، وتسخر تارة ليس فقط من أفعال الحرب، بل وأيضاً من غياب العدالة العالمية، أما الشاعرة المغربية فبدت هادئة تتلو بصوت لا يخلو من الشجن وقائع هذه المأساة، ورغم أن الغرض كان الترجمة إلا أنهما جسدتا حالتين فى حوار بين غزة باللغة العربية، والعالم باللغة الفرنسية، وأضاف المخرج الفرنسى هنرى جول جوليان إلى كلمات المأساة بالعربية والفرنسية، أصوات قادمة من غزة، صوت أزيز الطائرات وهدير المدافع وطلقات الرصاص مع هدير أمواج البحر التى تقبع فى أحضانه المدينة المنكوبة. ورغم أن الجمهور شاهد قراءة شعرية اعتمدت على الكلمات والأداء الصوتى مع بعض المؤثرات التى استعان بها المخرج، إلا أن فداحة المأساة التى تجسدها الكلمات، والتى عاشها الجمهور حتى ولو من خلال الشاشات، كان لها تأثير كبير ومؤلم فى نفوس الجمهور.

 نور

وتتجسد غزة مرة أخرى فى الرقص المعاصر من خلال عرض «نور» فكرة وتصميم شيماء شكرى، وموسيقى أحمد صالح، والعرض الذى يأتى تحت عنوان «صوتنا معا الآن» إنتاج مشترك بين، المشرق للإنتاج / مصر، وسرية رام الأولى/ فلسطين، وأيضاً بدعم أيرلندى، وبريطانى. ولا يخلو تعدد جهات الدعم من دلالة سواء فى هذا العرض أو عرض «غزة أيها الفرح» فهو اتجاه واضح للتعاطف مع هذا الشعب المنكوب والذى يتعرض لحرب إبادة معلنة تحت سمع وبصر العالم. فى العرض الذى استمر ما يقرب من أربعين دقيقة، ثلاث راقصات «بيسان جعارة، حنين طارق، ونبيال أبودان» يظهرن للجمهور فى العتمة التى سوف تستمر دقائق حتى يراهن الجمهور، حيث لعبت الموسيقى دورا محورياً فى هذا العرض الذى اعتمد على رقصات شيماء شكرى، إلا أن الموسيقى كان لها دور رئيسى، موسيقى اعتمدت على تيمات شعبية، توحى أحياناً بالفولكلور المصرى أو الفلسطينى، وخاصة الدبكة، فمنذ اللحظات الأولى يتورط المشاهد من خلال الموسيقى ضمن حالة تشى بهذا التراث الذى استمد الموسيقى منه مادته، والذى ينحاز للهوية العربية والتراث الإنسانى الفلسطينى، لتحمل موسيقى أحمد صالح بعداً درامياً وكأنها تروى الحدث الذى صممته شيماء شكرى من خلال التعبير الحركى، الذى انطلق من فكرة مغزاها البحث عن النور، ومقاومة الظلمة ليس بمعناها المباشر، ولكن الظلام بكل تجلياته المادية والروح، وهذا ما يبدو واضحاً فى حركة الراقصات الثلاث بمصاحبة الموسيقى، وهن يجسدن حركات أقرب إلى حركة الحياة اليومية، والتى بدت أحياناً أنهن فى معركة، أقرب إلى لعبة التحطيب، وكانت رقصة الدبكة حاضرة بقوة وبشكل مباشرة، للتعبير عن الهوية الفلسطينية من خلال عرض تدور حبكته الأساسية حول البحث عن النور فى هذا العالم المعتم، من خلال التعبير الحركى والموسيقى.

 أحضان فارغة

ويأتى عرض «أحضان فارغة» أيضاً فى هذا السياق الذى ينحاز إلى الشعب الفلسطينى فى محنته التى بدأت منذ عام 1917، وحتى وقتا هذا، والعرض أيضاً فرنسى فلسطينى، يحكى من خلال الرقص المعاصر مأساة هذا الشعب، إذ يقدم رؤية مفادها أن المأساة مستمرة، ويعرض مجموعة من اللوحات لرمز صيام، ونوار سالم، حيث يتحركان فى دائرة تحيطها الرمال يؤديان أفعالاً أقرب للبحث عن الخلاص فى هذا العالم، وتلعب الرمال دوراً رئيسياً فى الحكاية، من خلال عملية الدفن الرمزى للأشياء، وتجسيد حالة الضياع التى تعيشها الشخصيات فى هذه المتاهة، بالإضافة إلى الشعور بالقهر. وثمة شعور قوى بسؤال: ماذا نفعل، وهو السؤال الذى يطرحه العالم كله الآن: ماذا نفعل وكيف ننجو من هذه الكارثة؟

العروض الثلاثة تم تقديمها بمشاركة فلسطينية، وخاصة الأداء سواء التمثيلى أو الشعرى، أو التعبير الحركى.. وكانت الحرب حاضرة بقوة، أو قُل تأثيرها وتداعياتها فى هذه العروض، فى دلالة واضحة على الشعور بفداحة ما يحدث فى غزة.

وأنا أشاهد هذه العروض تذكرت الكاتب المسرحى السويسرى ماكس فريش حين قال: كل كتاب لا يهتم بإيقاف الحرب ويخلق مجتمعاً أفضل، هو كتاب بلا معنى وعديم القيمة، لا يستحق القراءة، فنحن لا نعيش عصر القصص الذاتية، وقد حاولت العروض المسرحية هنا أن تقدم اعتراضاً فى وجه الحرب، ربما لا تستطيع إيقافها! فالجمهور الذى شاهد هذه العروض، شاهد أيضاً الشعب الفلسطينى فى غزة على مدى عامين فى قبضة جيش الاحتلال الإسرائيلى الذى يمارس ضده كل أنواع القتل، كل الجرائم، قتل للأطفال والشيوخ والنساء ممن لا يحملون السلاح، تدمير كل ما يمت بصلة للفلسطينيين دون مراعاة للقوانين والأعراف التى تحكم الإنسانية، لتصبح غزة مجرد أنقاض، مدينة أشباح، بينما العالم يكتفى بالمشاهدة. «وللحديث بقية»

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مسرح

المزيد من فن

مى عمر ضيفة شرف فى مسلسل زوجها

تحل الفنانة مى عمر ضيفة شرف فى مسلسل «8 طلقات»، والذى يقوم ببطولته زوجها المخرج محمد سامى.

محمود حميدة ينتهى من تصوير «فرصة أخيرة» آخر الأسبوع

يودع الفنان محمود حميدة لوكيشن تصوير مسلسله «فرصة أخيرة » نهاية الأسبوع الحالى.

محمد إمام يودع «الكينج 28» رمضان

يواصل الفنان محمد إمام تصوير مشاهد مسلسله «الكينج»، والذى يشارك فى السباق الحالى.

تكثيف ساعات تصوير «فخر الدلتا»

يكثف فريق مسلسل «فخر الدلتا» ساعات التصوير للانتهاء من العمل الأسبوع المقبل.


مقالات

مسجد الفتح بميدان رمسيس
  • الجمعة، 13 مارس 2026 09:00 ص
وحوى يا وحوى وتحطيم الهكسوس
  • الخميس، 12 مارس 2026 06:00 م
حديقة الأزبكية
  • الخميس، 12 مارس 2026 09:00 ص
حين نهدأ… ماذا نكتشف عن أنفسنا؟
  • الأربعاء، 11 مارس 2026 10:02 م