أوسكار فخرية لتوم كروز وديبى ألـن وتوماس وين

فى لحظة طال انتظارها، قررت الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم الصور المتحركة، أن تفتح ذراعيها هذا العام لثلاثة أسماء حفرت حضورها العميق فى ذاكرة الفن السابع،

 بأن تمنحهم “أوسكار” فخرية عن مجمل أعمالهم، وهم: توم كروز وديبى ألن، ووين توماس.. منح الأوسكار الفخرية بمثابة اعتراف متأخر، لكنه مستحق، وإشارة إلى أن صناعة السينما لا تكتمل من دون مَن يقفون فى الخلف، ويرسمون تفاصيل المشهد بعيون لا تُرى، لكن لا يمكن نسيانها، وسيمنح الثلاثة جائزة أوسكار فخرية، قبل الحفل الـ98 لعام 2026، فى 15 مارس القادم.

لم تُرشَّح ديبى ألن (75 عاما) لجائزة الأوسكار عن أى أداء تمثيلى أو إخراجى، رغم مسيرتها المتنوعة والممتدة على مدار أكثر من خمسة عقود، ما يُعد مفارقة بالنظر إلى تأثيرها الكبير فى مجال الاستعراضات الراقصة والإخراج والإنتاج التليفزيونى، اشتهرت ألن من خلال مسلسل Fame، إذ جسّدت شخصية المعلمة الصارمة «ليا جرانت»، وواصلت مشوارها خلف الكاميرا فى إخراج عشرات الأعمال، إلى جانب دورها الريادى فى تدريب وتوجيه أجيال من الفنانين السود، ورغم غياب الترشيحات الرسمية، فإن منحها الأوسكار الفخرية فى الحفل القادم ٢٠٢٦ بمثابة تصحيح لمسار طويل من الإسهامات الفنية والثقافية، واعتراف بمكانتها كواحدة من أبرز نساء هوليوود فى كواليس الفن والإبداع.

أما وين توماس، مصمم الإنتاج المبدع، فقد ظل لعقود من الزمن مهندس الصورة السينمائية التى ميّزت أفلام سبايك لى، خصوصًا فى Do the Right Thing وMalcolm X. ومع أنه لم ينل أى ترشيح رسمى من الأكاديمية، فقد كانت لمساته البصرية سببًا رئيسيًا فى عمق تلك الأفلام وتأثيرها الثقافى.

الثالث، توم كروز، نجم الإثارة والمغامرات، ظل لعقود مرادفًا للانضباط والشغف السينمائى، يُكرَّم أخيرًا بجائزة أوسكار فخرية عن مجمل أعماله، بعد سنوات من التجاهل الرسمى، رغم شعبيته الهائلة وتأثيره الفنى، وقد سبق ترشيحه وحصل على أربعة ترشيحات لجوائز الأوسكار لكنه لم يفز بأى منها، رغم تحقيقه شهرة عالمية لأدواره فى فيلمى «مهمة مستحيلة» و»توب جن».

توم كروز (62 عاما) رسم لنفسه طريقًا خاصًا فى هوليوود، فهو بطل الأكشن الذى تجاوز الحدود، ومنذ ظهوره فى ثمانينيات القرن الماضى لا يعتمد فقط على الوسامة أو الكاريزما، بل على التفرغ الكامل لمهنته، وانغماسه الجسدى والذهنى فى كل دور عبر أفلام مثل Top Gun و Rain Man  وسلسلة Mission: Impossible  وقدّم مزيجًا فريدًا من الحضور السينمائى والالتزام المهنى الذى جعله رمزًا لجيل كامل، ورغم تجاهله مرارًا فى سباقات الجوائز الكبرى، ظل تأثيره على الصناعة حاضرًا بقوة، من خلال إصراره على أداء المشاهد الخطيرة بنفسه، ودعمه لصناعة السينما فى أكثر لحظاتها اضطرابًا، كما فعل فى ذروة الجائحة، واليوم يأتى هذا التكريم الفخرى ليعيد التوازن، ويمنحه الاعتراف الذى تأخّر طويلًا.

 ورغم أن كروز واحد من أكثر الأسماء إثارة للجدل فيما يخص جوائز الأوسكار، فهو نجم سطع مبكرًا، وظل يتوهج لأربعة عقود دون أن يخبو، ومع ذلك، لم يصعد يومًا إلى المسرح ليحمل تمثال الأوسكار كفائز، ثلاث مرات فقط اقترب فيها من التتويج، ثم تراجع اسمه فى اللحظة الأخيرة أمام منافسين آخرين، مسيرة حافلة بالصعود، لكن بلا لحظة تتويج رسمية من أكاديمية تُفضّل دائمًا الأدوار المعذّبة والوجوه المحطّمة، على وجوه النجوم الذين يتحدّون الجاذبية.

كانت أولى محاولاته الجادة عام 1989، حين قدّم دور الجندى الأمريكى رون كوفيك فى فيلم Born on the Fourth of July  للمخرج أوليفر ستون، وجسّد كروز قصة الجندى الحقيقى الذى عاد من فيتنام مشلولًا، بعدما آمن بالحرب، ثم صار أحد أشرس معارضيها. كان أداءً صادمًا بكل المعايير، حيث كسّر صورته النمطية كفتى وسيم ليظهر محطمًا، غاضبًا، هشًّا، حصل على ترشيحه الأول كأفضل ممثل رئيسى، وبدأت التوقعات تُراهن عليه بقوة، لكنه خسر أمام أداء لا يقل ألمًا وإنسانية قدمه دانيال داى ـ لويس فى My Left Foot بشخصية الرسام الشاب المصاب بشلل دماغى، ولا يتحرك فيه سوى قدمه اليسرى.

ثم جاء عام 1996، حين قرر كروز أن يسلك طريقًا أكثر رهافة مع المخرج كاميرون كرو فى فيلم Jerry Maguire ، إذ لعب دور وكيل رياضى يتعرض لانهيار داخلى، ويعيد تقييم حياته المهنية والشخصية، كان الفيلم، بنبرته العاطفية ورسائله الإنسانية، أقرب إلى «رومانسية الكبار» ولاقى نجاحًا نقديًا وجماهيريًا، ظهرت هشاشة كروز فى هذا الفيلم، كما لم تظهر من قبل، بين طموحات المال وغرائز الحب والخذلان، لكنه واجه منافسة شرسة من جيفرى راش فى فيلم Shine ، الذى أدّى فيه دور عازف بيانو مصاب بانفصام حاد فى الشخصية، مرة أخرى، غادر كروز القاعة بوجه هادئ، لكن دون تمثال.

فى عام 1999، جاء ترشيحه الثالث، لكن هذه المرة كممثل مساعد، عن دوره فى فيلمMagnolia  من إخراج بول توماس أندرسون، دور خارج المألوف تمامًا، حيث جسّد شخصية فرانك تى. ماكى، محاضر فى «فن السيطرة على النساء»، رجل متغطرس ومزعج على السطح، لكنه يحمل داخله جراحًا إنسانية مؤلمة وعلاقة مشوّهة مع والده المحتضر، لم يكن مجرد دور، بل لحظة مواجهة مع النفس على الشاشة، ونال ترشيحًا مستحقًا، لكنه خسر الجائزة أمام مايكل كين الذى قدم أداء دافئًا وإنسانيًا فى The Cider House Rules.

ورغم هذه الترشيحات الثلاثة، ظل كروز خارج دائرة التتويج، فى مفارقة يصعب تفسيرها، ربما لأن الأكاديمية كانت ترى فيه نجمًا جماهيريًا، أكثر مما تراه ممثلًا «جادًا» بالمعنى الأكاديمى، وربما لأن اختياراته بعد الألفية انحازت أكثر إلى أفلام الحركة والمؤثرات الكبرى، حيث جسده يسبق الكاميرا ويعلو فوق الطائرات، بينما ظلت الأكاديمية تفضّل الأدوار التى تُجسد الانكسار والتشوهات، تلك التى تظهر الممثل وهو يتألم، أو يختفى خلف قناع من المعاناة الجسدية أو النفسية.

رغم غياب الأوسكار عن رفوفه، لم يكن توم كروز يومًا بعيدًا عن التكريم والجوائز، فقد نال ثلاث جوائز جولدن جلوب عن أدواره فى Born on the Fourth of July وJerry Maguire وMagnolia، وهى الجوائز التى كانت بمثابة اعتراف نقدى بقدراته التمثيلية فى مراحل مختلفة من مسيرته، كما حصد جوائز من مؤسسات دولية ومحلية عديدة، من بينها جائزة MTV Movie Awards لأفضل ممثل أكثر من مرة، تقديرًا لشعبيته الجارفة بين الجمهور، وجائزة Saturn Award عن أدائه فى أفلام الخيال العلمى، وفى عام 2023، مُنح جائزة David O. Selznick من نقابة المنتجين الأمريكيين تقديرًا لإسهاماته كمنتج وصانع سينما. كروز، الذى لا يملك تمثال الأوسكار، يملك رصيدًا واسعًا من الجوائز التى تعكس تنوّع مسيرته وتأثيره العابر للأنواع والأجيال.

لكن الاعتراف، وإن تأخر، جاء أخيرًا حين أعلنت الأكاديمية عن منحه جائزة أوسكار فخرية، تقديرًا لمسيرته الطويلة، وتأثيره الكبير على الصناعة، لا كممثل فحسب، بل كمنتج أسهم فى إبقاء دور العرض حيّة، حتى فى أقسى ظروف الجائحة، وهكذا، نال كروز الاعتراف الذى طالما استحقه، لا عن دور محدد، بل عن مشوار كامل من التفانى والاندفاع والاختيارات الجريئة، لم يكن أوسكارًا تقليديًا، لكنه كان لحظة عدالة رمزية، تمنح هذا النجم ـ الذى طارد الأوسكار سنوات طويلة ـ بعضًا من الضوء الذى منحه للسينما طوال حياته.

 	أميمة فتح الباب

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص